- معالم المدرستين - السيد مرتضى العسكري ج 2  ص 190 : -

سنة الرسول في العمرة


قال ابن القيم : اعتمر رسول الله
( ص ) بعد الهجرة اربع عمر كلهن في ذي القعدة وايد ذلك بما رواه عن انس وابن عباس وعائشة وفي لفظ الاخيرين : " لم يعتمر رسول الله ( ص ) الا في ذى القعدة " 2 .


قال ابن القيم : " والمقصود ان عمره كلها كانت في اشهر الحج مخالفة لهدي المشركين ، فانهم كانوا يكرهون العمرة في اشهر الحج ، ويقولون هي من افجر الفجور .


وهذا دليل على ان الاعتمار في اشهر الحج افضل منه في رجب بلا شك . " وقال : " لم يكن الله ليختار لنبيه ( ص ) في عمره الا اولى الاوقات واحقها بها
 

 

 2 ) زاد المعاد 1 / 209 فصل في هديه ( ع ) في حجه وعمره .
وتفصيل الروايات بصحيح البخاري 1 / 212 باب كم اعتمر النبي ، وبصحيح مسلم باب بيان عمر النبي ( ص ) وزمانهن من كتاب الحج الحديث 217 - 220 ص 916 - 917 ، والبيهقي بسننه الكبرى 4 / 357 باب من استحب الاحرام بالعمرة من الجعرانة ، وفي 5 / 10 - 12 منه وابن كثير 5 / 109 . ( * ) 

 

 

- ج 2  ص 21 -

فكانت العمرة في اشهر الحج نظير وقوع الحج في اشهره ، وهذه الاشهر قد خصها الله تعالى بهذه العبادة ، وجعلها وقتا لها ، والعمرة حج اصغر ، فاولى الازمنة بها اشهر الحج ، وذو القعدة اوسطها ، وهذا مما " نتخار الله 1 " فيه ، فمن كان عنده فضل علم فليرشد إليه 2 .


بعد ايراد سنة المشركين في العمرة وسنة الرسول فيها نعود إلى البحث عن متعة الحج في الكتاب والسنة ثم نذكر كيفية اجتهاد الخلفاء فيها في ما يلي :


متعة الحج في الكتاب

شرع الله الجمع بين العمرة والحج في اشهر الحج والتمتع بالحل بينهما خلافا لسنن المشركين وقال في كتابه الكريم : " فإذا امنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن

لم يجد فصيام ثلثة ايام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن اهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا ان الله شديد العقاب " البقرة 196 .


في هذه الآية شرع الله سبحانه التمتع بالعمرة إلى الحج لمن لم يكن اهله حاضري المسجد الحرام وامن وبين في الاية التي تليها بقوله تعالى " الحج اشهر معلومات " ان الجمع بين العمرة والحج يجب ان يقع في اشهر الحج .


نصت الآيتان بكل جلاء ووضوح على هذا الحكم ، والى هذا اشار الصحابي عمران بن الحصين حسب رواية البخاري في صحيحه منه : حيث قال : انزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناها مع رسول الله
( ص ) ولم ينزل قرآن يحرمه ولم ينه عنها حتى مات . . . الحديث 3


ولفظ مسلم قال : نزلت آية المتعة في كتاب الله ( يعني متعة الحج ) وامرنا بها رسول الله ( ص ) ثم لم تنزل آية تنسخ آية متعة الحج ولم ينه عنها رسول الله حتى مات . . . الحديث 4
 

 

 1 ) هكذا في النسخة ولعل الصواب تختار .
 2 ) زاد المعاد 1 / 211 ، وراجع ص 223 منه ، وسنن البيهقي 4 / 345 باب العمرة في اشهر الحج .
 3 ) تفسير الآية بصحيح البخاري 3 / 71 ، وسنن البيهقي 5 / 19 .
 4 ) الحديث 172 باب جواز التمتع من صحيح مسلم ص 900 ، وتفسير القرطبي 2 / 338 ، وزاد المعاد - > ( * ) 

 

 

- ج 2  ص 192 -

واجمع المفسرون وغيرهم من العلماء على ذلك ولا خلاف فيه ومن العجيب ان يختم الله هذه الاية باعلام ان الله شديد العقاب .


شرع الله متعة الحج في هذه الاية بكل صراحة وسنه رسوله في حجة الوداع كما تواتر الخبر عن ذلك في ما روي عن رسول الله في صحاح الاحاديث مثل ما ورد في الروايات الاتية :


متعة الحج في السنة

بما ان العمرة في اشهر الحج كانت لدى قريش في الجاهلية من افجر الفجور تدرج الرسول في تبليغ حكم عمرة التمتع كما يظهر من الروايات التالية .


في صحيح البخاري وسنن ابي داود وابن ماجة والبيهقي واللفظ للاول في كتاب الحج باب قول النبي " العقيق واد مبارك "

عن عمر بن الخطاب ، قال : سمعت رسول الله بوادي العقيق يقول " اتاني آت من ربي فقال : صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة " .


وفي رواية اخرى : " وقل عمرة وحجة " .

وفي لفظ سنن البيهقي : " اتاني جبرئيل ( ع ) "

وفي آخر الرواية : " فقد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة " .


العقيق ، في معجم البلدان : العقيق الذي جاء فيه انك بواد مبارك هو الذي ببطن وادي ذي الحليفة . وهو الذي جاء فيه انه مهل اهل العراق من ذات عرق .
 

وقال ابن حجر في شرح الحديث بفتح الباري : بينه وبين المدينة اربعة أميال 1 . أخبر رسول الله عمر بنزول الوحي عليه بان يجمع بين العمرة والحج وفي تبليغه خاصة حكمة نعرفها مما جرى على عهده في شأن العمرة .
 

 

 < - لابن القيم 1 / 252 ، وطبقات ابن سعد ط ، اوربا 4 / ق 2 / 28 .
 1 ) صحيح البخاري ج 1 / 186 والرواية الثانية في باب ما ذكر النبي وحض على اتفاق اهل العلم من كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة 4 / 177 ، وسنن ابي داود المناسك 2 / 159 ، وابن ماجة الحديث 2976 ص 991 باب التمتع بالعمرة إلى الحج وسنن البيهقي 5 / 13 - 14 ، وفتح الباري 4 / 135 ، وتاريخ ابن كثير 5 / 117 و 128 و 136 . ( * ) 

 

 

- ج 2  ص 193 -

في وادي عقيق اخبر عمر بنزول الوحي عليه وفي منزل عسفان اخبر سراقة بذلك في جواب سؤاله كما رواه أبو داود قال : حتى إذا كان - رسول الله - بعسفان قال له سراقة بن مالك

المدلجي : يا رسول الله اقض لنا قضاء قوم كانما ولدوا اليوم ، فقال " ان الله تعالى قد ادخل عليكم في حجكم هذا عمرة ، فإذا قدمتم فمن تطوف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حل الا

من كان معه هدي 1 . عسفان بين الجحفة ومكة والجحفة تبعد عن مكة اربع مراحل . وفي سرف التي تبعد ستة اميال أو اكثر من مكة بلغ عامة اصحابه ان من احب ان يجعلها عمرة

فليفعل كما روته عائشة قالت : خرجنا مع رسول الله في اشهر الحج وليالي الحج وحرم الحج فنزلنا بسرف ، قالت : فخرج إلى اصحابه فقال : " من لم يكن معه هدي فاحب ان يجعلها

عمرة فليفعل ومن كان معه الهدي فلا " قالت : فالآخذ بها والتارك لها من اصحابه 2 .


يظهر مما سبق ان التاركين لها كانوا من مهاجرة قريش الذين كانوا يرون في الجاهلية ان العمرة في اشهر الحج من افجر الفجور .

وكرر التبليغ بذلك بعد نزولهم بطحاء مكة حسب ما رواه ابن عباس قال : قدم لاربع مضين من ذي الحجة فصلى بنا الصبح بالبطحاء ثم قال : " من شاء ان يجعلها عمرة فليجعلها " 3 .

هكذا تدرج الرسول في تبليغ هذا الحكم حتى إذا اتموا الطواف والسعي ، نزل
 

 

 1 ) سنن ابي داود ج 1 / 159 باب في الاقران الحديث 1801 من المناسك ، والمنتقى لابن تيمية باب ما جاء في فسخ الحج إلى العمرة الحديث 2427. وسراقة بن مالك بن جعشم أبو سفيان الكناني المدلجي . كان يسكن قديدا بالقرب من مكة

وهو الذي تبع الرسول حين هاجر إلى المدينة ليرده إلى قريش فيأخذ الجعالة مائة ناقة فساخت قوائم فرسه ، اسلم عام الفتح مات سنة اربع وعشرين روى عنه غير مسلم من اصحاب الصحاح تسعة عشر حديثا ، تقريب التهذيب 1 / 284 ، وجوامع السيرة ص 283 ، وسيرة ابن هشام 2 / 103 و 250 و 309 .

 2 ) صحيح البخاري 2 / 189 باب قوله تعالى الحج اشهر معلومات ، وصحيح مسلم ص 875 الحديث 123 و 121 بايجاز ، وكذلك بسنن البيهقي 4 / 356 باب المفرد أو القارن يريد العمرة . . . ، ومصنف ابن ابي شيبة 4 / 102 .

 3 ) سنن البيهقي 5 / 4 . ( * ) 

 

 

- ج 2  ص 194 -

عليه القضاء في ذلك فامرهم جميعا بذلك كما رواه البيهقي قال : . . . نزل عليه القضاء وهو بين الصفا والمروة فامر اصحابه من كان منهم اهل بالحج ولم يكن معه هدي ان يجعلها

عمرة وقال : " لو استقبلت من امري ما استدبرت لما سقت الهدي ولكني لبدت راسي وسقت هديي فليس محل الا محل هديي " فقام إليه سراقة بن مالك ( رض ) فقال : يا رسول الله !

اقض لنا قضاء قوم ولدوا اليوم اعمرتنا هذه لعامنا ام للابد فقال رسول الله ( ص ) بل للابد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة . . . 1


في الاحاديث السابقة قال رسول الله ( ص ) لعمر : امرني ربي ان اقول " عمرة في حجة " أو " عمرة وحجة " اي ان انوي في سفري هذا الجمع بين الحج والعمرة .
 

وقال في جواب سراقة بعسفان : ان الله قد ادخل في حجكم هذا عمرة ، خص التبليغ في حجهم ذاك . ثم بلغ عامة الحاج معه بسرف بلفظ من احب ان يجعلها عمرة وفي بطحاء مكة بلفظ

من شاء ان يجعلها حتى إذا حان وقت الاداء والاحلال من العمرة بلغهم كافة ان العمرة دخلت في الحج للابد .


وقول سراقة في الحرتين ( قضاء قوم ولدوا اليوم ) يقصد بغض النظر عما كانت عليه قريش في الجاهلية وهاهنا تواترت الروايات بما فعله الرسول وكيف بلغ حكم التمتع بالعمرة إلى الحج كما يأتي :

قال انس كما في مسند احمد والمنتقى : خرجنا نصرخ بالحج فلما قدمنا مكة امرنا رسول الله ان نجعلها عمرة وقال " لو استقبلت من امري ما استدبرت لجعلتها عمرة ولكني سقت الهدي وقرنت بين الحج والعمرة " 2 .


وقال أبو سعيد الخدرى كما في صحيح مسلم ومسند احمد : خرجنا مع رسول الله نصرخ بالحج صراخا فلما قدمنا مكة امرنا ان نجعلها عمرة الا من ساق الهدي فلما
 

 

 1 ) سنن البيهقي 5 / 6 وتلبيد الشعر ان يجعل فيه شيئا من صمغ عند الاحرام لئلا يشعث ويقمل ابقاء على الشعر وانما يلبد من يطول مكثه في الاحرام ، نهاية اللغة .
 2 ) المنتقى الحديث 2393 نقله عن مسند احمد . ( * ) 

 

 

- ج 2  ص 195 -

كان يوم التروية ورحنا إلى منى اهللنا بالحج 1 .


وفي زاد المعاد لابن القيم قال : وفي الصحيحين عن عائشة : ( خرجنا مع رسول الله لا نذكر الا الحج ) . فذكرت الحديث وفيه ( فلما قدمنا مكة قال النبي
( ص ) لاصحابه اجعلوها عمرة فاحل الناس إلا من كان معه الهدي . . . ( أ ) .


قال : وفي لفظ البخاري : خرجنا مع رسول الله ( ص ) ولا نرى إلا الحج فلما قدمنا تطوفنا بالبيت فأمر النبي ( ص ) من لم يكن ساق الهدي ان يحل فحل من لم يكن ساق الهدي ونساؤه لم يسقن فاحللن ( ب ) .


قال وفي صحيح مسلم عن ابن عمر عن حفصة زوج النبي قال : حدثتني ان النبي امر ازواجه ان يحللن عام حجة الوداع فقلت ما منعك ان تحل ؟ فقال " اني لبدت راسي وقلدت بدني فلا احل حتى انحر الهدى ( ج ) .


قال وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ( رض ) : اهل المهاجرون والانصار وازواج النبي في حجة الوداع واهل لنا فلما قدمنا مكة امرنا ان نجعلها عمرة قال رسول الله ( ص ) " اجعلوا اهلا لكم بالحج عمرة الا من قلد الهدى . . . " الحديث ( د ) .


واتم ما ورد في هذا الباب ما رواه جابر بن عبد الله الانصاري في كيفية حجة النبي والتي اخرجها أصحاب الصحاح ونحن نورد ملخصها هاهنا عن صحيح مسلم .


روى مسلم في صحيحه في باب حجة النبي عن جابر أنه قال ما ملخصه : ان رسول الله ( ص ) مكث تسع سنين لم يحج ثم اذن في العاشرة ان رسول الله حاج فقدم المدينة بشر كثير

كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ويعمل مثل عمله فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة فصلى رسول الله في المسجد ثم ركب القصواء - ناقته - حتى إذا
 

 

 1 ) صحيح مسلم الحديث 211 ، وفي 212 عنه ، وعن جابر ص 914 ، ومسند احمد ج 3 / 3 و 5 و 71 و 75 و 148 و 266 ، والمنتقى الحديث 2418 واللفظ للاول .

 أ ) هذا الحديث وثلاثة بعده اخرجها ابن القيم في زاد المعاد بفصل في احلال من لم يكن ساق الهدى 1 / 246 - 247 ، ونحن نبين مواضعها . الحديث ( أ ) بصحيح مسلم الحديث 120 ص 873 و 874 ، وابن ماجه الحديث 2981 .

 ب ) صحيح البخاري كتاب الحج باب التمتع والاقران والافراد بالحج ، الحديث الاول 1 / 189 ، وصحيح مسلم الحديث 128 ص 877 وسنن ابي داود 2 / 154 باب في افراد الحج الحديث 1783 وليس في لفظه : ونساؤه . . .

 ج ) صحيح مسلم الحديث 177 - 179 ص 902 - وسنن ابي داود 2 / 161 الحديث 1806 .

 د ) صحيح البخاري ج 1 / 191 كتاب الحج باب 36 . ( * ) 

 

 

- ج 2  ص 196 -

استوت به ناقته على البيداء نظرت مد بصري بين يديه من راكب وماش وعن يمينه مثل ذلك وعن يساره مثل ذلك ومن خلفه مثل ذلك ورسول الله بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو

يعرف تأويله وما عمل به من شئ عملنا به ، فأهل بالتوحيد . . . إلى قوله : لسنا ننوي إلا الحج لسنا نعرف العمرة حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن . . .


وهكذا وصف جابر ما عمل به رسول الله إلى قوله : حتى إذا كان آخر طوافه على المروة فقال " لو اني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة فمن كان منكم

ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة " . قال جابر : فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال : يا رسول الله ! ألعامنا هذا أم للابد ؟ فشبك رسول الله ( ص ) أصابعه واحدة في الاخرى وقال " دخلت العمرة في الحج " مرتين . " لا ، بل لابد أبد " 1 .


وفي البخاري : قال سراقة : ألنا هذ خاصة قال " لا بل للابد " 2 .

 

 

 1 ) صحيح مسلم باب حجة النبي الحديث 147 ص 886 - 888 ، وسنن ابي داود المناسك ج 2 / 182 ،
وسنن ابن ماجة المناسك ص 1022 ، وسنن الدارمي المناسك باب في سنة الحاج 2 / 44 ، ومسند أحمد 3 / 32 ،

وسنن البيهقي 5 / 7 باب ما يدل على ان النبي ( ص ) احرم احراما واحدا ، ومنحة المعبود الحديث 991
وفي المحلى 7 / 100 لابد أبد قيل : باضافة الاول للثاني اي لاخر الدهر .

 2 ) صحيح البخاري كتاب التمنى باب قول النبي لو استقبلت من أمري ما استدبرت 4 / 166 .( * ) 

 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب