الاستدلال بعمل الصحابة

 


اختر اللون المناسب لأرضية الصفحة

- معالم المدرستين - السيد مرتضى العسكري ج 1 ص 180 : -

ثالثا : مناقشة الاستدلال بعمل الصحابة


إن الاستدلال بعمل الصحابة يتم لو كانت سيرتهم مصدرا للتشريع الاسلامي في عداد الكتاب والسنة ونزل فيهم ما نزل في رسول الله صلى الله عليه وآله مثل قوله تعالى : " لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة " ( 2 ) .

وقوله : " ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " ( 3 ) . وبدون ذلك لا حجة علينا في عمل الصحابة ، ثم لسنا ندري بمن نقتدي ، وعمل بعضهم واقوالهم يخالف البعض الاخر ، ومن ثم اختلفت آراء العلماء في كيفية اقامة الخلافة ،

أتقام ببيعة رجل لان العباس عم النبي صلى الله عليه وآله قال لعلي عليه السلام : امدد يدك ابايعك يبايعك الناس ام بقول الخليفة عمر حين قال : بيعة ابي بكر فلتة ، ام نقتدي بمعاوية حين شهر السيف في وجه الخليفة الشرعي الامام علي عليه السلام ؟ ولا نرى حاجة إلى المناقشة أكثر مما بينا ، اما ما استدل بعضهم بقول
 

  * هامش *  
  (2) سورة الاحزاب ، الاية 21 .
(3)
سورة الحشر ، الاية 7 . ( * )
 

 

ج1 - ص 180 -

الامام علي عليه السلام في نهج البلاغة فسندرسها في ما يأتي :

الاستدلال بما ورد في نهج البلاغة على صحة الاستدلال بالشورى والبيعة وعمل الاصحاب .

استدل بعضهم على ما ارتأى في الشورى والبيعة والاقتداء بعمل الصحابة بما رواه الشريف الرضي عن الامام علي عليه السلام بباب الكتب من نهج البلاغة وهذا نصه : ومن كتاب له إلى معاوية : إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر

وعثمان ، على ما بايعوهم عليه فلم يكن للشاهد أن يختار ، ولا للغائب أن يرد ، وإنما الشورى للمهاجرين والانصار . فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماما كان ذلك [ لله ] رضا ، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه ، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين ، وولاه الله ما تولى . . . ( 1 )


فان الامام قد احتج في هذا الكتاب على معاوية بالبيعة والشورى واجماع المهاجرين والانصار ، وبناء على هذا فان الامام يرى صحة اقامة الامامة بما ذكره ، والجواب أن الشريف الرضي كان أحيانا يتخير نتفا من كتب الامام وخطبه مما يجده

في أعلى درجات البلاغة ويترك سائره وكذلك فعل مع هذا الكتاب وقد أورد الكتاب بتمامه نصر بن مزاحم في كتاب صفين وهذا نصه : بسم الله الرحمن الرحيم . أما بعد فإن بيعتى بالمدينة لزمتك وأنت بالشام ، لانه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر

وعمر وعثمان على ما بويعوا عليه ، فلم يكن للشاهد أن يختار ، ولا للغائب أن يرد . وإنما الشورى للمهاجرين والانصار ، فإذا اجتمعوا على رجل فسموه إماما كان ذلك لله رضا ، فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو رغبة ردوه إلى ما خرج منه.

فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين ، وولاه الله ما تولى ويصليه جهنم وساءت مصيرا . وإن طلحة والزبير بايعاني ثم نقضا بيعتي ، وكان نقضهما كردهما ، فجاهدتهما على ذلك حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون . فادخل

فيما دخل فيه المسلمون ، فإن أحب

  * هامش *  
  (1) نهج البلاغة ، الكتاب السادس من باب المختار من كتب مولانا أمير المؤمنين . ( * )  

 

ج1 - ص 181 -

الامور إلي فيك العافية ، إلا أن تتعرض للبلاء . فإن تعرضت له قاتلتك واستعنت الله عليك . وقد أكثرت في قتلة عثمان فادخل فيما دخل فيه المسلمون ، ثم حاكم القوم إلي أحملك وإياهم على كتاب الله . فأما تلك التي تريدها فخدعة الصبي عن

اللبن . ولعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ قريش من دم عثمان . واعلم أنك من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة ، ولا تعرض فيهم الشورى . وقد أرسلت إليك والى من قبلك جرير بن عبد الله ، وهو من أهل الايمان والهجرة ، فبايع ولا قوة الا بالله " ( 2 ) .


اتضح لنا من هذا الكتاب أن الامام علي يحتج على معاوية بما التزم به هو ونظراؤه ويقول له : ان بيعتي بالمدينة لزمتك يا معاوية وأنت بالشام ، كما التزمت ببيعة عثمان بالمدينة وأنت بالشام ، وكذلك لزمت بيعتي نظراءك خارج المدينة كما لزمتهم بيعة عمر في المدينة وهم في أماكن أخرى .


هكذا يلزمه الامام علي بكل ما التزم به هو ونظراؤه من مدرسة الخلافة يومذاك ، وهذا وارد لدى العقلاء ، فانهم يحتجون على الخصم بما التزم به هو ، هذا أولا . وثانيا قوله : " فإذا اجتمعوا على رجل فسموه اماما ، كان ذلك لله رضا " فانه قد

ورد في بعض النسخ " كان ذلك رضا " ( 3 ) ، أي كان لهم رضا ، على أن يكون ذلك باختيار منهم ولم تؤخذ البيعة بالجبر وحد السيف .


وعلى فرض أنه كان قد قال " كان لله رضا " نقول : نعم ، ما أجمع عليه المهاجرون والانصار بما فيهم الامام علي والامام الحسن والامام الحسين كان ذلك لله رضا .


وأخيرا لست أدري كيف استشهدوا بهذا القول من نهج البلاغة ونسوا أو تناسوا سائر أقوال الامام التي نقلها الشريف الرضي أيضا في نهج البلاغة مثل قوله في باب الحكم : لما انتهت إلى أمير المؤمنين عليه السلام انباء السقيفة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال عليه السلام : ما قالت الانصار ؟ قالوا : قالت : منا أمير ومنكم
 

  * هامش *  
  (1) الطلقاء : جمع طليق ، وهو الاسير الذي أطلق عنه إساره وخلى سبيله . ويراد بهم الذين خلى عنهم رسول الله يوم فتح مكة وأطلقهم ولم يسترقهم .
(2)
صفين لنصر بن مزاحم ط . القاهرة سنة 1832 ه‍ ، ص 29 .
(3)
راجع نهج البلاغة ط . الاستقامة بالقاهرة تجد لفظ الجلالة " لله " بين علامتين اشارة إلى أنه لم يرد لفظ الجلالة بين النسخ . ( * )
 

 

ج1 - ص 182 -

أمير ، قال عليه السلام : فهلا احتججتم عليهم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصى بأن يحسن إلى محسنهم ، ويتجاوز عن مسيئهم ؟ ! قالوا : وما في هذا من الحجة عليهم ؟ فقال عليه السلام : لو كانت الامارة فيهم لم تكن الوصية بهم ! !

ثم قال عليه السلام : فماذا قالت قريش ؟ قالوا : احتجت بأنها شجرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقال عليه السلام : احتجوا بالشجرة ، وأضاعوا الثمرة ( 1 ) . وقوله - أيضا - في باب الحكم : وقال عليه السلام : واعجباه أتكون الخلافة في الصحابة والقرابة .


قال الرضي : وله شعر بهذا المعنى :

فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم * فكيف بهذا والمشيرون غيب
وان كنت بالقربى حججت خصيمهم * فغيرك أولى بالنبي وأقرب
 

وأجمع أقواله في هذا الباب ما وردت في الخطبة الشقشقية " خ : 190 " التي قال فيها عليه السلام : " أَمَا وَ اللَّهِ لَقَدْ تَقَمَّصَهَا ابن أبي قحافه وَ إِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّي مِنْهَا مَحَلُّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحَى يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ وَ لَا يَرْقَى إِلَيَّ الطَّيْرُ فَسَدَلْتُ دُونَهَا ثَوْباً وَ

طَوَيْتُ عَنْهَا كَشْحاً وَ طَفِقْتُ أَرْتَئِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَدٍ جَذَّاءَ ( 2 ) أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَةٍ عَمْيَاءَ ( 3 ) يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ وَ يَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ وَ يَكْدَحُ فِيهَا مُؤْمِنٌ حَتَّى يَلْقَى رَبَّهُ ( 4 ) فَرَأَيْتُ أَنَّ
 

  * هامش *  
  (1) يريد من الثمرة آل بيت الرسول صلى الله عليه وآله .

(2) وطفقت الخ : بيان لعلة الاغضاء . والجذاء : بمعنى المقطوعة : ويقولون : رحم جذاء ، أي : لم توصل ، وسن جذاء أي متهتمة . والمراد هنا ليس ما يؤيدها . كأنه قال : تفكرت في الامر فوجدت الصبر أولى فسدلت دونها ثوبا وطويت عنها كشحا .

(3) طخية أي : ظلمة ، ونسبة العمى إليها مجاز عقلي ، وإنما يعمى القائمون فيها إذ لا يهتدون إلى الحق ، وهو تأكيد لظلام الحال واسودادها .

(4) يكدح : يسعى سعي المجهود . ( * )

 

 

ج1 - ص 183 -

الصَّبْرَ عَلَى هَاتَا أَحْجَى ( 1 ) فَصَبَرْتُ وَ فِي الْعَيْنِ قَذًى وَ فِي الْحَلْقِ شَجًا ( 2 ) أَرَى تُرَاثِي نَهْباً حَتَّى مَضَى الْأَوَّلُ لِسَبِيلِهِ فَأَدْلَى بِهَا إِلَى ابن الخطاب بَعْدَهُ ( 3 ) ثُمَّ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ الْأَعْشَى شَتَّانَ مَا يَوْمِي عَلَى كُورِهَا * وَ يَوْمُ حَيَّانَ أَخِي جَابِرِ ( 4 )
 

فَيَا عَجَباً بَيْنمَا هُوَ يَسْتَقِيلُهَا فِي حَيَاتِهِ ( 5 ) إِذْ عَقَدَهَا لِآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ لَشَدَّ مَا تَشَطَّرَا ضَرْعَيْهَا ( 6 ) فَصَيَّرَهَا فِي حَوْزَةٍ خَشْنَاءَ يَغْلُظُ كَلْمُهَا ( 7 ) وَ يَخْشُنُ مَسُّهَا وَ يَكْثُرُ الْعِثَارُ فِيهَا وَ الِاعْتِذَارُ مِنْهَا فَصَاحِبُهَا كَرَاكِبِ الصَّعْبَةِ ( 8 ) إِنْ أَشْنَقَ لَهَا خَرَمَ وَ إِنْ
 

  * هامش *  
  (1) أحجى : ألزم ، من حجى به كرضى : أولع به ولزمه . ومنه هو حجى بكذا أي : جدير ، وما احجاه وأحج به ، أي : أخلق به ، وأصله من الحجا بمعنى العقل فهي أحجى أي أقرب إلى العقل ، وهاتا بمعنى هذه ، أي : رأى الصبر على هذه الحالة التي وصفها أولى بالعقل من الصولة بلا نصير .

(2) الشجا : ما اعترض في الحلق من عظم ونحوه . والتراث : الميراث .

(3) أدلى بها : ألقي بها إليه .

(4) الكور بالضم : الرحل أو هو مع أداته ، والضمير راجع إلى الناقة المذكورة في الابيات قبل . وحيان : كان سيدا في بني حنيفة مطاعا فيهم ، وله نعمة واسعة ورفاهية وافرة ، وكان الاعشى ينادمه ، والاعشى هذا : هو الاعشى الكبير أعشى قيس ، وهو أبو بصير ميمون بن قيس بن جندل . وجابر : أخو حيان أصغر منه ، ومعنى البيت أن فرقا بعيدا بين يومه في سفره وهو على كور ناقته وبين يوم حيان في رفاهيته ، فان الاول كثير العناء شديد الشقاء ، والثاني وافر النعيم وافي الراحة . ووجه تمثل الامام بالبيت ظاهر بأدنى تأمل .

(5) رووا أن أبا بكر قال بعد البيعة : " أقيلوني فلست بخيركم " .

(6) لشد ما تشطرا ضرعيها : جملة شبه قسمية اعترضت بين المتعاطفين والشطر أيضا : أن تحلب شطرا وتترك شطرا ، فتشطرا أي : أخذ كل منهما شطرا . وسمى شطري الضرع ضرعين مجازا : وهو ههنا من أبلغ أنواعه حيث إن من ولى الخلافة لا ينال الامر إلا تاما ، ولا يجوز أن يترك منه لغيره سهما ، فأطلق على تناول الامر واحدا بعد واحد اسم التشطر والاقتسام ، كأن أحدهما ترك منه شيئا للآخر ، وأطلق على كل شطر اسم الضرع نظرا لحقيقة ما نال كل منهما .

(7) الكلام - بالضم - الارض الغليظة وفي نسخة كلمها . وإنما هو بمعنى الجرح كأنه يقول : خشونتها تجرح جرحا غليظا .

(8) الصعبة من الابل : ما ليست بذلول ، وأشنق البعير ، وشنقه : كفه بزمامه حتى ألصق ذفراه " العظم الناتئ خلف الاذن " بقادمة الرحل ، أو رفع رأسه وهو راكبه ، واللام هنا زائدة للتحلية ولتشاكل أسلس . وأسلس : أرخى ، وتقحم : رمى بنفسه في القحمة ، أي : اهلكها . قال الرضى : " كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم وإن أسلس لها تقحم " يريد أنه إذا شدد عليها في جذب الزمام وهي تنازعه رأسها خرم أنفها ، وإن أرخى لها شيئا مع صعوبتها تقحمت به فلم يملكها : يقال : - > ( * )

 

 

ج1 - ص 184 -

أَسْلَسَ لَهَا تَقَحَّمَ فَمُنِيَ النَّاسُ لَعَمْرُ اللَّهِ بِخَبْطٍ وَ شِمَاسٍ ( 1 ) وَ تَلَوُّنٍ وَ اعْتِرَاضٍ فَصَبَرْتُ عَلَى طُولِ الْمُدَّةِ وَ شِدَّةِ الْمِحْنَِ حَتَّى إِذَا مَضَى لِسَبِيلِهِ جَعَلَهَا فِي جَمَاعَةٍ زَعَمَ أَنِّي أَحَدُهُمْ فَيَا لَلَّهِ وَ لِلشُّورَى ( 2 ) مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِيَّ مَعَ الْأَوَّلِ مِنْهُمْ حَتَّى

 

  * هامش *  
   < - أشنق الناقة ، إذا جذب رأسها بالزمام فرفعه ، وشنقها أيضا ، ذكر ذلك ابن السكيت في إصلاح المنطق : وإنما قال : " أشنق لها " ولم يقل " أشنقها " لانه جعله في مقابلة قوله " أسلس لها " فكأنه عليه السلام قال : إن رفع لها رأسها بمعنى أمسكه عليها " . الصعبة : اما ان يشنقها فيخرم انفها ، وإما أن يسلس لها فترمي به في مهواة تكون فيها هلكته .

(1) مني الناس : ابتلوا وأصيبوا ، والشماس - بالكسر - إباء ظهر الفرس عن الركوب ، والنفا ؟ والخبط : السير على غير جادة . والتلون : التبدل والاعتراض : السير على غير خط مستقيم ، كأنه يسير عرضا في حال سيره طولا يقال : بعير عرضي ، يعترض في سيره لانه لم يتم رياضته ، وفي فلان عرضية ، أي : عجرفة وصعوبة .

(2)
لقد اوردنا تفصيل القصة من أوثق المصادر في ما سبق ، وقال الشيخ محمد عبده في شرحه لهذه الكلمة : كان سعد من بني عم عبد الرحمن كلاهما من بني زهرة ، وكان في نفسه شئ من علي كرم الله وجهه من قبل أخواله لان أمه حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس

، ولعلي في قتل صناديدهم ما هو معروف مشهور . و عبد الرحمن كان صهرا لعثمان ، لان زوجته أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط كانت أختا لعثمان من أمه ، وكان طلحة ميالا لعثمان لصلات بينهما ، على ما ذكره بعض رواة الاثر . وقد يكفي في ميله إلى عثمان انحرافه عن

علي لانه تيمي وقد كان بين بني هاشم وبني تيم مواجد لمكان الخلافة في أبي بكر وبعد موت عمر بن الخطاب رضي الله عنه اجتمعوا وتشاوروا فاختلفوا ، وانضم طلحة في الرأي إلى عثمان ، والزبير إلى علي ، وسعد إلى عبد الرحمن . وكان عمر قد أوصى بأن لا تطول

مدة الشورى فوق ثلاثة أيام ، وأن لا يأتي الرابع إلا ولهم أمير وقال : إذا كان خلاف فكونوا مع الفريق الذي فيه عبد الرحمن . فأقبل عبد الرحمن على علي وقال : عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده . فقال علي : أرجو أن أفعل وأعمل

على مبلغ علمي وطاقتي ، ثم دعا عثمان وقال له مثل ذلك ، فأجابه بنعم . فرفع عبد الرحمن رأسه إلى سقف المسجد حيث كانت المشورة وقال : اللهم اسمع واشهد . اللهم إني جعلت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان ، وصفق بيده في يد عثمان . وقال : السلام عليك يا أمير

المؤمنين وبايعه . قالوا : وخرج الامام علي واجدا ، فقال المقداد بن الاسود لعبد الرحمن والله لقد تركت عليا وإنه من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون . فقال : يا مقداد لقد تقصيت الجهد للمسلمين . فقال المقداد : والله إني لاعجب من قريش ، إنهم تركوا رجلا ما أقول ولا أعلم أن

رجلا أقضى بالحق ولا أعلم به منه . فقال عبد الرحمن : يا مقداد ، إني أخشى عليك الفتنة فاتق الله . ثم لما حدث في عهد عثمان ما حدث من قيام الاحداث من أقاربه على ولاية الامصار ووجد عليه كبار الصحابة روي أنه قيل لعبد الرحمن : هذا عمل يديك ، فقال : ما كنت أظن

هذا به ! ولكن لله على أن لا أكلمه أبدا ، ثم مات عبد الرحمن وهو مهاجر لعثمان ، حتى قبل : إن عثمان دخل عليه في مرضه يعوده فتحول إلى الحائط لا يكلمه ! والله أعلم ، والحكم لله يفعل ما يشاء .

 

 

ج1 - ص 185 -

صِرْتُ أُقْرَنُ إِلَى هَذِهِ النَّظَائِرِ ( 1 ) لَكِنِّي أَسْفَفْتُ إِذْ أَسَفُّوا ( 2 ) وَ طِرْتُ إِذْ طَارُوا فَصَغَا رَجُلٌ مِنْهُمْ لِضِغْنِهِ ( 3 ) وَ مَالَ الْآخَرُ لِصِهْرِهِ ( 4 ) مَعَ هَنٍ وَ هَنٍ ( 5 ) إِلَى أَنْ قَامَ ثَالِثُ الْقَوْمِ نَافِجاً حِضْنَيْهِ ( 6 ) بَيْنَ نَثِيلِهِ وَ مُعْتَلَفِهِ وَ قَامَ مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ

يَخْضَمُونَ مَالَ اللَّهِ خِضْمَةَ الْإِبِلِ نِبْتَةَ الرَّبِيعِ ( 7 ) إِلَى أَنِ انْتَكَثَ عَلَيْهِ فَتْلُهُ وَ أَجْهَزَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ ( 8 ) وَ كَبَتْ بِهِ بِطْنَتُهُ ( 9 ) فَمَا رَاعَنِي إِلَّا وَ النَّاسُ كَعُرْفِ الضَّبُعِ إِلَيَّ ( 10 ) يَنْثَالُونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ حَتَّى لَقَدْ وُطِئَ الْحَسَنَانِ وَ شُقَّ عِطْفَايَ مُجْتَمِعِينَ

حَوْلِي كَرَبِيضَةِ الْغَنَمِ ( 11 ) فَلَمَّا نَهَضْتُ بِالْأَمْرِ نَكَثَتْ طَائِفَةٌ وَ مَرَقَتْ أُخْرَى وَ قَسَطَ آخَرُونَ ( 12 ) كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ بَلَى وَ اللَّهِ لَقَدْ سَمِعُوهَا

وَ وَعَوْهَا وَ لَكِنَّهُمْ حَلِيَتِ الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِهِمْ ( 13 ) وَ رَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا أَمَا
 

  * هامش *  
  (1) المشابه بعضهم بعضا دونه .
(2)
أسف الطائر : دنا من الارض ، يريد أنه لم يخالفهم في شئ .
(3)
صغى صغيا وصغا صغوا : مال ، والضغن : الضغينة يشير إلى سعد .
(4)
يشير إلى عبد الرحمن .
(5)
يشير إلى أغراض أخرى يكره ذكرها ، وقد أشرنا إلى بعضها في باب مناقشة الشورى .

(6)
يشير إلى عثمان وكان ثالثا بعد انضمام كل من طلحة والزبير وسعد إلى صاحبه كما تراه في خبر القضية . ونافجا حضنيه : رافعا لهما ، والحضن : ما بين الابط والكشح . يقال للمتكبر : جاء نافجا حضنيه . ويقال مثله لمن امتلا بطنه طعاما والنثيل : الروث . والمعتلف : من مادة علف موضع العلف وهو معروف ، أي : لا هم له إلا ما ذكر .

(7)
الخضم ، على ما في القاموس : الاكل مطلقا ، أو بأقصى الاضراس ، أو مل . الفم بالمأكول ، أو خاص بالشئ الرطب . والقضم : الاكل بأطراف الاسنان أخف من الخضم . والنبتة - بكسر النون - كالنبات في معناه .

(8)
انتكث فتله : انتقض . وأجهز عليه عمله : تمم قتله ، تقول : أجهزت على الجريح ، وذففت عليه .
(9)
البطنة - بالكسر - البطر والاشر والكظة " أي : التخمة والاسراف في الشبع " ، وكبت به : من كبا الجواد إذ اسقط لوجهه .

(10)
عرف الضبع : ما كثر على عنقها من الشعر ، وهو ثخين ، يضرب به المثل في الكثرة والازدحام . وينثالون : يتتابعون مزدحمين ، والحسنان : ولداه الحسن والحسين وشق عطفاه : خدش جانباه من الاصطكاك . وفي رواية " شق عطافي " والعطاف الرداء . وكان هذا الازدحام لاجل البيعة على الخلافة .

(11)
ربيضة الغنم : الطائفة الرابضة من الغنم ، يصف ازدحامهم حوله وجثومهم بين يديه .
(12)
الناكثة : أصحاب الجمل ، والمارقة : أصحاب النهروان . والقاسطون - أي الجائرون - أصحاب صفين .
(13)
حليت الدنيا : من حليت المرأة إذا تزينت بحليها . والزبرج : الزينة من وشي أو جوهر . ( * )
 

 

ج1 - ص 186 -

وَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ ( 1 ) لَوْ لَا حُضُورُ الْحَاضِرِ ( 2 ) وَ قِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ وَ مَا أَخَذَ اللَّهُ عََى الْعُلَمَاءِ أَلَّا يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِمٍ وَ لَا سَغَبِ مَظْلُومٍ ( 3 ) لَأَلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا ( 4 ) وَ لَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِهَا وَ لَأَلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْزٍ ( 5 ) قَالُوا وَ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ ( 6 ) عِنْدَ بُلُوغِهِ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ خُطْبَتِهِ


فَنَاوَلَهُ كِتَاباً قِيلَ إِنَّ فِيهِ مَسَائِلَ كَانَ يُرِيدُ الْإِجَابَةَ عَنْهَا فَأَقْبَلَ يَنْظُرُ فِيهِ ( فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ )


قَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوِ اطَّرَدَتْ خُطْبَتُكَ مِنْ حَيْثُ أَفْضَيْتَ فَقَالَ هَيْهَاتَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ تِلْكَ شِقْشِقَةٌ ( 7 ) هَدَرَتْ ثُمَّ قَرَّتْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَوَاللَّهِ مَا أَسَفْتُ عَلَى كَلَامٍ قَطُّ كَأَسَفِي عَلَى هَذَا الْكَلَامِ أَلَّا يَكُونَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع بَلَغَ مِنْهُ حَيْثُ أَرَادَ

 

نسوا أو تناسوا كل هذه الاقوال من الامام علي وتمسكوا بقول احتج به الامام علي على معاوية لالتزام معاوية ونظرائه به .
 

  * هامش *  
  (1) النسمة - محركة - الروح ، وبرأها : خلقها .
(2)
من حضر لبيعته ، ولزوم البيعة لذمة الامام بحضوره .

(3)
والناصر : الجيش الذي يستعين به على إلزام الخارجين بالدخول في البيعة الصحيحة ، والكظة : ما يعتري الآكل من امتلاء البطن بالطعام ، والمراد استئثار الظالم بالحقوق . والسغب : شدة الجوع ، والمراد منه هضم حقوقه .

(4)
الغارب : الكاهل ، والكلام تمثيل للترك وإرسال الامر .

(5)
عفطة العنز : ما تنثره من أنفها ، تقول : عفطت تعفط من باب ضرب ، غير أن أكثر ما يستعمل ذلك في النعجة . والاشهر في العنز النفطة بالنون ، يقال : ماله عافط ولا نافط ، أي : نعجة ولا عنز ، كما يقال : ماله ثاغية ولا راغية . والعفطة الحبقة أيضا ، لكن الاليق بكلام أمير المؤمنين هو ما تقدم .

(6)
السواد : العراق ، وسمي سوادا لخضرته بالزرع والاشجار ، والعرب تسمى الاخضر أسود . قال الله تعالى " مدهامتان " يريد الخضرة ، كما هو ظاهر .

(7)
الشقشقة - بكسر فسكون فكسر - شئ كالرئة يخرجه البعير من فيه إذا هاج ، وصوت البعير بها عند إخراجها هدير ، ونسبة الهدير إليها نسسبة إلى الآلة ، قال في القاموس : والخطبة الشقشقية العلوية ، وهي هذه . ( * )
 


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب