حذف تمام الخبر من سيرة الصحابة مع الاشارة إلى الحذف

 


اختر اللون المناسب لأرضية الصفحة

- معالم المدرستين - السيد مرتضى العسكري ج 1 ص 246 : -

ب - حذف تمام الخبر من سيرة الصحابة مع الاشارة إلى الحذف .


ومن أنواع الكتمان عندهم ما فعلوه مع مكاتبات جرت بين محمد بن أبي بكر ومعاوية فقد وجدنا في كتاب صفين لنصر بن مزاحم ( ت : 212 ه‍ ) ومروج الذهب للمسعودي ( ت : 346 ه‍ ) تفصيل كتاب محمد بن أبي بكر لمعاوية وفيه ذكر فضائل

الامام علي بما فيها أنه وصي النبي واعتراف معاوية في جوابه بها وفي الكتابين ذكر مالا يزين الخلفاء نشره فحذهما الطبري ( ت : 310 ه‍ ) مع ذكره لسنده إلى الكتابين واعتذر عن ذلك بعدم احتمال العامة لسماع ما فيهما ، أي أنه أخفى الحقائق عن

الناس ، وجاء بعده ابن الاثير ( ت 630 ه‍ ) وفعل كذلك واعتذر بنفس العذر وجاء بعدهما ابن كثير وأشار إلى كتاب محمد بن أبي بكر في موسوعته التاريخية الكبرى ( 1 ) واقتصر بقوله : " وفيه غلظة " .

يقصد الطبري وابن الاثير من قولهما : ( عدم احتمال العامة لسماع ما فيهما ) : أن العامة لا تبقى على عقيدتها بالخلفاء بعد سماع الكتابين . وهذا الصنف من الكتمان ، أي حذف تمام الخبر مع الاشارة إلى الخبر المحذوف نادر عند علماء مدرسة الخلفاء .

  * هامش *  
  (1) البداية والنهاية ( ج 7 / 314 ) . ( * )  

 

ج1 - ص 247 -

 ج - تأويل معنى الحديث من سنة الرسول ( ص ) من أنواع الكتمان بمدرسة الخلفاء تأويل معنى الرواية كما فعل الذهبي ( 1 ) بترجمة النسائي صاحب السنن ، فإنه قال : سئل النسائي أن يخرج فضائل معاوية ، قال : أي شئ أخرج ؟ حديث اللهم

لا تشبع بطنه ، فقال الذهبي : ( قلت لعل هذه منقبة لمعاوية لقول النبي صلى الله عليه وآله : اللهم من لعنته أو شتمته فاجعل ذلك له زكاة ورحمة ) . قال الذهبي ( ت : 748 ه‍ ) : [ لعله ] . وجاء بعده ابن كثير ( ت : 774 ه‍ ) وقال : ( وقد انتفع

معاوية بهذه الدعوة في دنياه وأخراه ) وهذا نص كلامه ( 2 ) في الرواية التي وردت في شأن معاوية ، في صحيح مسلم ، باب " من لعنه النبي أو سبه ، جعله الله له زكاة وطهورا " من كتاب البر والصلة ، عن ابن عباس قال : كنت ألعب مع

الصبيان فجاء رسول الله ( ص ) فتواريت خلف باب ، قال : فجاء فخطاني خطاة وقال : " اذهب وادع لي معاوية " قال : فجئت فقلت : هو يأكل ، قال ثم قال لي : " اذهب فادع لي معاوية " قال فجئت فقلت : هو يأكل، فقال : " لا أشبع الله بطنه " ( 3 ) كان هذا لفظ مسلم .


وأورد الحديث ابن كثير في تاريخه وزاد على كلام رسول الله ( ص ) بعد قوله : " اذهب وادع لي معاوية " جملة ( وكان يكتب الوحي ) وهذا لفظ ابن كثير : " عن ابن عباس . قال : كنت ألعب مع الغلمان فإذا رسول الله ( ص ) قد جاء ، فقلت :

ما جاء الا الي ، فاختبأت على باب فجاءني فخطاني خطاة أو خطاتين ، ثم قال :" اذهب فادع لي معاوية - وكان يكتب الوحي - قال : فذهبت فدعوته " . له ، فقيل : انه يأكل ، فأتيت رسول الله ( ص ) فقلت انه يأكل ، فقال : اذهب فادعه ، فأتيته

الثانية فقيل : انه يأكل فأخبرته ، فقال في الثالثة : لا أشبع الله بطنه قال : فما شبع بعدها ، وقد انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه وأخراه ، أما في دنياه فانه لما صار إلى الشام أميرا كان يأكل في اليوم سبع مرات يجاء بقصعة فيها لحم كثير وبصل فيأكل منها ، ويأكل في اليوم سبع أكلات بلحم ، ومن الحلوى 
 

  * هامش *  
  (1) تذكرة الحفاظ ص : 698 - 701 .
(2)
البداية والنهاية ، ج 8 / 119 .
(3)
صحيح مسلم كتاب البر والصلة ، الحديث : 96 ، وخطاني : ضربني باليد المبسوطة بين الكتفين ، ص : 2010 أ ) وهذه الاضافة إلى آخرها من كلام ابن كثير . ( * )
 

 

ج1 - ص 248 -

والفاكهة شيئا كثيرا ويقول والله ما أشبع وانما أعيا ، وهذه نعمة ومعدة يرغب فيها كل الملوك .

وأما في الآخرة فقد أتبع مسلم هذا الحديث بالحديث الذي رواه البخاري وغيرهما من غير وجه عن جماعة من الصحابة . أن رسول الله ( ص ) قال : اللهم انما أنا بشر فأيما عبد سببته أو جلدته أو دعوت عليه وليس لذلك أهلا فاجعل ذلك كفارة وقربة

تقربه بها عندك يوم القيامة . فركب مسلم من الحديث الاول وهذا الحديث فضيلة لمعاوية ، ولم يورد له غير ذلك " ( 1 ) انتهى كلام ابن كثير ، وأراد بما قال أن دعاء الرسول على معاوية دعاء له في الدنيا والآخرة أما في الدنيا فبما ذكره من

مزية كثرة الاكل للملوك وأما الآخرة فاعتمد الاحاديث التي نسبت إلى رسول الله ( ص ) أنه كان يلعن المؤمنين - معاذ الله - ودعا أن يكون لهم زكاة وطهورا .

وأن مسلما حين أورد هذا الحديث في آخر هذا الباب أثبت لمعاوية رضوانا وتقربا إلى الله يوم القيامة ، وهكذا يؤولون الاحاديث والاخبار التي فيها ذم لذوي السلطة من الخلفاء والولاة إلى ما فيه مدحهم والثناء عليهم .
 

ولنا هنا نظرة تأمل في ما رووا أن النبي لعن المؤمنين - معاذ الله - .

نظرة تأمل في ما رووا في باب من لعنه النبي .

رووا واللفظ هنا لمسلم في صحيحه ، باب من لعنه النبي أن رسول الله ( ص ) قال : " اللهم اني اتخذ عندك عهدا لن تخلفنيه فانما أنا بشر فأي المؤمنين آذيته شتمته لعنته جلدته فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها اليك يوم القيامة " .

أشعر وأنا أكتب هذا بمثل وخز المدى في قلبي من عظم ما نسب إلى رسول الله ( ص ) ! ! يروون هذا الحديث في مقابل قول الله سبحانه وتعالى لرسوله " وانك لعلى خلق عظيم " وينبغي دراسة هذا الحديث في الصنف الثامن من أنواع الكتمان :

( وضع الروايات المختلقة بدلا من الروايات الصحيحة ) فانها نسبت إلى رسول الله ( ص ) في مقابل ما تواتر عند جميع المسلمين من سنة رسول الله الصحيحة في باب سمو أخلاقه الكريمة وانما رويت أمثال هذه الرواية عن رسول الله ( ص )

لكتمان ما مر بنا من رواية أم المؤمنين عائشة أن رسول الله ( ص ) لعن الحكم بن أبي العاص والد الخليفة الاموي مروان ، وكتمان ما تواتر روايته عن رسول الله ( ص ) في حق الخليفة معاوية التي أولها ابن كثير إلى ما فيه مدح معاوية وبما إنا

قد ناقشنا هذه الاحاديث في الجزء الثاني من كتاب " أحاديث أم المؤمنين عائشة " والثالث من نقش أئمة در احياء دين - أي عمل الائمة في إحياء الدين - لا نعيد تلك البحوث في هذا الكتاب .
 

  * هامش *  
  (1) راجع الهامش رقم 4 . ( * )  

 

ج1 - ص 249 -

عود على بدء نعود إلى بحث تأويل معنى الرواية من أصناف الكتمان ونقول : ومن هذا الباب من التأويل كان ما مر بنا في خبر درأ سعد الوقاص حد شرب الخمر عن أبي محجن ، وتمحل ابن فتحون وابن حجر في تأويل قول سعد لابي محجن " والله لا نجلدك على الخمر " .


وسيأتي في بحث نص رسول الله ( ص ) على أن عدد الائمة الخلفاء بعده اثنا عشر ، كيف ارتبكوا في تأويله عندما رأوا أنه لا يصدق على غير الائمة الاثنى عشر من آل رسول الله ( ص ) وأول كل واحد من العلماء الحديث على غير الائمة الاثني عشر من آل الرسول ( ص ) بما لم يرض به العالم الاخر ونقضه .


ومن هذا الباب من الكتمان ما فعله الطبراني مع الحديث الآتي كما في مجمع الزوائد ( 1 ) : ( عن سلمان قال قلت : يا رسول الله ان لكل نبي وصيا ، فمن وصيك ؟ فسكت عنى ، فلما كان بعد رآني فقال " يا سلمان " فأسرعت إليه قلت : لبيك

قال : " تعلم من وصي موسى ؟ " قال نعم : يوشع بن نون ، قال " لم " قلت : لانه كان أعلمهم يومئذ ، قال : " فان وصيي وموضع سري وخير من أترك بعدي وينجز عدتي ويقضي ديني علي بن أبي طالب " رواه الطبراني وقال وصيي : أنه أوصاه بأهله لا بالخلافة ) . انتهى ما نقله الهيتمي عن الطبراني في مجمع الزوائد .


نظرة تأمل ودراسة للحديث النبوي الشريف وتأويل الطبراني اياه لمعرفة مدى صحة تأويل الطبراني للحديث الشريف ندرس ثلاثة جوانب من الحديث : السائل والسؤال وحكمة النبي في الجواب . السائل هو : سلمان الفارسي نسبا ولم يكن من بني

عبد المطلب أو أقرباء أزواج الرسول أو أصهاره ليعنيه من يخلفه الرسول على أهله وانما كان ممن عاشر رهبان النصارى وعلماءهم قبل أن يسلم على يدي الرسول ( ص ) ، وأخذ منهم علم الامم السابقة وأنبياءها وأوصياءها ومن ثم قال للرسول

( ص ) ( ان لكل نبي وصيا فمن وصيك ؟ ) فهو إذن يسأل عن وصي النبي على شريعته وولي عهده في أمته ، ولم يقل له أن رب كل عائلة يعين وصيا فمن وصيك من بعدك ؟ ليفهم منه أنه يسأل عن خليفته على أهله .
 

  * هامش *  
  (1) ج 9 / 113 - 114 . ( * )  

 

ج1 - ص 250 -

أما جواب النبي ( ص ) وتأخره عن الاجابة فقد كان هذا شأن النبي ( ص ) في الامور الهامة ينتظر أمر السماء مثل انتظاره في المدينة أمر السماء في تحويل القبلة إلى الكعبة وهو يعلم أنها قبلته ، حتى نزلت عليه " قد نرى تقلب وجهك في السماء

فلنولينك قبلة ترضاها " ولما كان رسول الله ( ص ) يعلم تنافس الانسان العربي على الامرة كما مر بنا ببعض أخباره فيما سبق وكان المجتمع الاسلامي الصغير في المدينة الذي بدأ النبي ( ص ) بتأسيسه لا يتحمل نشر خبر ولاية عهد الامام علي

بعد النبي ( ص ) ، تأخر النبي ( ص ) في جواب سلمان ، ولعله أجاب سلمان حين أذن له بذلك وعندئذ فاتح سلمان وأعده لاستماع الجواب بالسؤال منه عن وصي موسى و هو يعلم أن سلمان يعلم ذلك بما عنده من علماء أهل الكتاب فلما أجابه بأن

يوشع بن نون كان وصي موسى ، سأله النبي ( ص ) وقال له : " لم " فلما قال سلمان في جوابه : " لانه كان أعلمهم يومئذ " قال النبي ( ص ) : ( فان وصيي و . . . علي بن أبي طالب ) . والحكمة في جواب النبي لسلمان بهذا الاسلوب ما يأتي :


 اولا : ضرب النبي ( ص ) المثل بيوشع بن نون لانه كان أشهر أوصياء الانبياء ، ولان موسى بن عمران ( ع ) كان قد استخلفه على أمته من بعده ، فقاد بني اسرائيل ومارس الحروب كما فعل الامام علي بعد النبي ( ص ) في مدة حكمه .


ثانيا : سأل عن سبب كون يوشع وصيا لموسى وأجاب سلمان أنه كان أعلمهم ، بهذه المحاورة بين الرسول ( ص ) أن عليا وصيه ليس لكونه ابن عم الرسول ( ص ) أو لانه دافع عن الاسلام في حروب النبي ( ص ) ببسالة فائقة بل لانه أعلمهم

أي أنه كشف عن قابلية الامام علي للوصاية على الاسلام والمسلمين وأكد على ذلك بقوله صلى الله عليه وآله : " موضع سري وخير من أترك بعدي " وهذا الكلام أيضا أوله الطبراني وقال : ( خير من أترك بعدي من أهل بيتي ) كان هذا تأويل

الطبراني في حديث لم يجد فيه مغمزا من ضعف وما شاكله من القول . حيرة عالم آخر في تأويل معنى الوصية قال ابن أبي الحديد الشافعي في شرح الوصية في كلام الامام علي : ( لا يقاس بآل محمد ( ص ) من هذه الامة أحد . . . هم أساس

الدين . . . ولهم خصائص حق الولاية وفيهم الوصية والوراثة ) . ( أما الوصية فلا ريب عندنا أن عليا ( ع ) كان وصي رسول الله ( ص ) وان خالف في ذلك من هو منسوب عندنا إلى العناد ولسنا نعني بالوصية النص على
 

ج1 - ص 251 -

الخلافة ولكن امورا أخرى لعلها إذا لمحت أشرف وأجل ) . انتهى كلام ابن أبي الحديد ونقول في جوابه :

أن الامام علي ( ع ) لم يقل لي حق الولاية والوصية والوراثة كي يمكن تأويل قوله أن له حق الولاية والوصية على أهل رسول الله ( ص ) ، بل قال : " آل محمد هم أساس الدين . . . وفيهم الوصية " .


أثبت الامام الصفات المذكورة لآل رسول الله ( ص ) بما فيها الوصية ولا معنى للقول بأن آل رسول الله ( ص ) لهم حق الوصية على آل رسول الله ( ص ) ، أثبتها الامام لآل رسول الله ( ص ) وهو أحدهم وسائرهم الائمة الاحد عشر من بنيه .

ومن ثم حار العلامة الشافعي في تأويل الوصية هنا ولم يستطع أن يردد تأويل الطبراني وانما قال : " لسنا نعني بالوصية النص على الخلافة ولكن أمورا أخرى " فما هي الامور الاخرى التي لم تذكرها ايها العالم المحتار في تأويل الحديث ؟

وخلاصة القول أن العلماء في هذا الصنف من الكتمان يؤولون من سنة رسول الله ( ص ) حديثه وسيرته وسيرة أهل بيته وأصحابه ما يخالف مصلحة السلطة الحاكمة على المسلمين من خلفاء وولاة وما فيه نقدهم إلى ما فيه مصلحتهم ومدحهم والثناء عليهم .


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب