" أما بعد فانسبوني فانظروا من أنا ثم ارجعوا إلى أنفسكم
وعاتبوها ، هل يجوز لكم قتلي وانتهاك حرمتي ؟ ألست ابن بنت نبيكم ( ص ) وابن
وصيه وابن عمه و أول القوم اسلاما وأول المؤمنين بالله والمصدق لرسوله بما جاء
من عند ربه ؟ أو ليس حمزة سيد الشهداء عم أبي ؟ أو ليس جعفر الطيار ذو الجناحين
عمي . . . " .
حرف ابن كثير هذا الخبر في تاريخه ونقل أن الامام الحسين قال : " راجعوا أنفسكم
وحاسبوها هل يصلح لكم قتال مثلي ، وأنا ابن بنت نبيكم ، وليس على وجه الارض ابن
بنت نبي غيري وعلي أبي ، وجعفر ذو الجناحين عمي وحمزة سيد الشهداء عم أبي " ( 1
) .
ان ابن كثير حذف من خطبة الامام الحسين ذكر الوصية لان ذكره كما قلنا ينبه
العامة إلى حق الامام علي وسبطي الرسول ( ص ) في الحكم وهو ما يسوء
السلطة نشر خبره ، ثم حرف الخطبة .
وهذا نوع من أنواع الكتمان بمدرسة الخلفاء ، و يوجد نظير هذا الحذف في سيرة
الرسول ( ص ) وسنشير إلى شئ منه في الصنف العاشر من أصناف الكتمان الآتي بحثه
بعد هذا .
ي - وضع الروايات والاخبار المختلقة بدلا من
الروايات الصحيحة
من أنواع الكتمان بمدرسة الخلفاء وضع الاخبار ونشر الروايات المختلقة بدلا من
الروايات الصحيحة ، ونذكر في ما يأتي مثالا واحدا منها : روى الطبري في تاريخه
خبر ابي ذر وقال : " وفي هذه السنة أعني سنة ثلاثين كان ما ذكر من أمر أبي
ذر ومعاوية وإشخاص معاوية إياه من الشام إلى المدينة وقد ذكر
في سبب ذلك أمور كثيرة كرهت ذكر أكثرها فأما العاذرون معاوية في ذلك فانهم
ذكروا في ذلك قصة كتب إلي بها السري يذكر أن شعيبا حدثه سيف . . . . " الحديث .
وكذلك تبعه ابن الاثير وقال : " وفي هذه السنة كان ما ذكر من أمر أبي ذر و
إشخاص معاوية إياه من الشام إلى المدينة وقد ذكر في سبب ذلك امور كثيرة من سب
معاوية إياه وتهديده بالقتل وحمله إلى المدينة من الشام بغير وطاء ونفيه من
المدينة على الوجه الشنيع لا يصلح النقل به . . . " .
فمن هو سيف هذا الذي أورد الطبري القصة التي رواها في خبر أبي ذر و تمسك بها
العاذرون معاوية وما هو نوع أخباره ورواياته : هو سيف بن عمر التميمي ( توفي
حدود سنة 170 ه ) روى أخبارا عن عصر
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
ابن كثير 7 / 179 . ( * ) |
|
|
الرسول ( ص ) والسقيفة وبيعة أبي بكر وحروف الردة والفتوح
وحرب الجمل . وصفه علماء الرجال وقالوا في نعته : ضعيف ، متروك الحديث ، ليس
بشئ ، كذاب ، كان يضع الاحاديث ، اتهم بالزندقة ( 1 )
نوع أخباره ورواياته : اختلق في رواياته أكثر من خمسين ومائة صحابي لرسول الله
( ص ) نشرنا دراسات مفصلة عن ثلاث وتسعين منهم في المجلد الاول والثاني من كتاب
" خمسون ومائة صحابي مختلق " جعل تسع وعشرون منهم من
قبيلته تميم ، اختلق سيف لهم أخبارا في الفتوح وكثيرا من
المعجزات والشعر ورواية الحديث ، غير ان الله سبحانه وتعالى لم يخلق أشخاصهم
ولا شيئا من أخبارهم بل اختلق جميعها سيف كما اختلق عشرات الرواة وروى عنهم
أخباره وقد نشرنا
في جزئي عبد الله ابن سبأ وخمسون ومائة صحابي مختلق دراسات عن
نيف وسبعين راويا منهم ، تتبعنا في حدود قدرتنا روايات سيف عنهم فوجدنا لراو
واحد منهم والذي سماه محمد بن سواد بن نويرة 216 رواية ومنهم من روى عنه أقل من
ذلك إلى رواية واحدة . وكذلك خلق شعراء للعرب وقادة للفرس
والرومان وأراض في البلاد الاسلامية و غيرها وحرف سني الحوادث التأريخية كما
حرف أسماء أشخاص ذكروا في التاريخ الاسلامي ونشر الخرافات بين المسلمين في ما
اختلق
منها في أحاديثه ، واختلق حروبا في الردة والفتوح لم تقع ،
وذكر مئات الالوف ممن قتلهم المسلون قتلا فظيعا في تلك الحروب مما لم يكن شئ
منها ، وأشاع في ما وضع واختلق أن الاسلام انتشر بحد السيف ، وقد بينا زيفها في
أول الجزء الثاني من عبد الله بن سبأ .
انتشرت رواياته الموضوعة في أكثر من سبعين مصدرا ( 2 ) من كتب الحديث والتاريخ
والادب وغيرها من مصادر الدراسات الاسلامية بمدرسة الخلفاء انتشر فيها ما روى
سيف واختلق عن عصر الرسول ( ص ) حتى عصر معاوية وكان أكثر من أخذ عنه الطبري في
تاريخه وروى عنه أمثال الاخبار ( 3 ) الآتية :
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
كان ما ذكرناه بعض ما ذكره في وصفه علماء أمثال : يحيى بن معين ( ت :
233 ه ) ، النسائي صاحب الصحيح ( ت : 303 ه ) ، أبو داود ( ت : 316
ه ) ، ابن أبي حاتم الرازي ( ت : 327 ه ) ، ابن حبان ( ت : 354 ه )
، الحاكم ( ت : 405 ه ) . وتفصيل ما ذكروا في حق سيف ومصادر ترجمة سيف
بكتاب عبد الله بن سبأ الجزء الاول .
(2) ذكرنا أسماء أكثرها في
أول الجزء الاول من كتاب خمسون ومائة صحابي
مختلق .
(3) راجع أخبارها في ذكر فتح
دارين والقادسية والسوس وبهرسير ودراسة مقارنة لاخبار سيف هذه بروايات
صحيحة لغيره في كتاب " خمسون ومائة صحابي مختلق
" الجزء الاول بتراجم عفيف بن المنذر وعاصم بن عمرو والاسود بن قطبة من
الصحابة الذين اختلقهم سيف بن عمر التميمي من قبيلته تميم . ( * )
|
|
|
أ - مسير الجيش على ماء البحر من الساحل إلى دارين
مسيرة يوم وليلة لسفن البحر ، يمشون على مثل رملة ميثاء فوقها ماء يغمر أخفاف
الابل .
ب - تكلم الابقار لعاصم بن عمرو التميمي الصحابي المختلق في حرب القادسية
بلسان عربي فصيح . وإن بكيرا قال لفرسه أطلال عند نهر أراد أن يعبره يومئذ : "
ثبي أطلال " فنطقت وقالت : " وثبا وسورة البقرة " أي أنها أقسمت بسورة البقرة ،
ثم وثبت ! ! ! .
ج - انشاد الاجنة الشعر في فتح القادسية وثناءهم لموقف تميم في الحرب .
د - فتح السوس بضرب الدجال باب السوس برجله وقوله : "
انفتح بظار " .
ه - تكلم الملائكة على لسان الاسود بن قطبة التميمي في
فتح بهرسير .
ومن تاريخ الطبري انتشرت أكاذيب سيف في كتب التاريخ الاسلامي
التي ألفت بعده إلى عصرنا الحاضر كما سنشير إلى بعض ذلك فيما يأتي : انتشار
أحاديث سيف من تاريخ الطبري إلى كتب التاريخ وسببه قال ابن الاثير في مقدمة
تاريخه
الكامل : إني قد جمعت في كتابي هذا ما لم يجتمع في كتاب واحد
، فابتدأت بالتاريخ الكبير الذي صنفه الامام أبو جعفر الطبري إذ هو الكتاب
المعول عند الكافة عليه و المرجوع عند الاختلاف إليه . . . . فلما فرغت منه
أخذت غيره من
التواريخ المشهورة فطالعته وأضفت إلى ما نقلته من تاريخ
الطبري ما ليس فيه ، . . . . الا ما يتعلق بما جرى بين أصحاب رسول الله ( ص )
فإني لم أضف إلى ما نقله أبو جعفر شيئا الا ما فيه زيادة بيان أو اسم انسان ،
أو ما لا يطعن على أحد
منهم في نقله ، على أني لم أنقل إلا من التواريخ المذكورة
والكتب المشهورة ممن يعلم صدقهم في ما نقلوه و صحة ما دونوه . . . . . . ( 1 )
وقال ابن كثير بعد انتهائه من ذكر أخبار الصحابة في الردة والفتوح والفتن : هذا
ملخص ما ذكره
ابن جرير الطبري رحمه الله عن أئمة هذا الشأن ، و ليس في ما
ذكره أهل الاهواء من الشيعة وغيرهم من الاحاديث المختلقة على الصحابة والاخبار
الموضوعة التي ينقلونها بما فيها ( 2 )
وقال ابن خلدون : هذا آخر الكلام في الخلافة الاسلامية وما كان فيها من الردة
والفتوحات و الحروب ثم الاتفاق والجماعة أوردتها ملخصة عيونها ومجامعها من كتب
محمد بن
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
تاريخ ابن الاثير طبعة ، مصر سنة 1348 ه ( ج 1 / 5 ) .
(2)
تاريخ ابن كثير ( ج 7 / 246 ) . ( * )
|
|
|
جرير الطبري وهو تاريخه الكبير فإنه أوثق ما رأيناه في ذلك
وأبعد عن المطاعن و الشبه في كبار الامة من خيار الامة وعدو لهم من الصحابة
والتابعين ( 1 )
نظرة تأمل في سبب اختيار كبار العلماء الافذاذ روايات سيف في أخباز صدر الاسلام
قال الطبري في خبر أبي ذر الصحابي الفقير - مثلا - مع معاوية الامير " كرهت ذكر
أكثرها ، فأما العاذرون معاوية في ذلك فإنهم ذكروا في ذلك قصة . . . . عن سيف "
.
وقال ابن الاثير : " من سب معاوية إياه وتهديده بالقتل وحمله إلى المدينة من
الشام بغير وطاء ونفيه من المدينة عل الوجه الشنيع لا يصلح النقل به " . ثم
أورد قصة سيف و وصفهم كذلك بالعاذرين .
إن العالمين الكبيرين لم يتركا روايات غير سيف لعدم اعتمادهما عليها بل لانهما
لم يجدا فيها العذر للسلطة الحاكمة ووجدا العذر عند العاذرين معاوية الامير
وعثمان الخليفة وهم سيف الزنديق وسلسلة رواته المختلقين ، فحشى الطبري تاريخه
الكبير بروايات سيف ، و ؟ نفس السبب أخذ ابن الاثير روايات
سيف من تاريخ الطبري وكذلك فعل ابن كثير حيث قال في آخر ذكره خبر واقعة الجمل
من أخبار سنة ست وثلاثين هجرية عما نقله من أخبار سيف في حوادث بعد وفاة رسول
الله
( ص ) إلى واقعة الجمل : " هذا ملخص ما ذكره ابن جرير الطبري
رحمه الله عن أئمة هذا الشأن " و قصد من أئمة هذا الشأن الذين ذكر ابن جرير
الطبري الاخبار عنهم سيف الزنديق ورواته المختلقين .
وقد أفصح العلامة ابن خلدون أكثر منهم في سبب اختيارهم روايات سيف المنتشرة في
تاريخ الطبري عن أخبار الخلافة أي بيعة الخلفاء والردة والفتوح والجماعة أي
الاجتماع على بيعة معاوية وقال : " انه أوثق ما رأيناه في ذلك وأبعد عن المطاعن
والشبهة في كبار الامة " .
إذا فإن روايات سيف في تاريخ الطبري عن تلك الاخبار أوثق عندهم لانها أبعد عن
المطاعن والشبهة في كبار الامة من الصحابة والتابعين وهم الخلفاء والولاة
وذويهم ، وإليكم دليل آخر على أنه من المعيب أن يذكر ما يورد النقد على الكبراء
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
تاريخ ابن خلدون ( ج 2 / 457 ) . ( * )
|
|
|
وينبغي البحث عن العذر لهم في ما يوجه النقد إليهم كيف ما كان
، في خبر درء سعد بن أبي وقاص الحد عن أبي محجن والبحث عن العذر لسعد الامير ،
كان أبو محجن الثقفي كما بترجمته من الاستيعاب وأسد الغابة والاصابة ، مدمنا
للخمر
وحده الخليفة عمر سبع مرات لذلك وأخيرا نفاه من المدينة ،
والتحق بسعد بن أبي وقاص في حرب القادسية فقيده لشربه الخمر وأطلقت زوجة سعد
سراحه وكانت له مواقف مشهورة في الحرب فدرأ سعد الحد عنه لموقفه وقال : والله
لا نجلدك
على الخمر أبدا ، قال أبو محجن : وإذن لا أشربها أبدا . كان
هذا خبر درأ سعد الحد عن أبي محجن ، وفي هذا الشأن نقل ابن حجر بترجمة أبي محجن
في كتابه الاصابة عن كتاب ابن فتحون ( ت : 519 ه ) ، " التذييل على استيعاب
أبي عمر بن
عبد البر " وقال : " وقد عاب ابن فتحون أبا عمر على ما ذكره
في قصة أبي محجن ، أنه كان منهمكا في الشراب - إلى قوله - وأنكر ابن فتحون من
روى أن سعدا أبطل عنه الحد وقال : [ لا يظن هذا بسعد ] ثم قال : [ لكن له وجه
حسن ]
ولم يذكره وكأنه أراد بقوله لا يجلده في الخمر بشرط أضمره وهو
: إن ثبت عليه أنه يشربها فوفقه الله أن تاب توبة نصوحا فلم يعد إليها . . . .
" ( 1 )
هكذا يبحث أتباع مدرسة الخلفاء عما يرفع النقد عن الكبراء وهم الخلفاء و الولاة
وذووهم من الخلفاء الاوائل حتى معاوية ومروان بن الحكم ويزيد بن معاوية وولاتهم
الذين يسمونهم الكبراء أو كبراء الصحابة والتابعين .
وبما أن سيف بن عمر الزنديق عرف من أين تؤكل الكتف ووضع روايات موافقة لرغبات
جميع الطبقات بمدرسة الخلفاء مدى العصور وطلا رواياته بطلاء الدفاع عن الخلفاء
و ذويهم في ما انتقدوا عليه ونشر فضائلهم وتحت هذا الغطاء السميك
استطاع أن يخفي أهدافه في الطعن بالاسلام والاضرار به ونشر
الخرافات الضارة بالعقائد الاسلامية بين المسلمين وكذلك استطاع أن ينشر ويذيع
بين الناس أن الاسلام انتشر بحد السيف ، استطاع سيف أن يصل إلى كل أهدافه في ما
اختلق بدافع
زندقته ، وسنورد أمثلة مما ذكرنا في ما يأتي ، ومن أمثلة نشره
الخرافات الضارة بالعقيدة الاسلامية ما رواه في خبر الاسود العنسي المتنبئ وخبر
مناجاة كسرى مع الرسول ( ص ) عند الله كالآتي :
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
الاصابة ( ج 4 / 173 - 175 ) . ( * )
|
|
|