ح - حرق الكتب والمكتبات
من أصناف الكتمان بمدرسة الخلفاء حرق الكتب التي فيها سنة الرسول ( ص ) سيرة
وحديثا مما لا ترغب نشرها مدرسة الخلفاء . وقد بدأ ذلك الخليفة عمر بن الخطاب
كما سيأتي ذكره في باب بحوث مدرسة الخلفاء من مصادر الشريعة الاسلامية عن طبقات
ابن سعد قال : أن الاحاديث كثرت على عهد عمر فأنشد الناس أن
يأتوه بها ، فلما أتوه بها ، أمر بتحريقها .
وروى الزبير بن بكار ( 1 ) أن سليمان بن عبد الملك في زمان
ولايته للعهد مر بالمدينة حاجا ، وأمر أبان بن عثمان أن يكتب له سير النبي ( ص
) ومغازيه فقال أبان هي عندي أخذتها مصححة ممن أثق به فأمر عشرة من الكتاب
بنسخها فكتبوها
في رق فلما صارت إليه نظر فإذا فيها ذكر الانصار في العقبتين
- يقصد بيعة الانصار في العقبتين الاولى والثانية وذكر الانصار في بدر ، فقال
سليمان : ما كنت أرى لهؤلاء القوم هذا الفضل فأما أن يكون أهل بيتي - أي
الخلفاء الامويين -
غمصوا عليهم ، وأما أن يكونوا ليس هكذا ، فقال أبان بن عثمان
: أيها الامير ! لا يمنعنا ما صنعوا بالشهيد المظلوم - يقصد الخليفة عثمان - من
خذلانه ، أن نقول الحق . هم على ما وصفنا لك في كتابنا هذا . قال سليمان : ما
حاجتي إلى أن أنسخ
ذاك حتى أذكره لامير المؤمنين - يقصد والده عبد الملك - لعله
يخالفه ، فأمر بذلك الكتاب فحرق ، ولما رجع أخبر أباه بما كان فقال عبد الملك
وما حاجتك أن تقدم بكتاب ليس لنا فيه فضل تعرف أهل الشام أمورا لا نريد أن
يعرفوها ، قال سليمان فلذلك أمرت بتحريق ما نسخته حتى أستطلع رأي أمير المؤمنين
فصوب رأيه .
هكذا يأمر خلفاء المسلمين وأولياء عهدهم بحرق كتب سنة الرسول لئلا يعرف
المسلمون ما يخالف مصالحهم وقد فعلت السلطة أكثر من ذلك حين حرقت مكتبات فيها
من كتب سنة الرسول ( ص ) ما يخالف اتجاههم نظير ما يأتي بيانه : حرق
مكتبة اسلامية ببغداد قال ابن كثير ( 2 ) في ذكر حوادث سنة
416 ه بترجمة سابور بن أردشير : كان كثير الخير سليم الخاطر إذا سمع المؤذن لا
يشغله شئ عن الصلاة وقد وقف دارا للعلم في سنة 381 ه وجعل فيها كتبا كثيرة جدا
ووقف
عليها غلة كبيرة فبقيت سبعين سنة ثم أحرقت عند مجئ طغرل في
سنة 450 ه وكانت في محلة بين السورين .
وقال الحموي بترجمة بين السورين في معجم البلدان : بين السورين ، اسم لمحلة
كبيرة كانت بالكرخ وبها كانت خزانة الكتب التي وقفها وزير بهاء الدولة ولم تكن
في الدنيا أحسن كتبا منها كانت كلها بخطوط الائمة المعتبرة وأصولهم المحررة
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
الموفقيات ص : 332 - 333 .
(2)
البداية والنهاية ( ج 12 / 19 ) . ( * ) |
|
|
وحترقت في ما أحرق من محال الكرخ عند ورود طغرل بك أول ملوك
السلجوقية ؟ بغداد .
وقال ابن كثير ( 1 ) بترجمة الشيخ أبي جعفر الطوسي من حوادث
سنة 460 ه أحرقت داره بالكرخ وكتبه سنة 448 ه .
وفعل أكثر من ذلك مع مخازن كتب الخلفاء الفاطميين بمصر كما
ذكره لمقريزي ( 2 ) ( ت : 848 ه ) في ذكر الخزانات التي كانت في قصر الفاطميين
عن خزانة الكتب ، وكانت من عجائب الدنيا ويقال أنه لم يكن في جميع بلاد الاسلام
دار كتب
أعظم من التي كانت بالقاهرة في القصر ويقال : أنها كانت تشمل
الف وستمائة ألف كتاب ، وقال قبلها [ أخذ جلودها عبيدهم وإماؤهم برسم عمل ما
يلبسونه في أرجلها وأحرق ورقها تأولا منهم أنها خرجت من قصر السلطان وأن فيها
كلام المشارقة
الذي يخالف مذهبهم سوى ما غرق وتلف وحمل إلى سائر الاقطار
وبقي منها ما لم يحرق وسفت عليه الرياح التراب فصارت تلالا باقية إلى اليوم في
نواحي آثار تعرف بتلال الكتب ] .
أسس مكتبة الكرخ وزير البويهيين من أتباع مدرسة أهل البيت فلما استولى
السلجوقيين من أتباع مدرسة الخلفاء أحرقوها وأحرقوا مكتبة الشيخ الطوسي بالكرخ
، وفعل أكثر من ذلك مع خزائن كتب الخلفاء الفاطميين بمصر عند استيلاء صلاح
الدين على الحكم .
يا ترى كم كتم عنا من سنة الرسول بسبب تحريق الكتب والمكتبات التي كان اصحابها
من مخالفي مدرسة الخلفاء ، وكم كان فيها أحاديث صحيحة مسلسلة عن رسول الله ( ص
) في حق آل الرسول بما في ضمنها أحاديثه في الوصية ، ذهبت عنا بسبب هذا النوع
من الكتمان والله أعلم بذلك .
وأهم من كل ما ذكرنا من أصناف كتمان سنة الرسول ( ص ) تحريف سنة الرسول وسيرة
الصحابة الآتي ذكره في البحثين التاليين :
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
نفس المصدر ، ( ج 12 / 97 ) .
(2) خطط المقريزي ( ج 2 / 255 )
. ( * )
|
|
|