اهتمام الرسول صلى الله عليه وآله بامر تعيين أولى الأمر من بعده

 


اختر اللون المناسب لأرضية الصفحة

- معالم المدرستين - السيد مرتضى العسكري ج 1 ص 202 : -

اهتمام الرسول صلى الله عليه وآله بامر تعيين أولى الأمر من بعده


قبل ان ندرس النصوص الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وآله في تعيين اولي الامر من بعده ، ندرس شيئا من اهتمام الرسول صلى الله عليه وآله بهذا الامر في ما يأتي : ان امر الامامة بعد الرسول صلى الله عليه وآله كان من الامور الهامة

التي لم تغب عن بال الرسول صلى الله عليه وآله ، ومن كان حوله ، بل كانوا يفكرون فيه منذ البدء ، فقد رأينا بيحرة من بني عامر بن صعصعة يشترط على رسول الله صلى الله عليه وآله لاسلامهم ان يكون لهم امر من بعد الرسول صلى الله عليه وآله ، ورأينا هوذة الحنفي يطلب من الرسول صلى الله عليه وآله منحه شيئا من الامر .


وكذلك - أيضا - كان الرسول صلى الله عليه وآله فانه كان يفكر في الامر من بعده ويدبر له منذ اول يوم دعا إلى الاسلام ، واول يوم اخذ فيه البيعة لاقامة المجتمع الاسلامي .


اما تدبيره في اول يوم اخذ فيه البيعة لاقامة المجتمع الاسلامي ، فقد كان ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما ، والنسائي وابن ماجة في سننهما ومالك في الموطأ واحمد في المسند ، وغيرهم في غيرها ، واللفظ للاول ، قال : قال عبادة بن الصامت : بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة والعسر واليسر والمنشط والمكره . وان لا ننازع الامر اهله . . . ( 1 )

  * هامش *  
  (1) صحيح البخاري ، كتاب الاحكام ، باب كيف يبايع الامام الناس ، ح - 1 ، صحيح مسلم كتاب - > ( * )  

 

ج1 - ص 203 -

وعبادة هذا كان احد النقباء الاثني عشر على الانصار يوم بيعة العقبة الكبرى ( 1 ) حين قال النبي صلى الله عليه وآله للنيف والسبعين من الانصار الذين بايعوه اخرجوا الي اثني عشر نقيبا يكونون على قومهم بما فيهم ، فأخرجوا من بينهم اثني عشر

نقيبا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للنقباء : انتم على قومكم بما فيهم ، كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم عليه السلام . . . ( 2 )

ان عبادة بن الصامت احد اولئك النقباء الاثني عشر روى من بنود البيعة التي بايعوا الرسول عليها : " ان لا ينازعوا الامر أهله " .

وانما اراد رسول الله صلى الله عليه وآله من " امر " الوارد في هذا الحديث الصحيح ، والذي يذكر فيه اخذ البيعة من اثنين وسبعين رجلا وامرأتين من الانصار ان لا ينازعوا اهله ، هو الامر الذي تنازعوا عليه في سقيفة بني ساعدة ( 3 ) وأهل الامر هم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله " أطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم " ( 4 ) .


وان رسول الله صلى الله عليه وآله وان لم يشخص هنا ولي الامر من بعده ، لانه لم يكن من الحكمة ان يعرف ولي الامر من بعده وهو من غير قبيلة الانصار ، ولعل نفوس بعض المبايعين لم تكن تتحمل ذلك يومئذ ، غير انه اخذ البيعة منهم ان لا ينازعوه حين يعينه لهم بعد ذلك .


وقد عين الرسول صلى الله عليه وآله ولي الامر من بعده وشخص وصيه وخليفته في مجتمع اصغر من هذا المجتمع ، وذلك في اول يوم دعا الاقربين إليه للاسلام ،

  * هامش *  
   < - الامارة ، باب وجوب طاعة الامراء في غير معصية وتحريمها في المعصية ، الحديث : 41 و 42 ، وسنن النسائي كتاب البيعة ، باب البيعة على ان لا ننازع الامر اهله ، وسنن ابن ماجة ، كتاب الجهاد ، باب البيعة ، الحديث : 2866 ، وموطا مالك كتاب الجهاد ، باب : الترغيب في الجهاد ، الحديث : 5 ، ومسند احمد 5 / 314 و 316 و 319 و 321 ، وراجع 4 / 411 منه . وترجمة عبادة بسير اعلام النبلاء 2 / 3 وتهذيب ابن عساكر 7 / 207 - 219 .

(1)
ترجمة عباة في الاستيعاب ج 2 / 412 ، واسد الغابة 3 / 106 - 107 .
(2)
الطبري ، ط . اوروبا 1 / 1221 .
(3)
راجع نزاع الانصار القبلي مع المهاجرين في : فصل السقيفة وبيعة أبي بكر ، بأول الكتاب .
(4)
النساء 59 . ويأتي تفسيرها والاحاديث الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وآله حوله في بحوث الكتاب إن شاء الله تعالى . ( * )
 

 

ج1 - ص 204 -

كما رواه جمع من اهل الحديث والسير مثل : الطبري وابن عساكر ، وابن الاثير ، وابن كثير والمتقي ، وغيرهم ، واللفظ للاول ( 1 ) ، قال : عن علي بن ابي طالب عليه السلام قال : لما نزلت هذه الاية على رسول الله صلى الله عليه وآله

" وأنذر عشيرتك الاقربين " دعاني رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لي : يا علي ان الله أمرني أن أنذر عشيرتي الاقربين فضقت بذلك ذرعا ، وعرفت أني متى بادءتهم بهذا الامر أرى ما أكره فصمت عليه حتى جاءني جبرئيل فقال يا محمد إن لا

تفعل ما تؤمر به يعذبك ربك ، فاصنع لنا صاعا من طعام ، واجعل عليه رجل شاة ، واملا لنا عسا من لبن ، ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أكلمهم وأبلغهم ما أمرت به ، ففعلت ما أمرني به ، ثم دعوتهم له وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا

أو ينقصونه ، فيهم أعمامه أبو طالب ، وحمزة ، والعباس ، وأبو لهب ، فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم ، فجئت به ، فلما وضعته تناول رسول الله صلى الله عليه وآله حذية ( أي قطعة ) من اللحم فشقها باسنانه ، ثم القاها في

نواحي الصحفة ، ثم قال : خذوا بسم الله ، فأكل القوم حتى ما لهم بشئ من حاجة ، وما أرى الا موضع أيديهم ، وأيم الله الذي نفس علي بيده ان كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدمت لجميعهم ، ثم قال : اسق القوم فجئتهم بذاك العس فشربوا منه

حتى رووا منه جميعا ، وأيم الله ان كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله ، فلما اراد رسول الله صلى الله عليه وآله ان يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال : لشد ما سحركم صاحبكم ، فتفرق القوم ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال :

الغديا علي إن هذا الرجل سبقني إلى ما قد سمعت من القول ، فتفرق القوم قبل أن اكلمهم ، فعدلنا من الطعام بمثل ما صنعت ثم اجمعهم الي ، قال : ففعلت ثم جمعتهم ، ثم دعاني بالطعام فقربته لهم ، ففعل كما فعل بالامس فاكلوا حتى مالهم بشئ

حاجة ، ثم قال : اسقهم فجئتهم بذاك العس فشربوا حتى رووا منه جميعا ، ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : يا بني عبد المطلب اني والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به ، اني
 

  * هامش *  
  (1) تاريخ الطبري ط . اروبا 1 / 1171 - 1172 ، وابن عساكر تحقيق المخمودي ج 1 من ترجمة الامام ، وتاريخ ابن الاثير 2 / 222 ، وشرح ابن أبي الحديد 3 / 263 ، وفي تاريخ ابن كثير 3 / 39 ، وقد حذف الالفاظ ، وقال : كذا وكذا ،

وكنز العمال للمتقي ج 15 / 100 ص 115 و 116 منه ، وفي ص 130 يكون : أخي وصاحبي ووليكم بعدي . والسيرة الحلبية نشر المكتبة الاسلامية ببيروت ، 1 / 285 . ( * )

 

 

ج1 - ص 205 -

قد جئتكم بخير الدنيا والاخرة ، وقد أمرني الله تعالى ان ادعوكم إليه ، فأيكم يؤازرني على هذا الامر على ان يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم ؟ قال : فأحجم القوم عنها جميعا وقلت - واني لاحدثهم سنا ، وأرمصهم عينا ، وأعظمهم بطنا ،

وأحمشهم ساقا - أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه ، فأخذ برقبتي ثم قال : ان هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا ، قال : فقام القوم يضحكون ويقولون لابي طالب قد أمرك ان تسمع لابنك وتطيع . كانت هذه الدعوة في السنة الثالثة

من البعثة وهي اول مرة اظهر فيها الرسول صلى الله عليه وآله الدعوة إلى الاسلام ، وشخص فيها الامام من بعده وعرفه للاقربين إليه ، وانما فعل ذلك هنا ولم يفعله بعده بعشر سنوات ويوم اخذ البيعة من الانصار لاقامة المجتمع الاسلامي لان

الامام كان من غير قبائل الانصار وكان بناء المجتمع عندهم على اساس قبلى ولم يكن من الحكمة ان يأخذ البيعة منهم لمن يلي الامر بعده وهو ليس من قبائل الانصار فاكتفى في ذلك المقام باخذ البيعة منهم ان لا ينازعوه في الامر .


وهنا ايضا شخصه للاقربين إليه في محاورة شبيهة بمشاورة اصحابه في غزوة بدر ، فانه مع علمه في غزوة بدر بعاقبة الامر كما اخبر بها اصحابه بعد الانتهاء من المشاورة وأراهم مصارع المشركين ، مع ذلك استشارهم اول الامر في ما يفعل

وكذلك فعل هنا ، فانه مع علمه بالعاقبة وان الذي يقبل مؤازرته هو الامام علي ، مع ذلك علق تعيين الوزير والوصي والخليفة من بعده على قبول المؤازرة في التبليغ وليتقدم بالقبول ايهم شاء ولما ابى كلهم ذلك وبادر بالقبول ابن عمه علي اخذ

برقبته وقال فيه ما مر وأمرهم بطاعته . رأينا في ما مر بنا إلى هنا اهتمام الرسول بامر الامامة من بعده ، يشخصه في مكان ويأخذ البيعة ان لا ينازعوه في مكان آخر ويقابل طمع الطامعين بالرفض في غيرهما . ومن أجل أن ندرك مدى اهتمام

الرسول صلى الله عليه وآله بأمر من يستخلفه من بعده ندرس في ما يأتي ما كان يعمله صلى الله عليه وآله وسلم عندما يغيب عن المدينة أياما معدودات في الغزوات وكيف كان يعين خليفة عليهم من بعده .


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب