خلاصة بحث أنواع الكتمان بمدرسة الخلفاء

 


اختر اللون المناسب لأرضية الصفحة

- معالم المدرستين - السيد مرتضى العسكري ج 1 ص 290 : -

خلاصة بحث أنواع الكتمان بمدرسة الخلفاء


قد رأينا العلماء بمدرسة الخلفاء مجمعين على كتمان كل رواية أو خبر يسبب توجيه النقد إلى ذوي السلطة في صدر الاسلام ، وولاتهم وذويهم محتجين في ذلك بأن أؤلئك كانوا من صحابة الرسول ولا يصح ذكر ما يسبب انتقادهم ، بينا هم نشروا من الروايات المكذوبة ما فيه طعن على أبرار صحابة رسول الله الفقراء أمثال عمار وأبي ذر وابن مسعود .


وفي سبيل الدفاع عن ذوي السلطة ، تارة يكتمون كل الرواية والخبر وأحيانا يحذفون من الخبر والرواية بعضها الذي يوجه النقد إلى ذوي السلطة بسببها ويأتون بباقي الرواية مما لا يوجب النقد عليهم ، وتارة أخرى يبدلون من الرواية والخبر ما

يسبب النقد على الولاة بكلمة مبهمة لا يفهم منها شئ من المراد ، وأخرى يحرف بعضهم الخبر والرواية بأنواع التحريف حتى يبلغ الامر إلى أن يجعل الحليم البار ظالما سفيها ، والظالم المتعنت بارا حليما ، أي يبدل الشئ إلى نقيضه تماما ثم

يتسابق الآخرون إلى نشر ذلك الخبر المحرف والرواية المختلقة وتوثيقها واشاعتها في المجتمعات الاسلامية بدل الخبر الصحيح والرواية الصحيحة ، التي تسبب النقد على الحكام والامراء ويتسابقون كذلك ويتعاونون في تضعيف الرواية التي

تسبب النقد على ذوي السلطة والطعن براويها وبمؤلف الكتاب الذي أورد الرواية فيه بأنواع الطعون والتضعيف والتسخيف ، وإن لم يستطيعوا كل ذلك أولوا الرواية والخبر إلى ما فيه مصلحة ذوي السلطة ويبدل النقد الموجه إليهم إلى مدحهم والثناء

عليهم . ويحترمون من التزم بهذا الاتجاه ويجلونه على قدر التزامه بالاسلوب المذكور ، يوثقون الراوي الملتزم بذلك ويصفون خبره بالصحيح ويصفون تأليف المؤلف الملتزم بهذا النهج بالوثاقة والصحة على قدر التزامهما بالمسلك المتفق عليه ويشهرونهما ويذكرونهما بكل تجلة واحترام .


ومن ثم اشتهرت سيرة ابن هشام في مدرسة الخلفاء ومن تابعهم بالوثاقة لالتزامهم بما اتفقوا عليه وأهملت سيرة ابن اسحاق لعدم التزامه بالاسلوب المقبول عندهم وتركوا تدارسها واستنساخها حتى أدى ذلك إلى فقدان سيرة ابن اسحاق في حين أن ابن هشام أخذ جميع ما حوته سيرته من سيرة ابن اسحاق
 

ج1 - ص 290 -

مع اسقاط ( ما يسوء الناس ذكره ) من سيرة ابن اسحاق حسب تعبيره .

ومن ثم - أيضا - أصبح تاريخ الطبري أوثق مصادر التاريخ الاسلامي وأكثرها شهرة واعتبارا وأصبح مؤلفه الطبري إمام المؤرخين بمدرسة الخلفاء لانه باتباعه المنهج المذكور بث روايات سيف التي كان يعلم كذبها ومخالفتها للحق والواقع

التاريخي في أخبار عصر الصحابة أو بالاحرى الخلفاء الاوائل ثم تهافت العلماء على أخذ ما ورد منها في تاريخ الطبري ونشرها في مصادر الدراسات الاسلامية وأهملوا الاخبار الصحيحة في مقابلها حتى نسيت وفقدت من المجتمعات الاسلامية .


ومن ثم - أيضا - أصبح البخاري إمام المحدثين بمدرسة الخلفاء وأصبح صحيحه أصح كتاب بعد كتاب الله عندهم وأصبحت الاحاديث الصحيحة في غير صحيحه وصحيح مسلم غير معتبرة .


منشأ الاختلاف في روايات مصادر الدراسات الاسلامية .


إذا أمعنا النظر في بحوثنا السابقة وما يأتي في بحوث اجتهادات الخلفاء من الجزء الثاني عرفنا منشأ الاختلاف في روايات مصادر الدراسات الاسلامية فقد وجدنا في الموردين أحاديث وضعت موافقة لسياسة السلطات الحاكمة ومصلحتها ، مقابل

الروايات الصحيحة التي كانت تخالف سياستهم ومصلحتهم ومن ثم انكشف لنا ميزان ثابت لتمييز الحديث القوي من الضعيف فإن الضعيف من الاحاديث المتعارضة في صحيح البخاري في شأن البكاء على الميت - مثلا - ما وافق سياسة السلطة

الحاكمة التي تنهى عن البكاء على الميت وتنسب النهي إلى الرسول ، والحديث القوي ما خالفها مثل حديث أم المؤمنين عائشة وحديث غيرها التي أخبرت عن جواز البكاء على الميت وأنها من سنة الرسول ( ص ) وكذلك الضعيف في حديثي

أم المؤمنين عائشة المتعارضين في بيان من كان إلى جنب رسول الله ( ص ) في آخر ساعات حياته ما فيه " متى أوصى إليه وقد انخنث ومات في صدري " ، والقوي منهما حديثها الآخر الذي ورد فيه أن الامام علي كان إلى جنب الرسول في آخر ساعات حياته لموافقة الاول منهما لرغبات الحكام ومخالفة الثاني لسياستهم .


وهذا هو الميزان الثابت لمعرفة القوي من الضعيف في أحاديث سنة الرسول وسيرة الصحابة والتابعين وسيرة الانبياء السابقين والاحكام التي اجتهد فيها الخلفاء وفقا لرأيهم وأمثالها .
 

ج1 - ص 291 -

نتيجة البحوث وحقيقة الامر إن الباحث المتتبع يرى أن الميزان الثابت لمعرفة الحق من الباطل بمدرسة الخلفاء إنما هو مصلحة ذوي السلطة وأن كل رواية أو خبر يوجه النقد لهم أو يشينهم فهو ضعيف وغير صحيح وباطل ، وكل كتاب وكل

راو أو مؤلف يروي شيئا من ذلك فهو ضعيف وغير ثقة ، ويرمى بأنواع الطعون وإذا ورد الحديث أو الخبر من راو لا يستطيعون الطعن عليه وعلى مؤلف الكتاب فإنهم حينئذ يؤولون الحديث إلى ما يرغبون فيه ، ومن جهة أخرى كل مؤلف أو

راو يذكر مناقب ذوي السلطة ويترك ما يوجه النقد إليهم فهو ثقة وصدوق ، فإذا استطاع أن يدافع عنهم في ما يروي ويؤلف فهو الثقة المأمون المصدق وتنتشر رواياته في الكتب وتذاع ، ومن هذا الباب الواسع أدخل سيف الزنديق في سنة رسول الله

( ص ) سيرته وحديثه بمقتضى زندقته ما شاء ولذلك - أيضا - انتشرت رواياته في أكثر من سبعين مصدرا من مصادر الدراسات الاسلامية زهاء ثلاثة عشر قرنا .


إن سيف بن عمر أدخل في سنة رسول الله ( ص ) حديثا وسيرة ما اختلقه ودرسناه في أبواب ( رسل النبي ( ص ) و ( عمال رسول الله ( ص ) و ( الوافدون على رسول الله ( ص ) و ( ربيب رسول الله ( ص ) ) من كتاب خمسون ومائة صحابي مختلق وكتابنا ( رواة مختلقون ) وقد مر بنا في ما سبق كيف حرف سيف حديث رسول الله ( ص ) في حق عمار .


كان هذا رأينا في سيف ونظائره مثل أبي الحسن البكري مؤلف كتاب الانوار الذي أدخل أحاديث خرافة في كتاب : سيرة النبي المختار وغيره من كتبه مثل كعب الاحبار الذي أدخل الاسرائيليات في مصادر الدراسات الاسلامية ، وقد درسنا أخبارهم وآثارها في سلسلة ( نقش أئمة ) . كان هذا شأن هؤلاء عندنا .


أما البخاري وصحيحه وابن هشام وسيرته والطبري وتاريخه وأمثالهم من العلماء الذين ناقشنا اسلوبهم فلهم عندنا شأن آخر فإنهم وإن كانوا ينتقدون في شئ من اسلوبهم فإنهم مع ذلك قد أوردوا في كتبهم الكثير من سنة رسول الله ( ص ) الصحيحة

سيرة وحديثا مما نعتمدها ونرويها عنهم ، وكذلك دأب علماء مدرسة أهل البيت مع من يرون خطأ في عملهم العلمي فإنهم عندئذ ينتقدون أسلوبه أشد الانتقاد رغم أنهم يجلونه ويحترمونه ويأخذون منه غير الذي انتقدوه فيه ، وهذا معنى عدم تقليدهم

لمن تقدمهم من العلماء لا في الاحكام الفقهية ولا في دراية الحديث ، إن علماء مدرسة أهل البيت يضعفون الحديث الضعيف في أصول الكافي وصحيح

ج1 - ص 292 -

البخاري معا ويأخذون - أيضا - الحديث الصحيح من كليهما وإن المجلسي الكبير ( ت 1111 ه‍ ) عندما شرح كتاب الكافي في كتابه مرآة العقول نبه فيه على آلاف الاحاديث الضعيفة الواردة في أبواب كتاب الكافي وهو أشهر كتاب حديث في

مدرسة أهل البيت وهذا الامر بمدرسة اهل البيت مخالف لما عليه أتباع مدرسة الخلفاء الذين يرون لصحيح البخاري ما يرونه لكتاب الله ويعتقدون أنه ليس فيه حديث غير صحيح ، بل يرون أكثر من ذلك حيث يرون صحة ما ورد في صحيحي

البخاري ومسلم من سنة الرسول ( ص ) مما لم يرد في كتاب الله ، ويصعب عليهم أن يتقبلوا صحة سنة الرسول ( ص ) التي وردت في غير صحيحي مسلم والبخاري ، والكتب الاربعة الاخرى التي سميت جميعها بالصحاح الستة . على أن

الكثير من حفظة الحديث بمدرسة الخلفاء غير أولئك الذين ألفوا في الحديث الصحاح والمسانيد والسنن والمصنفات والزوائد وغيرها أمثال :
صحيح ابن حبان ( ت 354 ه‍ ) .
الصحاح المأثورة عن رسول الله ( ص ) للحافظ أبي علي ابن السكن ( ت 353 ه‍ ) .
مسند الطيالسي ( ت 204 ه‍ ) .
مسند أحمد ( ت 241 ه‍ ) .
سنن البيهقي ( ت 458 ه‍ ) .
السنن لابي بكر الشافعي ( ت 347 ه‍ ) .
المعاجم الثلاثة للطبراني ( ت 360 ه‍ ) .
مصنف بن أبي شيبة ( ت 235 ه‍ ) .
مجمع الزوائد للهيثمي ( ت 807 ه‍ ) .
المستدرك للحاكم ( ت 405 ه‍ ) .

وعشرات الموسوعات الحديثية الاخرى لمحدثين آخرين .

وفي سيرة النبي والصحابة والفتوح ألف أمثال :
خليفة ابن خياط ( ت 240 ه‍ )
الطبقات والتاريخ . البلاذري ( ت 279 ه‍ )
فتوح البلدان وأنساب الاشراف . المسعودي ( ت 345 ه‍ )
التنبيه والاشراف ومروج الذهب ( هذا ما في أيدينا من مؤلفاته ) .
الواقدي ( ت 207 ه‍ ) المغازي .
ابن سعد ( ت 230 ه ) الطبقات .

ج1 - ص 293 -

وعشرات المؤلفات المعتبرة الاخرى لمؤلفين آخرين . لماذا اختص بالاهتمام الصحاح الست في الحديث إلى حد إهمال غيرها ، وفي السير والمغازي : سيرة ابن هشام ، وفي التاريخ : تاريخ الطبري ، مع عدم العناية بغيرهما .


وخلاصة القول : أن علماء مدرسة الخلفاء يوجه إليهم النقد في عملهم العلمي لامرين :

 أولا - لانهم يكتمون من سنة رسول الله ( ص ) سيرة وحديثا ومن سائر الاخبار ما يخالف سياسة السلطات الحاكمة مدى القرون سواء أكان ذلك مما يخص سيرة الانبياء السلف أو سيرة خاتم الانبياء وأهل بيته وصحابته ، أو في العقائد الاسلامية

أو تفسير القرآن كما شاهدنا ذلك من الطبري وابن كثير في تفسير آية " وأنذر عشيرتك الاقربين " في كتمانهم لفظ ( ووصيي وخليفتي ) في حق الامام علي وتبديلها ب ( كذا وكذا ) ، وكذلك فعلوا مع النصوص التي تبين سنة رسول الله ( ص ) في

الاحكام الاسلامية التي تخالف اجتهادات الخلفاء كما سيأتي بيانه في بحث مصادر الشريعة الاسلامية لدى مدرسة الخلفاء في الجزء الثاني من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى .


 ثانيا - لا ينبغي للمسلمين في هذا اليوم وهم على أبواب نهضة اسلامية شاملة أن يبقوا على تقليد أئمة المذاهب الاربعة في الفقه ولا على تقليد أصحاب الصحاح الست في تصحيح الحديث وتضعيفه وخاصة البخاري ومسلم وكذلك في الاحكام

الاسلامية التي اجتهد الخلفاء فيها في مقابل نصوص سنة رسول الله ( ص ) حسب ما رأوه من المصلحة في عصرهم ، بل ينبغي أن يبحثوا عن سنة رسول الله ( ص ) الصحيحة ويظهروا ما أخفي منها حسب سياسة الخلفاء مدى القرون ثم يجاهدوا

في سبيل الدعوة لتوحيد كلمة المسلمين والعمل بكتاب الله وسنة رسوله الصحيحة ، وبذلك يتيسر توحيد كلمة المسلمين حول كتاب الله وسنة رسوله المجمع عليها وما ذلك من لطف الله على المسلمين ببعيد .


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب