أولا : مناقشة الاستدلال
بالشورى
ان أول من ذكر الشورى وأمر بها لاقامة الخلافة هو الخليفة عمر بن الخطاب ، غير
أنه لم يأت بدليل على أن الامامة في الاسلام تقام بالشورى ، واستدل المتأخرون
من أتباع مدرسة الخلفاء على صحة اقامة الامامة بالشورى بآيتين من كتاب الله ،
وبما ورد عن رسول الله انه كان يستشير أصحابه في بعض الامور
الهامة ، وبكلمة عن الامام علي ، ونحن نبدا هنا بدراسة ما استدلوا به في هذا
الصدد ثم ندرس الشورى التي أمر بها الخليفة عمر .
الاستدلال للشورى بكتاب الله وسنة رسوله
أ ) استدلوا بقوله تعالى للمؤمنين : " وأمرهم شورى
بينهم " ( 1 ) .
ب ) بقوله تعالى لرسوله : " وشاورهم في الامر " ( 2 ) .
ج ) أن رسول الله كان يستشير أصحابه في الامور الهامة ،
فنقول :
أولا :
الاستدلال بآية " وأمرهم شورى " . ان هذه الجملة
من آية 38 من سورة الشورى جاء بعدها " ومما رزقناهم ينفقون " كلتا الجملتين
تدلان على رجحان الفعل فيهما ، وليس على وجوب التشاور والانفاق . هذا اولا ،
وثانيا انما يصح التشاور في أمر لم يرد فيه من الله ورسوله حكم ، فقد قال الله
سبحانه : " ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم
الخيرة من أمرهم ، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا " الاحزاب - 35 ،
وسيأتي بعيد هذا ما ورد عن الله ورسوله في أمر الامامة مالا يبقى معه مورد
للتشاور .
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
الشورى / 38 .
(2)
آل عمران / 159 . ( * ) |
|
|
ثانيا :
الاستدلال بآية " وشاورهم في الامر " ان هذا
الآية التاسعة والخمسين بعد المائة من سورة آل عمران وقد وردت ضمن سلسلة من
آيات 139 - 166 منها وكلها في أمر غزوات الرسول وكيف نصرهم الله فيها ، وفي
بعضها يخاطب
المسلمين وخاصة الغزاة منهم ويعظهم ، وفي بعضها يخاطب الرسول
خاصة ومن ضمنها هذه الآية : " فبما رحمة من الله لنت لهم ، ولو كنت فظا غليظ
القلب لانفضوا من حولك ، فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر فإذا عزمت
فتوكل على الله ، ان الله يحب المتوكلين " .
يظهر جليا أن الامر بالمشاورة في هذه الآية بقصد الملاينة معهم والرحمة بهم ،
وليس مأمورا بالعمل برأيهم ، بل يقول له وإذا عزمت فتوكل واعمل برأيك ، ومن
المجموع أيضا أن مقام المشاورة الراجحة انما هي في الغزوات ، وما ذكر من مشاورة
الرسول مع أصحابه أيضا كانت في الغزوات كما سنذكرها في ما يلي :
ثالثا : الاستدلال
بمشاورة الرسول مع أصحابه : ان مشاورة الرسول مع أصحابه كانت في الغزوات
، وأشهرها مشاورته معهم في غزوة بدر ، وقصتها كما يلي : ندب رسول الله أصحابه
للتعرض لقافلة قريش التجارية الراجعة من الشام بقيادة
أبي سفيان وخرج معه 313 شخصا ممن استعد للاستيلاء على القافلة
التجارية وليس للقتال ، وبلغ الخبر أبا سفيان فانحرف في سيره عن الطريق ،
واستصرخ قريشا بمكة فخرجت مستعدة للقتال في جيش يقارب الالف محارب ، وأفلت أبو
سفيان
والقافلة ، فكان الرسول صلى الله عليه وآله أمام خيارين :
التراجع إلى المدينة بسلام ، أو مقاتلة جيش قريش المتأهب للقتال بجيشه غير
المتكافئ عددا وعدة . تفصيل الخبر : روى ابن هشام في سيرته وقال : واتاه الخبر
عن قريش ومسيرهم ليمنعوا
عيرهم ، فاستشار الناس واخبرهم عن قريش ، فقام أبو بكر الصديق
فقال واحسن ، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن ، ثم قام المقداد . . . ( 1 ) .
ثم ذكر ما قاله المقداد وما قالته الانصار . بينا لم يذكر ما قاله أبو بكر ثم
عمر !
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
سيرة ابن هشام ج 2 / 253 . ( * )
|
|
|
وفي صحيح مسلم : فتكلم أبو بكر فأعرض عنه ، ثم تكلم عمر فأعرض
عنه ، فقام المقداد . . . ( 1 ) . ان مسلما هكذا ذكر أيضا ولم يذكر ما تكلم به
أبو بكر وكلاهما لم يتما ذكر الخبر ، ونحن ننقل تمام الخبر من مغازي الواقدي
وامتاع الاسماع
للمقريزي واللفظ للاول قال ، قال عمر : يا رسول الله ، إنها
والله قريش وعزها ، والله ما ذلت منذ عزت ، والله ما آمنت منذ كفرت ، والله لا
تسلم عزها أبدا ، ولتقاتلنك ، فاتهب لذلك أهبته وأعد لذلك عدته . ثم قام
المقداد بن عمرو فقال :
يا رسول الله ، امض لامر الله فنحن معك ، والله لا نقول لك
كما قالت بنو إسرائيل لنبيها : " فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون " (
2 ) ، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ، والذي بعثك بالحق لو سرت
بنا إلى برك الغماد
لسرنا معك - وبرك الغماد من وراء مكة بخمس ليال من وراء
الساحل مما يلي البحر ، وهو على ثمان ليال من مكة إلى اليمن . فقال له رسول
الله صلى الله عليه وسلم خيرا ، ودعا له بخير . ثم قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : " أشيروا
علي أيها الناس ! " وإنما يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم
الانصار ، وكان يظن أن الانصار لا تنصهر إلا في الدار ، وذلك أنهم شرطوا له أن
يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأولادهم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" أشيروا علي!"
فقام سعد بن معاذ فقال : أنا أجيب عن الانصار ، كأنك يا رسول
الله تريدنا ! قال : " أجل " . قال : إنك عسى أن تكون خرجت عن أمر قد أوحى إليك
في غيره ، وإنا قد آمنا بك وصدقناك ، وشهدنا أن كل ما جئت به حق ، وأعطيناك
مواثيقنا
وعهودنا على السمع والطاعة ، فامض يا نبي الله ، فو الذي بعثك
بالحق لو استعرضت هذا البحر فخضته لخضناه معك ، ما بقي منا رجل ، وصل من شئت ،
واقطع من شئت ، وخذ من أموالنا ما شئت ، وما أخذت من أموالنا أحب إلينا مما
تركت.
والذي نفسي بيده ، ما سلكت هذا الطريق قط ، ومالي بها من علم
، وما نكره أن يلقانا عدونا غدا ، إنا لصبر عند الحرب ، صدق عند اللقاء ، لعل
الله يريك منا ما تقربه عينك . حدثنا محمد قال : حدثنا الواقدي قال : فحدثني
محمد بن صالح ، عن عاصم
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
صحيح مسلم ، كتاب الجهاد والسير ، باب
غزوة بدر 3 / 1403 .
(2) سورة
المائدة 24 . ( * )
|
|
|
بن عمر بن قتادة ، عن محمود بن لبيد قال : قال سعد : يا رسول
الله ، إنا قد خلفنا من قومنا قوما ما نحن بأشد حبا لك منهم ، ولا أطوع لك منهم
، لهم رغبة في الجهاد ونية ، ولو ظنوا يا رسول الله أنك ملاق عدوا ما تخلفوا ،
ولكن إنما ظنوا أنها
العير . نبني لك عريشا فتكون فيه ونعد لك رواحلك ، ثم نلقي
عدونا ، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا ، وإن تكن الاخرى
جلست على رواحلك فلحقت من وراءنا . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم خيرا ،
وقال : " أو يقضي
الله خيرا من ذلك يا سعد ! " قالوا : فلما فرغ سعد من المشورة
، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سيروا على بركة الله ، فإن الله قد
وعدني إحدى الطائفتين . والله ، لكأني أنظر إلى مصارع القوم . " قال : وأرانا
رسول الله صلى الله عليه
وسلم مصارعهم يومئذ ، هذا مصرع فلان ، وهذا مصرع فلان ، فمنا
عدا كل رجل مصرعه . قال : فعلم القوم أنهم يلاقون القتال ، وأن العير تفلت ،
ورجوا النصر لقول النبي صلى الله عليه وسلم ( 1 ) .
كانت هذه استشارة رسول الله في هذا المقام . ان رسول الله صلى الله عليه وآله
يستشير أصحابه في ماذا يفعلون ، وقد أخبره الله سبحانه وتعالى بأنهم سيقاتلون
وينتصرون ، وأخبره بمصارع القوم ، والرسول صلى الله عليه وآله أيضا يخبر
أصحابه بمصارع القوم بعد أن وافقوه على القتال ، فهو إذ
يستشيرهم لا يريد الاستفادة من رأيهم ، وانما هو نوع من الملاينة واخبار بافلات
عير قريش وتغيير الامر من الاستيلاء على مال التجارة إلى القتال فليستعدوا
للقتال .
كانت هذه مشاورة الرسول صلى الله عليه وآله أصحابه في هذا المقام ، وفي ما يلي
قصة مشورة أصحاب الرسول في غزوة أحد ، وفي هذه المشاورة عمل رسول الله صلى الله
عليه وآله برأي أصحابه كما ورد في مغازي الواقدي وامتاع
الاسماع للمقريزي قالا : ان رسول الله صلى الله عليه وآله صعد
على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : " أيها الناس ، إني رأيت في منامي
رؤيا : رأيت كأني في درع حصينة ، ورأيت كأن سيفي ذا الفقار انقصم ( 2 ) من عند
ظبته ( 3 ) ، ورأيت بقرا تذبح ، ورأيت كأني مردف كبشا . " فقال الناس يا رسول
الله ، فما أولتها ؟ قال : " أما الدرع الحصينة
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
مغازي الواقدي ، ط . اكسفورد 1 / 48 - 49 . وامتاع
الاسماع للمقريزي ، 74 - 75 .
(2) انقصم : تكسر وتثلم .
(3) الظبة : حد السيف من قبل
ذبابه وطرفه . ( * )
|
|
|
فالمدينة ، فامكثوا فيها ، وأما انقصام سيفي من عند ظبته
فمصيبة في نفسي ، وأما البقر المذبح فقتلي في أصحابي ، وأما أني مردف كبشا فكبش
الكتيبة نقتله إن شاء الله . "
وفي رواية : " وأما انقصام سيفي فقتل رجل من أهل بيتي . " وقال : أشيروا علي .
" ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يخرج من المدينة فواقفه عبد الله بن
أبي والاكابر من الصحابة مهاجرهم وأنصارهم ، وقال عليه السلام : " امكثوا
في المدينة واجعلوا النساء والذراري في الآطام ، فإن دخل
علينا قاتلناهم في الازقة - فنحن أعلم بها منهم - ورموا من فوق الصياصي والآطام
( 1 ) . " وكانوا قد شبكوا المدينة بالبنيان من كل ناحية فهي كالحصن ، فقال
فتيان أحداث لم يشهدوا
بدرا وطلبوا الشهادة وأحبوا لقاء العدو : اخرج بنا إلى عدونا
. وقال حمزة ، وسعد بن عبادة ، والنعمان بن مالك بن ثعلبة ، في طائفة من
الانصار : إنا نخشى يا رسول الله أن يظن عدونا أنا كرهنا الخروج إليهم جبنا عن
لقائهم ، فيكون هذا جرأة
منهم علينا ، وقد كنت يوم بدر في ثلاثمائة رجل فظفرك الله
عليهم ، ونحن اليوم بشر كثير ، قد كنا نتمنى هذا اليوم وندعو الله به ، فساقه
الله إلينا في ساحتنا . ورسول الله صلى الله عليه وسلم لما يرى من إلحاحهم كاره
، وقد لبسوا السلاح .
وقال حمزة : والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم اليوم طعاما حتى
أجالدهم ( 2 ) بسيفي خارجا من المدينة ، وكان يوم الجمعة صائما ويوم السبت
صائما . وتكلم مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري ، والنعمان بن مالك بن ثعلبة
، وإياس بن
أوس بن عتيك ، في معنى الخروج للقتال . فلما أبوا إلا ذلك صلى
( 3 ) رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة بالناس وقد وعظهم وأمرهم بالجد
والجهاد ، وأخبرهم أن لهم النصر ما صبروا ، ففرح الناس بالشخوص ( 4 ) إلى عدوهم
، وكره ذلك
المخرج كثير . ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر
بالناس وقد حشدوا ، وحضر ( 5 ) أهل العوالي ( 6 ) ورفعوا النساء في الآطام :
ودخل صلى الله عليه وسلم بيته ومعه
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
الصياصي جمع صيصية : وهي الحصون ، والآطام جمع أطم : وهي بيوت من حجارة
كانت لاهل المدينة
(2) جالد بالسيف ، ضرب به كأنه
يجلد بسوط لسرعة ضربه وتتابعه .
(3) في الاصل : " صلى الله " .
(4) الشخوص : الخروج .
(5) في الاصل : " حضرو " .
(6) العوالي : منية بينها وبين
المدينة ثلاثة أميال . ( * )
|
|
|
أبو بكر وعمر ( رض ) فعمماه ولبساه . وقد صف الناس له ما بين
حجرته إلى منبره ، فجاء سعد بن معاذ وأسيد بن حضير فقالا للناس : قلتم لرسول
الله صلى الله عليه وسلم ما قلتم واستكرهتموه على الخروج ، والامر ينزل عليه من
السماء ،
فردوا الامر إليه فما أمركم فافعلوه ، وما رأيتم فيه له هوى
أو رأي فأطيعوه . فبيناهم على ذلك إذ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قد لبس
لامته ( 1 ) ، ولبس الدرع فأظهرها وحزم وسطها بمنطقة ( 2 ) [ من أدم ] ( 3 ) من
حمائل سيف ،
واعتم ، وتقلد السيف . فقال الذين يلحون : يا رسول الله ، ما
كان لنا أن نخالفك ، فاصنع ما بدالك ، فقال : " قد دعوتكم إلى هذا الحديث
فأبيتم ، ولا ينبغي لنبي إذا لبس لامته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين
أعدائه ، انظروا ما أمرتكم به فاتبعوه ،
امضوا على اسم الله فلكم النصر ما صبرتم " . لعل الحكمة في
استجابة رسول الله صلى الله عليه وآله لالحاح أصحابه في الخروج أنه لو لم يستجب
لهم الرسول أثر في نفوسهم تأثيرا سيئا ، وأولد فيهم الضعف والاستكانة بدل
الاقدام والشجاعة ، أما عدم استحابته لهم بعد أن طابقوا رأيه فقد ذكر هو صلى
الله عليه وآله حكمته .
مثال آخر من عمل الرسول برأي أصحابه فيما أشاروا عليه : قصة جرت في غزوة الخندق
نوردها في ما يلي : غزوة الخندق روى الواقدي والمقريزي وقالا عن غزوة الخندق :
وأقام صلى الله عليه وسلم وأصحابه محصورين بضع عشرة ليلة
حتى اشتد الكرب ، وقال صلى الله عليه وسلم : " اللهم إني
أنشدك عهدك ووعدك ، اللهم إنك إن تشأ لا تعبد . " وأرسل إلى عيينة بن حصن ،
والحارث بن عوف - وهما رئيسا غطفان - أن يجعل لهما ثلث ثمر المدينة ويرجعان بمن
معهما ، فطلبا
نصف الثمر فأبى عليهم إلا الثلث ، فرضيا . وجاءا في عشرة من
قومهما حتى تقارب الامر ، وأحضرت الصحيفة والدواة ليكتب عثمان بن عفان ( رض )
الصلح - وعباد بن بشر قائم
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
اللامة : أداة الحرب ولباسها ، كالرمح والبيضة والمغفر والسيف والنبل .
(2)المنطقة والنطاق ، كل ما يشد
به الواسط كالخرام .
(3) الذي بين القوسين كان في
الاصل بعد قوله " حمائل سيف " ، وهذا حق موضعه . ( * )
|
|
|
على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم مقنع في الحديد - ،
فأقبل أسيد بن حضير ، وعيينة ماد رجليه فقال له : يا عين الهجرس ، اقبض رجليك .
أتمد رجليك بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ والله لولا رسول الله
لانفذت حضنيك
بالرمح ! ثم قال : يا رسول الله صلى الله عليك ، إن كان أمرا
من السماء فامض له ، وإن كان غير ذلك فو الله لا نعطيهم إلا السيف . متى طمعتم
بهذا منا ؟ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ وسعد بن عبادة
فاستشارهما خفية ،
فقالا : إن كان هذا أمرا من السماء فامض له ، وإن كان أمرا لم
تؤمر فيه ولك فيه هوى فسمع وطاعة ، وإن كان إنما هو الرأي فما لهم عندنا إلا
السيف . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني رأيت العرب رمتكم عن قوس
واحدة فقلت
أرضيهم ولا اقاتلهم . " فقالا : يا رسول الله ، والله إن
كانوا ليأكلون العلهز في الجاهلية من الجهد ، ما طمعوا بهذا مناقط : أن يأخذوا
ثمرة إلا بشراء أو قرى ! فحين أتانا الله بك وأكرمنا بك ، وهدانا بك ، نعطي
الدنية ! لا نعطيهم أبدا إلا السيف .
فقال صلى الله عليه وسلم : " شق الكتاب . " فشقه سعد ، فقام
عيينة والحارث . فقال صلى الله عليه وسلم : " ارجعوا بيننا السيف " رافعا صوته
. كانت هذه قصة استشارة الرسول صلى الله عليه وآله مع أصحابه في هذه الغزوة ،
ويظهر من
محاورة الرسول فيها أنه صلوات الله عليه أراد أن يوقع الخلاف
بين القبائل المحاربة ، وخاصة أن في آخره يرفع صوته ويقول : " ارجعوا بيننا
السيف " فان هذا الخبر ينتشر ويبلغ قريشا ويقع بينهم الخلاف ، وقد رويا بعد هذا
: أن رسول الله
صلى الله عليه وآله أمر نعيم بن مسعود بذلك ونجح ، فالقى الشك
والترديد والخلاف بين بني قريضة وقريش وكان ذلك من أسباب انكسارهم ( 1 ) .
في ضوء ما بيناه من مشاورات الرسول صلى الله عليه وآله ، يتضح لنا جليا أنه لم
تكن الغاية من تلك المشاورات ان يتعلم الرسول صلى الله عليه وآله من اصحابه
الرأي الصائب ليعمل به ، بل كانت الغاية احيانا ان يعلمهم الرسول صلى الله عليه
وآله باسلوب المشورة الرأي الصائب الذي كان يعلمه الرسول صلى الله عليه وآله
مسبقا ليعملوا به .
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
مغازى الواقدي " ج 1 / 235 - 237 " ، وامتاع
الاسماع للمقريزي 235 - 236 . والعلهز : كان اهل الجاهلية في
سني القحط والجماعة يخلطون الوبر بالدم ويشوونه ويأكلونه ، ويسمونه
العلهس . الهجرس : ولد الثعلب ، وقيل هو القرد أو دويبة اخرى . ( * )
|
|
|
كما كان شأن مشورته اياهم في غزوة بدر فان الله كان قد اعلم
رسوله صلى الله عليه وآله النتيجة مسبقا من انهم سيقاتلون قريشا وينتصرون عليهم
، وبعد المشاورة اعلمهم الرسول صلى الله عليه وآله نتيجة الامر ، وأراهم مصارع
قريش .
إذا كانت الغاية من المشاورة توجيه المسلمين باسلوب المشاورة إلى ما ينبغي ان
يعملوه خلافا لاسلوب الملوك الجبارين الذين يملون آراءهم على الناس بقولهم مثلا
: نحن ملك . . . اصدرنا أمرنا الملكي بكذا . . . وان صدر الآية يدل بوضوح
على ما ذكرنا ، فانه تعالى قال : " فبما رحمة من الله لنت لهم
ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ، فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في
الامر . . . " فالمشاورة هنا من مصاديق الليونة وكونه رحمة من الله ، اللتين
وردتا في صدر الاية .
تارة تكون الغاية من المشاورة الملاينة كالمثال السابق ،
وتارة تكون الغاية تربية نفوس المسلمين ، كما كان شأن المشاورة في غزوة احد فان
رسول الله صلى الله عليه وآله بعد ان اخذ برأيهم ولبس لامة حربه بقصد السير إلى
احد ، ندموا على
الحاحهم على الرسول صلى الله عليه وآله بالخروج ، وقالوا يا
رسول الله صلى الله عليه وآله ما كان لنا ان نخالفك فاصنع ما بدالك ، فقال : "
قد دعوتكم إلى هذا فأبيتم ، ولا ينبغي لنبي إذا لبس لامته ان يضعها حتى يحكم
الله بينه وبين أعدائه " .
يظهر من المحاورات التي دارت بين الرسول صلى الله عليه وآله
وأصحابه في هذه الواقعة ، ان عدم استجابة الرسول صلى الله عليه وآله لرغبتهم
العارمة في الخروج كان يؤثر على نفوسهم تأثيرا سيئا ، ويولد فيهم ضعف النفس
والتردد وعدم الاقدام في الحروب .