دراسة روايات سيف في أخبار الفتن

 


اختر اللون المناسب لأرضية الصفحة

- معالم المدرستين - السيد مرتضى العسكري ج 1 ص 280 : -

دراسة روايات سيف في أخبار الفتن


اختلق سيف هذه الاخبار ونظائرها في الدفاع عن الخلفاء الامويين عثمان ومعاوية ومروان والولاة : الوليد وسعد بن أبي سرح وغيرهم من كبراء بني أمية فراجعت قصصه المختلقة في أخبار تلك الفتن وانتشرت في مصادر الدراسات الاسلامية

انتشار النار في الهشيم كما برهنا على ذلك في أول الجزء الاول من عبد الله بن سبأ ، وأثبتنا الصحيح من أخبار تلك الفتن في فصل " في عصر الصهرين " وفصل " مع معاوية " من كتابنا أحاديث أم المؤمني عائشة ، ج 1 ، ونشير في ما يأتي

إلى أمثلة من أنواع الاختلاق والتحريف في روايات سيف السابقة . الاختلاق والتحريف في روايات سيف الآنفة الذكر في أحاديث سيف السابقة أمثلة من أنواع التحريف والاختلاق عند سيف كالاتي :
 

ج1 - ص 281 -

أولا - أمثلة من الاختلاق في الروايات السابقة :

 أ - اختلق سيف رواة الحديث : عطية ومبشر وسهل بن يوسف ويزيد الفقعسي وهذا بيانه : أما عطية ، فقد تخيله سيف ابن بلال بن أبي بلال ، هلال الضبي واختلق له ابنا سماه الصعب وأسند إليهم رواية بعض مختلقاته من الروايات ، تارة يروي الابن منهم عن أبيه ، وتارة يروي عن غيره .


درسناهم وأحصينا الروايات التي أسندها سيف إليهم في كتابنا " رواة مختلقون " وقارنا بين بعض ما أسند إليهم سيف من روايات في ترجمة القعقاع الصحابي المختلق بكتابنا " خمسون ومائة صحابي مختلق وفي خبر العلاء بن الحضرمي بكتاب عبد الله بن سبأ ج ( 1 ) .


وسهل بن يوسف تخيله سيف نسبهم هكذا : سهل بن يوسف بن سهل بن مالك الانصاري ، وقد ترجمناهم وأحصينا روايات سيف عنهم في كتاب ( رواة مختلقون ) ودرسنا روايات سيف عنهم في ترجمة القعقاع بكتاب خمسون ومائة صحابي مختلق . ومبشر تخيله مبشر بن فضيل درسناه ودرسنا رواية سيف عنه في خبر السقيفة بكتابنا عبد الله بن سبأ ، ج ( 1 ) .


ويزيد الفقعسي لم نجد له ذكرا في ما بحثنا من كتب الحديث والسير والتاريخ والادب والانساب والطبقات وتراجم الرجال عدا خمس روايات لسيف في تاريخ الطبري ورواية واحدة له في تاريخ الاسلام للذهبي وكأن الله لم يخلقه الا ليروي سيف عنه ولذلك اعتبرناه من مختلقات سيف من الرواة .


 ب - اختلق سيف ، الغافقي وغيره ، في متون الاحاديث السابقة ونترك إحصاء ما اختلق فيها والبرهنة عليها ، لئلا يطول بنا الكلام .


واختلق في متون الاحاديث السابقة أيضا الاخبار الآتية :

 أ - قصة عبد الله بن سبأ في تلك الفتن ويكفي لمعرفة ما اختلقه مقارنتها بالاخبار الصحيحة التي أوردناها في فصلي ( في عصر الصهرين ) و ( مع معاوية ) من كتاب أحاديث عائشة ، ج ( 1 ) .


 ب - من ضمن هذه الاخبار المختلقة متابعة الصحابيين عمار وأبي ذر لعبدالله بن سبأ الذي تخيله يهوديا من أهل اليمن . . . وألحق بهما في متابعته عبد الله بن سبأ ، صحابة وتابعين آخرين وسمى جميعهم بالسبأية .


 ج - اختلق خبر إرسال الخليفة عثمان رجالا إلى الامصار لتحقيق ما تصل إليه من الشكاوى ، وتخيلهم هكذا : محمد بن مسلمة إلى الكوفة وأسامة بن زيد إلى

ج1 - ص 282 -

البصرة وعمار بن ياسر إلى مصر و عبد الله بن عمر إلى الشام ، وإن جميعهم رجعوا بخبرون عن رضا الناس عن ولاتهم ما عدا عمار بن ياسر الذي تبع عبد الله بن سبأ اليهودي وبقي في أرض مصر يفسد فيها . اختلق جميع تلك الاخبار بتفاصيلها

سيف ولم يرد ذكر منها عند أي واحد من المؤرخين غيره والخبر الصحيح في ذلك ما ذكرناه في أحاديث عائشة عن أنساب الاشراف للبلاذري وغيره .


 د - اختلق خبر أبي ذر مع معاوية وحرفه والروايات الصحيحة في خبره - أيضا - ما أوردناه في كتاب أحاديث عائشة . ه‍ اختلق غيرها مثل المكاتبات التي تخيل أنها جرت بين الخليفة عثمان وعماله وغير ذلك . أما التحريف في تلكم الروايات ، فكالآتي :


 ثانيا - أمثلة من التحريف في الروايات السابقة :

 أ - تحريف في الاسماء : حرف اسم عبد الرحمن بن ملجم قاتل الامام علي و عبد الله بن وهب السبائي من رؤساء الخوارج في حرب النهروان وسماهما خالد بن ملجم و عبد الله بن سبأ كما برهنا على ذلك في فصل تصحيف وتحريف من كتاب عبد الله بن سبأ ج 2 .


 ب - تحريف في الاخبار مثل : تحريفه خبر عبادة بن الصامت ومعاوية والصحيح منه ما أوردناه في فصل ( مع معاوية ) من كتاب أحاديث عائشة . وتحريفه خبر القول بالرجعة وقوله : إن ابن سبأ اخترعه ، ويطول بنا البحث عن أدلته في الكتاب والسنة ، ونقتصر على ايراد خبر واحد كالآتي :


لما توفي رسول الله ( ص ) كان الصحابي أبو بكر بمنزلة في السنح ، وأخذ الصحابي عمر يقول : إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله توفي . وإن رسول الله ما مات ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران فغاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع بعد أن قيل مات ، والله ليرجعن رسول الله ( 1 ) .


وتحريفه خبر القول بالوصية ونسبته إلى ابن سبأ اليهودي وقد مر بنا البحوث عنها في ما سبق .

وتحريفه رواية رسول الله ( ص ) في حق عمار بقوله : " الحق مع عمار ما لم

  * هامش *  
  (1) راجع تفصيل الخبر في فصل وفاة الرسول ( ص ) من كتاب عبد الله بن سبأ ، ج 1 . ( * )  

 

ج1 - ص 283 -

تغلب عليه ولهة الكبر " وإن سعدا قال إن عمارا وله وخرف ، بينا قال رسول الله ( ص ) في حقه الحديث الآتي : عن عبد الله بن مسعود ، قال قال رسول الله " إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق " ( 1 ) .

وفي طبقات ابن سعد ( 2 ) : قال الامام علي في رثاء عمار : " إن عمارا مع الحق والحق معه ، يدور عمار مع الحق أينما دار " . إن سيف بن عمر حرف هذه الاحاديث في حق عمار وزاد فيه : " ما لم تغلب عليه ولهة الكبر " .

ومن حديث رسول الله في عمار ما رواه ابن هشام في خبر بناء مسجد الرسول ( ص ) أن رجلا تعرض لعمار ، فقال رسول الله " ما لهم ولعمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار ، إن عمارا جلدة ما بين عيني وأنفي ، فإذا بلغ ذلك من الرجل فلم يستبق فاجتنبوه " ، روى الحديث ابن هشام ولم يذكر اسم الرجل الذي تعرض لعمار .


وذكر أبو ذر في شرح سيرة ابن هشام أن هذا الرجل هو عثمان بن عفمان ، وتفصيل الخبر بكتاب أحاديث عائشة ، فصل ( في عصر الصهرين ) . أما أبو ذر فقد قال رسول الله ( ص ) فيه : " ما أظلت الخضراء وما أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر " ( 3 ) .


مقارنة خبر سيف في الفتن بأخبار غيره قال الذهبي في تاريخه ( 4 ) في خبر الفتن على عهد عثمان : " عن الزهري قال ولي عثمان فعمل ست سنين لا ينقم عليه الناس شيئا وإنه لاحب إليهم من عمر لان عمر كان شديدا عليهم فلما وليهم عثمان

لان لهم و وصلهم ، ثم إنه تواني في أمرهم واستعمل أقرباءه وأهل بيته في الست الاواخر وكتب لمروان بخمس مصر أو بخمس أفريقية وآثر أقرباءه بالمال وتأول في ذلك الصلة التي أمر الله بها واتخذ الاموال واستسلف من بيت المال ، وقال

إن أبا بكر وعمر تركا من ذلك ما هو لهما وإني أخذته فقسمته في أقربائي ، فأنكر الناس عليه ذلك . قلت ومما

  * هامش *  
  (1) راجع تاريخ الذهبي ، ج 2 / 179 وتاريخ ابن كثير ج 7 / 270 .
(2)
ط . بيروت ، ج 3 / 262 .
(3)
ابن ماجة ، المقدمة ، الباب 21 . وسنن الترمذي ، كتاب المناقب .
ومسند أحمد 2 / 163 و 175 و 223 و 5 / 351 و 356 و 6 / 442 .
وطبقات ابن سعد ، ط . أروبا ، ج 4 / ق 1 / 168 .

(4)
ج 2 / 122 . ( * )
 

 

ج1 - ص 284 -

نقموا عليه أنه عزل عمير بن سعد عن حمص وكان صالحا زاهدا ، وجمع الشام لمعاوية ، ونزع عمرو بن العاص عن مصر ، وأمر ابن أبي سرح عليها ، ونزع أبا موسى الاشعري عن البصرة وأمر عليها عبد الله بن عامر ، ونزع المغيرة بن شعبة

( 1 ) عن الكوفة وأمر عليها سعيد بن العاص " وقال : " دعا عثمان ناسا من الصحابة فيهم عمار فقال إني سائلكم وأحب أن تصدقوني : نشدتكم الله أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤثر قريشا على سائر الناس ويؤثر بني هاشم على

سائر قريش ؟ فسكتوا ، فقال : لو أن بيدي مفاتيح الجنة لاعطيتها بني أمية حتى يدخلوها " ( 2 ) لا يسع المجال لذكر ما فعله الولاة والامراء من بني أمية في السنوات الست التي ذكروها في مصر والشام والكوفة والبصرة والمدينة وما جرى بينه

وبين أبرار الصحابة والتابعين ، وإنما نقتصر على ذكر بعض ما كان من أمر أبي ذر خاصة معهم : أبو ذر في موسم الحج بمنى عن أبي كثير عن أبيه ، " قال : أتيت أبا ذر وهو جالس عند الجمرة الوسطى وقد اجتمع الناس عليه يستفتونه ، فأتاه

رجل فوقف عليه ثم قال : أولم تنه عن الفتيا ، فرقع رأسه إليه فقال : أرقيب أنت علي ، لو وضعتم الصمصامة على هذه - وأشار إلى قفاه - ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من رسول الله ( ص ) قبل أن تجيزوا علي لانفذتها " ( 3 ) .

اختزل هذا الخبر البخاري في صحيحه وقال : " قال أبو ذر لو وضعتم الصمصامة على هذه - وأشار إلى قفاه - ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من النبي ( ص ) قبل أن تجيزوا علي لانفذتها " ( 4 ) .


وفي شرحه من فتح الباري قال ابن حجر : " إن الذي خاطبه رجل من قريش والذي نهاه عثمان ( رض ) " ( 5 ) وقال : ( ونكر" كلمة " : ليشمل القليل والكثير ، والمراد به يبلغ ما تحمله في كل حال ، ولا ينتهي عن ذلك ولو أشرف على القتل ) .

انتهى كلام شارح البخاري وفسر في ما قال كلام أبي ذر بأنه أراد أنه سيبلغ ما سمعه عن رسول الله ( ص ) وإن كانت

  * هامش *  
  (1) في النسخة : المغيرة بن شعبة خطأ وإنما نزع سعد بن أبي وقاص .
(2)
قال المؤلف : ولكن مفاتيح بيوت أموال المسلمين كانت بيده .
(3)
سنن الدارمي ج 1 / 137 ، وطبقات ابن سعد ، ج 2 / 354 .
(4)
كتاب العلم ، باب العلم قبل القول والعمل ، ج 1 / 16 .
(5)
ج 1 / 170 - 171 . ( * )
 

 

ج1 - ص 285 -

كلمة واحدة ولا ينتهي عن ذلك ولو أشرف على القتل . وفي تذكرة الحفاظ للذهبي : " وعلى رأسه فتى من قريش ، فقال : أما نهاك أمير المؤمنين عن الفتيا . . . " ( 1 ) الحديث .


أبو ذر في بيت الله الحرام في مستدرك الحاكم ( 2 ) بسنده عن حنش الكناني ، قال سمعت أبا ذر يقول وهو آخذ بباب الكعبة : أيها الناس من عرفني فأنا من عرفتم ومن أنكرني فأنا أبو ذر ، سمعت رسول الله يقول : " مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق " . قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ( 3 ) .


أبو ذر في مسجد الرسول ( ص ) وغيره وأورد اليعقوبي تفصيل خبر أبي ذر مع السلطة في تاريخه ( 4 ) وقال : " وبلغ عثمان أن أبا ذر يقعد في مسجد رسول الله ، ويجتمع إليه الناس ، ( 5 ) فيحدث بما فيه الطعن عليه . وأنه وقف بباب

المسجد فقال : أيها الناس من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا أبو ذر الغفاري ، أنا جندب بن جنادة الربذي ، إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض ، والله سميع عليم ، محمد الصفوة من

نوح ، فالآل ( 6 ) من إبراهيم ، والسلالة من اسماعيل ، والعترة الهادية من محمد . . . . ومحمد وارث علم آدم وما فضل به النبيون ، وعلي بن أبي طالب وصي محمد ، ووارث علمه . أيتها الامة المتحيرة بعد نبيها ! أما لو قدمتم من قدم الله ،

وأخرتم من أخر الله ، وأقررتم الولاية والوراثة في أهل بيت نبيكم لاكلتم من فوق رؤوسكم ومن تحت أقدامكم ، ولما عال ولي الله ، ولا طاش سهم من فرائض الله ، ولا اختلف اثنان في حكم الله ، إلا وجدتم علم ذلك عندهم ، من كتاب الله وسنة نبيه ، فأما إذ فعلتم ما فعلتم ، فذوقوا وبال أمركم ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .
 

  * هامش *  
  (1) ج 1 / 18 .
(2)
ج 2 / 343 .
(3)
حنش في الاصابة ، رجل من غفار .
(4)
ج 2 / 171 .
(5)
يظهر من سياق الخبر أن أبا ذر كان يفعل ذلك في مسجد الرسول في موسم الحج كفعله في منى وبباب الكعبة ، فإنه لو كان في غير موسم الحج لم يكن بحاجة إلى أن يعرف نفسه لاخوته الذين كانوا يعاشرونه في المدينة .
(6)
في النسخة المطبوعة : ( فالاول ) ، خطأ مطبعي . ( * )
 

 

ج1 - ص 286 -

وقال اليعقوبي بعده : " وبلغ عثمان أيضا أن أبا ذر يقع فيه ، ويذكر ما غير وبدل من سنن رسول الله وسنن أبي بكر وعمر ، فسيره إلى الشام إلى معاوية ، وكان يجلس في المسجد ، فيقول كما كان يقول ويجتمع إليه الناس حتى كثر من يجتمع إليه

ويسمع منه . . . الحديث وقال اليعقوبي بعد ذلك ما موجزه : " إن معاوية كتب إلى عثمان أنك قد أفسدت الشام على نفسك بأبي ذر فكتب إليه أن احمله على قتب بغير وطاء ، فقدم به المدينة وقد ذهب لحم فخذيه وجرى له مع عثمان ما أدى بعثمان

أن ينفيه إلى الربذة ، وجرى للوليد والي الكوفة مع ابن مسعود نظير ذلك فجلبه الخليفة إلى المدينة وأمر به فضرب به الارض وتوفي على أثر ذلك ، وفعل نظير ذلك بعمار " ( 1 ) خلاصة خبر الفتن في أخريات عهد عثمان . أطلق الخليفة

عثمان يد الولاة من بني أمية على المسلمين وفي بيوت أموالهم وكلما اشتكى المسلمون إلى الخليفة من ظلم ولاته لم يبال بهم فثاروا عليه وأصبحت بني تيم عندئذ تعارض عثمان وتطمح بالخلافة لطلحة وآل الزبير للزبير ، وكان ما عداهم وما عدا بني

أمية جل الانصار وسائر أصحاب رسول الله ( ص ) يدعون للامام علي وأخيرا قتل الثائرون عثمان ولم ينصره الانصار وغيرهم ثم تجمهر المهاجرون والانصار على الامام علي فبايعوه وخضع طلحة والزبير للرأي العام وبايعا عليا في مقدمة من

بايعه من صحابة رسول الله ( ص ) ولما قسم الامام علي بيوت الاموال بالسوية ثارت ثائرة الطبقة المتميزة وعلى رأسهم طلحة والزبير فاجتمعوا مع أم المؤمنين عائشة بمكة وجمعوا حولهم بني أمية وأظهروا الطلب بدم عثمان وساروا إلى البصرة

وتغلبوا عليها وجهزوا جيشا لقتال الامام علي ، فخرج الامام من المدينة والتقى بهم خارج البصرة وركبت أم المؤمنين عائشة جملا وقادت العسكر وقاتلوا جيش الامام علي فقتل في المعركة منهم من قتل واستسلم الباقون ، فعفا عنهم الامام علي .


هذه خلاصة خبر الفتن في عصر عثمان وبيعة الامام علي وحرب الجمل بالبصرة ، ذكرنا أخبارها ومصادر الاخبار في كتاب أحاديث عائشة .

  * هامش *  
  (1) راجع تفصيل أخبارهما بكتاب أحاديث عائشة . ( * )  

 

ج1 - ص 287 -

نتيجة البحث المقارن بين روايات سيف المختلقة في الفتن والروايات الصحيحة روى سيف أن يهوديا من صنعاء اليمن اسمه عبد الله بن سبأ ابن الامة السوداء تظاهر على عهد عثمان بالاسلام وسار في عواصم البلاد الاسلامية ومدنها : المدينة والشام

والكوفة ومصر يدعو إلى القول برجعة الرسول بعد وفاته وأن عليا وصيه وأن عثمان غاصب حق هذا الوصي ، فيجب الوثوب عليه لارجاع الحق إلى أهله فآمن به أبرار صحابة رسول الله ( ص ) نظراء أبي ذر وعمار وحجر بن عدي إلى

عشرات أمثالهم ممن سماهم بالسبأية وان ابن سبأ اليهودي علم هؤلاء أن يدعو الناس إلى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن يكتبوا في عيب ولاتهم ويثيروا الناس عليهم ففعلوا وأن عمار كان قد خرف كما أخبر عنه الرسول وكذلك أبو ذر فامتثل

السبأيون الصحابة والتابعون تعليمات ابن سبأ وجلبوا الناس إلى المدينة وقتلوا عثمان في داره وبايعوا عليا وسار طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة للطلب بدم عثمان وسار خلفهم الامام علي والتقوا خارج البصرة وتذكروا في الصلح وقر رأيهم

على الصلح فتخوف السبأيون ( 1 ) من سوء عاقبتهم واندسوا في الجيشين ليلا وتراموا بالسهام من الجانبين وأثاروا الحرب بين الجيشين فقامت الحرب بين الطرفين دون أن ينتبه إلى مكيدتهم من الجيشين أحد ، لم ينتبهوا هم وقادتهم إلى من يرمي السهام مع أن رماة السهام كانوا مندسين بين صفوفهم . قال سيف : هكذا وقعت الحرب وانتهت بنصرة جيش الامام علي .


روى سيف هذه الاخبار في مئات من رواياته المختلقة ورواها عمن اختلقهم من الرواة من ضمنهم من ذكر اسمهم في الروايات السابقة ، وقد أشرنا إلى الصحيح من أخبارها في ما مضى ، ولم يخف على فطاحل العلم أمثال الطبري وابن الاثير وابن عساكر وابن كثير وبن خلدون وغيرهم .


إن سيف بن عمر متهم بالزندقة وإن علماء الرجال أجمعوا على نعته بالكذب ولم يوثقه أحد منهم ، بل رأيناهم بأنفسهم يضعفون حديثه كما نقلنا عنهم في كتابنا عبد الله بن سبأ ، وكذلك لم يخف عليهم الروايات الصحيحة في تلك الاخبار وإنما كرهوا ذكرها كما نصوا على ذلك ، فكتموا الاخبار الصحيحة لما قالوا إن العامة لا
 

  * هامش *  
  (1) السبأيون في روايات سيف هم عمار وحجر بن عدي وصعصعة بن صوحان ومحمد بن أبي بكر ومالك الاشتر ونظرائهم . ( * )  

 

ج1 - ص 288 -

تحتمل سماعها ، وليتهم اكتفوا بكتمان الاخبار الصحيحة في هذا الشأن كما فعلوا مع كثير من الاخبار الاخرى ولم ينقلوا الاخبار المكذوبة بدلا من الاخبار الصحيحة ولم ينشروا الاخبار المختلقة بين الناس مع علمهم بكذبها ، فإنهم كانوا يعلمون

بكذب ما نسبه سيف إلى عمار وأبي ذر وابن مسعود وحجر بن عدي إلى عشرات غيرهم من الصحابة والتابعين في ما فتراه عليهم من أنهم اتبعوا يهوديا أمرهم بالافساد بين المسلمين وإيقاع الفتنة والفساد بينهم حتى قتل بعضهم البعض الآخر وهم لا يدركون ما يعملون ! على عقول من صدق هذه الخرافات .


العفا ، كيف يصدقون أن الخليفة عثمان لم ينتبه إلى هذا اليهودي على حد زعم سيف في إثارته الفتن ؟

وكيف لم يسأل عمار وأبو ذر الامام عليا عما يدعو له هذا اليهودي من أنه وصي رسول الله ( ص ) ؟

وكيف لم يسأله ربيبه محمد بن أبي بكر عن صدق مزعمة هذا اليهودي ؟ لست أدري كيف يصدقون هذه الاكاذيب ؟

ولست أزعم أن العلماء صدقوا بحديث سيف ، كلا ، فإنهم يعلمون كذب ما اختلقه وافتراه وإنما عجبي من عامة الناس كيف يصدقون هذه الاساطير الخرافية ، فإن العلماء الذين نشروا أكاذيب سيف كانوا يعلمون كذبه وإنما تقبلوها لان الزنديق طلاها

بطلاء الدفاع عن ذوي السلطة في ما انتقدوا عليه ، مثل ما فعل في ما انتقد عليه خالد على قتله مالك بن نويرة ونكاحه زوجته في ليلته وفي ما رمي به المغيرة بن شعبة زمان إمارته على البصرة وفي خبر درء سعد بن أبي وقاص حد شرب الخمر عن أبي محجن وفي خبر الوليد وحده على شرب الخمر .


إن سيف بن عمر عالج جميع ما انتقد عليه هؤلاء وغيرهم من الخلفاء والولاة وذويهم ، فلم يهتم كبار العلماء عندئذ أن ينشروا ما افتراه هذا الزنديق على أبرار الصحابة الفقراء ، أمثال ابن مسعود وأبي ذر وعمار تحت غطاء الدفاع عن أولئك لان

المهم عندهم كتمان ما يعاب عليه الخلفاء والولاة وذووهم عن عامة الناس ، وبنشر أكاذيب سيف بلغوا غايتهم وبلغ سيف - أيضا - غايته من تسخيف صحابة النبي الابرار ونشر الاراجيف السخيفة في التاريخ الاسلامي بدافع الزندقة .


ويظهر من قول الطبري في ذكر سبب قتل عثمان : " فأعرضنا عن ذكر كثير منها لعلل دعت إلى الاعراض عنها " .

إن العلل التي دعته إلى كتمان الاخبار الصحيحة ، هي كتمان الاخبار التي يعاب به سلطة الخلافة عن عامة الناس ، كما سبق لنا أن نقلنا منه أنه قال : " مما لا يتحمله عامة الناس " .


وخلاصة القول إن في هذا الصنف من الكتمان يحرفون حديث الرسول وسيرته وسيرة أهل بيته وأصحابه وأخبارهم الصحيحة ويبدلونها بأخبار مختلقة ، كما فعل
 

ج1 - ص 289 -

سيف ذلك بدافع زندقتة وإن العلماء يروجون هذه الروايات المختلقة بدلا من الروايات الصحيحة مع علمهم بأنها غير صحيحة بدافع الدفاع عن السلطة الحاكمة وذويهم من خلفاء وولاة وأمراء ! ! ! وهذا النوع من الكتمان غير قليل عند علماء مدرسة الخلفاء .



 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب