مناقشة الاستدلال بالشورى

 


اختر اللون المناسب لأرضية الصفحة

- معالم المدرستين - السيد مرتضى العسكري ج 1 ص 168 : -

 أولا : مناقشة الاستدلال بالشورى


ان أول من ذكر الشورى وأمر بها لاقامة الخلافة هو الخليفة عمر بن الخطاب ، غير أنه لم يأت بدليل على أن الامامة في الاسلام تقام بالشورى ، واستدل المتأخرون من أتباع مدرسة الخلفاء على صحة اقامة الامامة بالشورى بآيتين من كتاب الله ،

وبما ورد عن رسول الله انه كان يستشير أصحابه في بعض الامور الهامة ، وبكلمة عن الامام علي ، ونحن نبدا هنا بدراسة ما استدلوا به في هذا الصدد ثم ندرس الشورى التي أمر بها الخليفة عمر .

الاستدلال للشورى بكتاب الله وسنة رسوله

 أ ) استدلوا بقوله تعالى للمؤمنين : " وأمرهم شورى بينهم " ( 1 ) .

 ب ) بقوله تعالى لرسوله : " وشاورهم في الامر " ( 2 ) .

 ج ) أن رسول الله كان يستشير أصحابه في الامور الهامة ،

 فنقول :

 أولا : الاستدلال بآية " وأمرهم شورى " . ان هذه الجملة من آية 38 من سورة الشورى جاء بعدها " ومما رزقناهم ينفقون " كلتا الجملتين تدلان على رجحان الفعل فيهما ، وليس على وجوب التشاور والانفاق . هذا اولا ،


وثانيا انما يصح التشاور في أمر لم يرد فيه من الله ورسوله حكم ، فقد قال الله سبحانه : " ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا " الاحزاب - 35 ، وسيأتي بعيد هذا ما ورد عن الله ورسوله في أمر الامامة مالا يبقى معه مورد للتشاور .
 

  * هامش *  
  (1) الشورى / 38 .
(2)
آل عمران / 159 . ( * )
 

 

ج1 - ص 169 -

 ثانيا : الاستدلال بآية " وشاورهم في الامر " ان هذا الآية التاسعة والخمسين بعد المائة من سورة آل عمران وقد وردت ضمن سلسلة من آيات 139 - 166 منها وكلها في أمر غزوات الرسول وكيف نصرهم الله فيها ، وفي بعضها يخاطب

المسلمين وخاصة الغزاة منهم ويعظهم ، وفي بعضها يخاطب الرسول خاصة ومن ضمنها هذه الآية : " فبما رحمة من الله لنت لهم ، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ، فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر فإذا عزمت فتوكل على الله ، ان الله يحب المتوكلين " .


يظهر جليا أن الامر بالمشاورة في هذه الآية بقصد الملاينة معهم والرحمة بهم ، وليس مأمورا بالعمل برأيهم ، بل يقول له وإذا عزمت فتوكل واعمل برأيك ، ومن المجموع أيضا أن مقام المشاورة الراجحة انما هي في الغزوات ، وما ذكر من مشاورة الرسول مع أصحابه أيضا كانت في الغزوات كما سنذكرها في ما يلي :


 ثالثا : الاستدلال بمشاورة الرسول مع أصحابه : ان مشاورة الرسول مع أصحابه كانت في الغزوات ، وأشهرها مشاورته معهم في غزوة بدر ، وقصتها كما يلي : ندب رسول الله أصحابه للتعرض لقافلة قريش التجارية الراجعة من الشام بقيادة

أبي سفيان وخرج معه 313 شخصا ممن استعد للاستيلاء على القافلة التجارية وليس للقتال ، وبلغ الخبر أبا سفيان فانحرف في سيره عن الطريق ، واستصرخ قريشا بمكة فخرجت مستعدة للقتال في جيش يقارب الالف محارب ، وأفلت أبو سفيان

والقافلة ، فكان الرسول صلى الله عليه وآله أمام خيارين : التراجع إلى المدينة بسلام ، أو مقاتلة جيش قريش المتأهب للقتال بجيشه غير المتكافئ عددا وعدة . تفصيل الخبر : روى ابن هشام في سيرته وقال : واتاه الخبر عن قريش ومسيرهم ليمنعوا

عيرهم ، فاستشار الناس واخبرهم عن قريش ، فقام أبو بكر الصديق فقال واحسن ، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن ، ثم قام المقداد . . . ( 1 ) . ثم ذكر ما قاله المقداد وما قالته الانصار . بينا لم يذكر ما قاله أبو بكر ثم عمر !
 

  * هامش *  
  (1) سيرة ابن هشام ج 2 / 253 . ( * )  

 

ج1 - ص 170 -

وفي صحيح مسلم : فتكلم أبو بكر فأعرض عنه ، ثم تكلم عمر فأعرض عنه ، فقام المقداد . . . ( 1 ) . ان مسلما هكذا ذكر أيضا ولم يذكر ما تكلم به أبو بكر وكلاهما لم يتما ذكر الخبر ، ونحن ننقل تمام الخبر من مغازي الواقدي وامتاع الاسماع

للمقريزي واللفظ للاول قال ، قال عمر : يا رسول الله ، إنها والله قريش وعزها ، والله ما ذلت منذ عزت ، والله ما آمنت منذ كفرت ، والله لا تسلم عزها أبدا ، ولتقاتلنك ، فاتهب لذلك أهبته وأعد لذلك عدته . ثم قام المقداد بن عمرو فقال :

يا رسول الله ، امض لامر الله فنحن معك ، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لنبيها : " فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون " ( 2 ) ، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ، والذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد

لسرنا معك - وبرك الغماد من وراء مكة بخمس ليال من وراء الساحل مما يلي البحر ، وهو على ثمان ليال من مكة إلى اليمن . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ، ودعا له بخير . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أشيروا

علي أيها الناس ! " وإنما يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم الانصار ، وكان يظن أن الانصار لا تنصهر إلا في الدار ، وذلك أنهم شرطوا له أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأولادهم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أشيروا علي!"

فقام سعد بن معاذ فقال : أنا أجيب عن الانصار ، كأنك يا رسول الله تريدنا ! قال : " أجل " . قال : إنك عسى أن تكون خرجت عن أمر قد أوحى إليك في غيره ، وإنا قد آمنا بك وصدقناك ، وشهدنا أن كل ما جئت به حق ، وأعطيناك مواثيقنا

وعهودنا على السمع والطاعة ، فامض يا نبي الله ، فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت هذا البحر فخضته لخضناه معك ، ما بقي منا رجل ، وصل من شئت ، واقطع من شئت ، وخذ من أموالنا ما شئت ، وما أخذت من أموالنا أحب إلينا مما تركت.

والذي نفسي بيده ، ما سلكت هذا الطريق قط ، ومالي بها من علم ، وما نكره أن يلقانا عدونا غدا ، إنا لصبر عند الحرب ، صدق عند اللقاء ، لعل الله يريك منا ما تقربه عينك . حدثنا محمد قال : حدثنا الواقدي قال : فحدثني محمد بن صالح ، عن عاصم

  * هامش *  
  (1) صحيح مسلم ، كتاب الجهاد والسير ، باب غزوة بدر 3 / 1403 .
(2)
سورة المائدة 24 . ( * )
 

 

ج1 - ص 171 -

بن عمر بن قتادة ، عن محمود بن لبيد قال : قال سعد : يا رسول الله ، إنا قد خلفنا من قومنا قوما ما نحن بأشد حبا لك منهم ، ولا أطوع لك منهم ، لهم رغبة في الجهاد ونية ، ولو ظنوا يا رسول الله أنك ملاق عدوا ما تخلفوا ، ولكن إنما ظنوا أنها

العير . نبني لك عريشا فتكون فيه ونعد لك رواحلك ، ثم نلقي عدونا ، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا ، وإن تكن الاخرى جلست على رواحلك فلحقت من وراءنا . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم خيرا ، وقال : " أو يقضي

الله خيرا من ذلك يا سعد ! " قالوا : فلما فرغ سعد من المشورة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سيروا على بركة الله ، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين . والله ، لكأني أنظر إلى مصارع القوم . " قال : وأرانا رسول الله صلى الله عليه

وسلم مصارعهم يومئذ ، هذا مصرع فلان ، وهذا مصرع فلان ، فمنا عدا كل رجل مصرعه . قال : فعلم القوم أنهم يلاقون القتال ، وأن العير تفلت ، ورجوا النصر لقول النبي صلى الله عليه وسلم ( 1 ) .


كانت هذه استشارة رسول الله في هذا المقام . ان رسول الله صلى الله عليه وآله يستشير أصحابه في ماذا يفعلون ، وقد أخبره الله سبحانه وتعالى بأنهم سيقاتلون وينتصرون ، وأخبره بمصارع القوم ، والرسول صلى الله عليه وآله أيضا يخبر

أصحابه بمصارع القوم بعد أن وافقوه على القتال ، فهو إذ يستشيرهم لا يريد الاستفادة من رأيهم ، وانما هو نوع من الملاينة واخبار بافلات عير قريش وتغيير الامر من الاستيلاء على مال التجارة إلى القتال فليستعدوا للقتال .


كانت هذه مشاورة الرسول صلى الله عليه وآله أصحابه في هذا المقام ، وفي ما يلي قصة مشورة أصحاب الرسول في غزوة أحد ، وفي هذه المشاورة عمل رسول الله صلى الله عليه وآله برأي أصحابه كما ورد في مغازي الواقدي وامتاع

الاسماع للمقريزي قالا : ان رسول الله صلى الله عليه وآله صعد على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : " أيها الناس ، إني رأيت في منامي رؤيا : رأيت كأني في درع حصينة ، ورأيت كأن سيفي ذا الفقار انقصم ( 2 ) من عند ظبته ( 3 ) ، ورأيت بقرا تذبح ، ورأيت كأني مردف كبشا . " فقال الناس يا رسول الله ، فما أولتها ؟ قال : " أما الدرع الحصينة
 

  * هامش *  
  (1) مغازي الواقدي ، ط . اكسفورد 1 / 48 - 49 . وامتاع الاسماع للمقريزي ، 74 - 75 .
(2)
انقصم : تكسر وتثلم .
(3)
الظبة : حد السيف من قبل ذبابه وطرفه . ( * )
 

 

ج1 - ص 172 -

فالمدينة ، فامكثوا فيها ، وأما انقصام سيفي من عند ظبته فمصيبة في نفسي ، وأما البقر المذبح فقتلي في أصحابي ، وأما أني مردف كبشا فكبش الكتيبة نقتله إن شاء الله . "


وفي رواية : " وأما انقصام سيفي فقتل رجل من أهل بيتي . " وقال : أشيروا علي . " ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يخرج من المدينة فواقفه عبد الله بن أبي والاكابر من الصحابة مهاجرهم وأنصارهم ، وقال عليه السلام : " امكثوا

في المدينة واجعلوا النساء والذراري في الآطام ، فإن دخل علينا قاتلناهم في الازقة - فنحن أعلم بها منهم - ورموا من فوق الصياصي والآطام ( 1 ) . " وكانوا قد شبكوا المدينة بالبنيان من كل ناحية فهي كالحصن ، فقال فتيان أحداث لم يشهدوا

بدرا وطلبوا الشهادة وأحبوا لقاء العدو : اخرج بنا إلى عدونا . وقال حمزة ، وسعد بن عبادة ، والنعمان بن مالك بن ثعلبة ، في طائفة من الانصار : إنا نخشى يا رسول الله أن يظن عدونا أنا كرهنا الخروج إليهم جبنا عن لقائهم ، فيكون هذا جرأة

منهم علينا ، وقد كنت يوم بدر في ثلاثمائة رجل فظفرك الله عليهم ، ونحن اليوم بشر كثير ، قد كنا نتمنى هذا اليوم وندعو الله به ، فساقه الله إلينا في ساحتنا . ورسول الله صلى الله عليه وسلم لما يرى من إلحاحهم كاره ، وقد لبسوا السلاح .

وقال حمزة : والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم اليوم طعاما حتى أجالدهم ( 2 ) بسيفي خارجا من المدينة ، وكان يوم الجمعة صائما ويوم السبت صائما . وتكلم مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري ، والنعمان بن مالك بن ثعلبة ، وإياس بن

أوس بن عتيك ، في معنى الخروج للقتال . فلما أبوا إلا ذلك صلى ( 3 ) رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة بالناس وقد وعظهم وأمرهم بالجد والجهاد ، وأخبرهم أن لهم النصر ما صبروا ، ففرح الناس بالشخوص ( 4 ) إلى عدوهم ، وكره ذلك

المخرج كثير . ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر بالناس وقد حشدوا ، وحضر ( 5 ) أهل العوالي ( 6 ) ورفعوا النساء في الآطام : ودخل صلى الله عليه وسلم بيته ومعه
 

  * هامش *  
  (1) الصياصي جمع صيصية : وهي الحصون ، والآطام جمع أطم : وهي بيوت من حجارة كانت لاهل المدينة
(2)
جالد بالسيف ، ضرب به كأنه يجلد بسوط لسرعة ضربه وتتابعه .
(3)
في الاصل : " صلى الله " .
(4)
الشخوص : الخروج .
(5)
في الاصل : " حضرو " .
(6)
العوالي : منية بينها وبين المدينة ثلاثة أميال . ( * )
 

 

ج1 - ص 173 -

أبو بكر وعمر ( رض ) فعمماه ولبساه . وقد صف الناس له ما بين حجرته إلى منبره ، فجاء سعد بن معاذ وأسيد بن حضير فقالا للناس : قلتم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما قلتم واستكرهتموه على الخروج ، والامر ينزل عليه من السماء ،

فردوا الامر إليه فما أمركم فافعلوه ، وما رأيتم فيه له هوى أو رأي فأطيعوه . فبيناهم على ذلك إذ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قد لبس لامته ( 1 ) ، ولبس الدرع فأظهرها وحزم وسطها بمنطقة ( 2 ) [ من أدم ] ( 3 ) من حمائل سيف ،

واعتم ، وتقلد السيف . فقال الذين يلحون : يا رسول الله ، ما كان لنا أن نخالفك ، فاصنع ما بدالك ، فقال : " قد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم ، ولا ينبغي لنبي إذا لبس لامته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه ، انظروا ما أمرتكم به فاتبعوه ،

امضوا على اسم الله فلكم النصر ما صبرتم " . لعل الحكمة في استجابة رسول الله صلى الله عليه وآله لالحاح أصحابه في الخروج أنه لو لم يستجب لهم الرسول أثر في نفوسهم تأثيرا سيئا ، وأولد فيهم الضعف والاستكانة بدل الاقدام والشجاعة ، أما عدم استحابته لهم بعد أن طابقوا رأيه فقد ذكر هو صلى الله عليه وآله حكمته .


مثال آخر من عمل الرسول برأي أصحابه فيما أشاروا عليه : قصة جرت في غزوة الخندق نوردها في ما يلي : غزوة الخندق روى الواقدي والمقريزي وقالا عن غزوة الخندق : وأقام صلى الله عليه وسلم وأصحابه محصورين بضع عشرة ليلة

حتى اشتد الكرب ، وقال صلى الله عليه وسلم : " اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك ، اللهم إنك إن تشأ لا تعبد . " وأرسل إلى عيينة بن حصن ، والحارث بن عوف - وهما رئيسا غطفان - أن يجعل لهما ثلث ثمر المدينة ويرجعان بمن معهما ، فطلبا

نصف الثمر فأبى عليهم إلا الثلث ، فرضيا . وجاءا في عشرة من قومهما حتى تقارب الامر ، وأحضرت الصحيفة والدواة ليكتب عثمان بن عفان ( رض ) الصلح - وعباد بن بشر قائم
 

  * هامش *  
  (1) اللامة : أداة الحرب ولباسها ، كالرمح والبيضة والمغفر والسيف والنبل .
(2)
المنطقة والنطاق ، كل ما يشد به الواسط كالخرام .
(3)
الذي بين القوسين كان في الاصل بعد قوله " حمائل سيف " ، وهذا حق موضعه . ( * )
 

 

ج1 - ص 174 -

على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم مقنع في الحديد - ، فأقبل أسيد بن حضير ، وعيينة ماد رجليه فقال له : يا عين الهجرس ، اقبض رجليك . أتمد رجليك بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ والله لولا رسول الله لانفذت حضنيك

بالرمح ! ثم قال : يا رسول الله صلى الله عليك ، إن كان أمرا من السماء فامض له ، وإن كان غير ذلك فو الله لا نعطيهم إلا السيف . متى طمعتم بهذا منا ؟ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فاستشارهما خفية ،

فقالا : إن كان هذا أمرا من السماء فامض له ، وإن كان أمرا لم تؤمر فيه ولك فيه هوى فسمع وطاعة ، وإن كان إنما هو الرأي فما لهم عندنا إلا السيف . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة فقلت

أرضيهم ولا اقاتلهم . " فقالا : يا رسول الله ، والله إن كانوا ليأكلون العلهز في الجاهلية من الجهد ، ما طمعوا بهذا مناقط : أن يأخذوا ثمرة إلا بشراء أو قرى ! فحين أتانا الله بك وأكرمنا بك ، وهدانا بك ، نعطي الدنية ! لا نعطيهم أبدا إلا السيف .

فقال صلى الله عليه وسلم : " شق الكتاب . " فشقه سعد ، فقام عيينة والحارث . فقال صلى الله عليه وسلم : " ارجعوا بيننا السيف " رافعا صوته . كانت هذه قصة استشارة الرسول صلى الله عليه وآله مع أصحابه في هذه الغزوة ، ويظهر من

محاورة الرسول فيها أنه صلوات الله عليه أراد أن يوقع الخلاف بين القبائل المحاربة ، وخاصة أن في آخره يرفع صوته ويقول : " ارجعوا بيننا السيف " فان هذا الخبر ينتشر ويبلغ قريشا ويقع بينهم الخلاف ، وقد رويا بعد هذا : أن رسول الله

صلى الله عليه وآله أمر نعيم بن مسعود بذلك ونجح ، فالقى الشك والترديد والخلاف بين بني قريضة وقريش وكان ذلك من أسباب انكسارهم ( 1 ) .


في ضوء ما بيناه من مشاورات الرسول صلى الله عليه وآله ، يتضح لنا جليا أنه لم تكن الغاية من تلك المشاورات ان يتعلم الرسول صلى الله عليه وآله من اصحابه الرأي الصائب ليعمل به ، بل كانت الغاية احيانا ان يعلمهم الرسول صلى الله عليه وآله باسلوب المشورة الرأي الصائب الذي كان يعلمه الرسول صلى الله عليه وآله مسبقا ليعملوا به .
 

  * هامش *  
  (1) مغازى الواقدي " ج 1 / 235 - 237 " ، وامتاع الاسماع للمقريزي 235 - 236 . والعلهز : كان اهل الجاهلية في سني القحط والجماعة يخلطون الوبر بالدم ويشوونه ويأكلونه ، ويسمونه العلهس . الهجرس : ولد الثعلب ، وقيل هو القرد أو دويبة اخرى . ( * )  

 

ج1 - ص 175 -

كما كان شأن مشورته اياهم في غزوة بدر فان الله كان قد اعلم رسوله صلى الله عليه وآله النتيجة مسبقا من انهم سيقاتلون قريشا وينتصرون عليهم ، وبعد المشاورة اعلمهم الرسول صلى الله عليه وآله نتيجة الامر ، وأراهم مصارع قريش .


إذا كانت الغاية من المشاورة توجيه المسلمين باسلوب المشاورة إلى ما ينبغي ان يعملوه خلافا لاسلوب الملوك الجبارين الذين يملون آراءهم على الناس بقولهم مثلا : نحن ملك . . . اصدرنا أمرنا الملكي بكذا . . . وان صدر الآية يدل بوضوح

على ما ذكرنا ، فانه تعالى قال : " فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ، فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر . . . " فالمشاورة هنا من مصاديق الليونة وكونه رحمة من الله ، اللتين وردتا في صدر الاية .

تارة تكون الغاية من المشاورة الملاينة كالمثال السابق ، وتارة تكون الغاية تربية نفوس المسلمين ، كما كان شأن المشاورة في غزوة احد فان رسول الله صلى الله عليه وآله بعد ان اخذ برأيهم ولبس لامة حربه بقصد السير إلى احد ، ندموا على

الحاحهم على الرسول صلى الله عليه وآله بالخروج ، وقالوا يا رسول الله صلى الله عليه وآله ما كان لنا ان نخالفك فاصنع ما بدالك ، فقال : " قد دعوتكم إلى هذا فأبيتم ، ولا ينبغي لنبي إذا لبس لامته ان يضعها حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه " .

يظهر من المحاورات التي دارت بين الرسول صلى الله عليه وآله وأصحابه في هذه الواقعة ، ان عدم استجابة الرسول صلى الله عليه وآله لرغبتهم العارمة في الخروج كان يؤثر على نفوسهم تأثيرا سيئا ، ويولد فيهم ضعف النفس والتردد وعدم الاقدام في الحروب .


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب