- معالم المدرستين - السيد مرتضى العسكري ج 2  ص 59 : -

معالم المدرستين

القسم الاول
البحث الثالث
الفصل الثالث موقف المدرستين من الفقه والاجتهاد 
 

- ج 2  ص 61 -

ان الفقه والاجتهاد اختلط أحدهما بالآخر في المجتمع الاسلامي وامتزجا اخيرا ولا يتيسر الفصل بينهما ، وسوف نبدأ بدراسة الاجتهاد في مدرسة الخلفاء ، ثم نشير إلى موقف مدرسة اهل البيت من الفقه والاجتهاد في آخر الباب - إن شاء الله تعالى - .


تطور مدلول الاجتهاد بمدرسة الخلفاء

ان مصطلح الاجتهاد والمجتهد متأخر عن عصر الصحابة والتابعين بدهر . فان الصحابة والتابعين كانوا يسمون تغيير الاحكام من قبلهم بالتأويل مثل ما ورد في خبر قتل خالد بن

الوليد عامل رسول الله مالك بن نويرة ، فان خالدا اعتذر عن فعله وقال للخليفة أبي بكر : " يا خليفة رسول الله ! اني تأولت وأصبت وأخطأت " .


وقال أبو بكر في جواب عمر حين قال : ان خالدا زنى فارجمه : " ما كنت أرجمه فانه تأول فأخطأ " 1 .


ومثل ما ورد في رواية الزهري عن عروة عن عائشة : " ان الصلاة اول ما فرضت ركعتين فأقرت الصلاة في السفر وأتمت صلاة الحضر " . قال الزهري : فقلت لعروة ، ما بال عائشة تتم في السفر ؟ قال : انها تأولت كما تأول عثمان 2 .
 

 

 1 ) راجع موارد إجتهاد أبى بكر .
 2 ) صحيح مسلم باب صلاة المسافرين وقصرها ح 3 ، والبخاري 1 / 134 باب تقصير الصلاة وقد حذف " في السفر " من لفظ الحديث حفظا لكرامة ام المؤمنين . ( * ) 

 

 

- ج 2  ص 62 -

وقال ابن حزم في الفصل : وعمار ( رض ) قتله أبو الغادية . شهد - اي عمار - بيعة الرضوان فهو من شهداء الله له بانه علم ما في قلبه وانزل السكينة عليه ، ورضي عنه فابو الغادية

متأول مجتهد مخطئ باغ عليه مأجور اجرا واحدا وليس هذا كقتلة عثمان ( رض ) لانهم لا مجال لهم للاجتهاد في قتله 1 .


وقال ابن حجر في ترجمة ابي الغادية : والظن بالصحابة في كل تلك الحروب ، انهم كانوا فيها متأولين وللمجتهد المخطئ اجر . وإذا ثبت هذا في حق آحاد الناس فثبوته للصحابة بالطريق الاولى 2 .


وقال ابن حزم في المحلى وابن التركماني في الجوهر النقي : ولا خلاف بين احد من الامة في ان عبد الرحمن بن ملجم لم يقتل عليا الا متأولا مجتهدا مقدرا انه على صواب وفي ذلك يقول عمران بن حطان :

يا ضربة من تقي ما أراد بها * الا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
اني لاذكره يوما فأحسبه * أو في البرية عند الله ميزانا
3



وقال الشيخ عبد اللطيف في هامش الصواعق : وجميع الصحابة ممن كان على عهد علي اما مقاتل معه أو عليه أو معتزل عن المعسكرين متأول لا يخرج بما وقع عنه عن العدالة 4 .


وقال ابن كثير في حق يزيد : وحملوا ما صدر منه من سوء التصرفات على انه تأول فأخطأ وقالوا ، انه مع ذلك كان اماما فاسقا لا يعزل . . . ولا يجوز الخروج عليه ، واما ما ذكر ان

يزيد لما بلغه خبر أهل المدينة وما جرى عليهم عند الحرة ، فرح بذلك فرحا شديدا ، فانه يرى انه الامام وقد خرجوا عن طاعته ، وأمروا عليهم غيره ، فله قتالهم حتى يرجعوا إلى الطاعة ، ولزوم الجماعة 5 .


في الخبر الاول سمى كل من الصحابي خالد بن الوليد والخليفة الصحابي أبو بكر : قتل مالك ونكاح زوجته بالتأويل .
 

 

 1 ) الفصل 4 / 161 .
 2 ) الاصابة 4 / 151 .
 3 ) المحلى لابن حزم 10 / 484 ،
والجوهر النقي لابن التركماني الحنفي ( ت 750 ه‍ ) بذيل سنن البيهقي 8 / 85 و 59 .
 4 ) بهامش الصواعق ص 209 .
 5 ) تاريخ ابن كثير 8 / 223 اوردتها باختصار . ( * ) 

 

 

- ج 2  ص 63 -

وفي الخبر الثاني سمى التابعي عروة بن الزبير اتمام عائشة الصلاة في السفر خلافا لما ترويه ، تأولا ، مثل فعل عثمان .


وبعد ذلك بدهر نجد ابن حزم المتوفى 456 ه‍ يصف ابا الغادية في قتله عمار ابن ياسر متأولا مجتهدا مأجورا اجرا واحدا .


ونجده مع ابن التركماني الحنفي المتوفى ( 750 ه‍ ) يصفان ابن ملجم في قتله الامام عليا متأولا مجتهدا .


ونجد ابن حجر المتوفى ( 852 ه‍ ) يصف الصحابة في كل تلك الحروب متاولين وللمجتهد المخطئ اجر ! .


هكذا سمي العمل بالرأي اولا بالتأويل ، واخيرا بالاجتهاد ، ثم اتبع علماء مدرسة الخلفاء الصحابة والخلفاء في ذلك وفتحوا لانفسهم باب هذا الاجتهاد اي العمل بالرأى ، غير انهم

اكتشفوا للعمل بالرأى قواعد ، ووضعوا له اسماء ، وعقدوا له ابوابا في علم الاصول ، وسموا ايضا رجوعهم إلى تلك القواعد التي وضعوها ، واستخراجهم الاحكام بموجبها " الاجتهاد " ،

وسموا من يقوم بذلك " المجتهد " بينما المصطلح الشرعي لعلم الدين هو " الفقه " ولعالمه " الفقيه " ، وعلى هذا فينبغي البحث في ما يلي حول ثلاثة امور :

 1 - التسمية .

 2 - المجتهدون في القرن الاول وموارد اجتهادهم .

 3 - الاجتهاد في القرن الثاني فما بعد واستنباط الاحكام من عمل الصحابة . 
 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب