- معالم المدرستين - السيد مرتضى العسكري ج 2  ص 201 : -

على عهد ابي بكر


حرمت قريش في العصر الجاهلي الجمع بين الحج والعمرة في اشهر الحج ورأته من افجر الفجور ، وشرعه الاسلام وسنه الرسول فلم ير من ولى من قريش بعد الرسول العمل بذلك

فافردوا الحج عن العمرة واول من ذكروا انه افرد الحج الخليفة القرشي أبو بكر حسب ما روى البيهقي في سننه عن عبد الرحمن بن الاسود عن ابيه قال :
 

- ج 2  ص 202 -

حججت مع ابي بكر ( رض ) فجرد ومع عمر ( رض ) فجرد ومع عثمان ( رض ) فجرد 1 .

جرد : أي افرد الحج .
 

على عهد الخليفة عمر

كان اول من افرد الحج بعد الرسول الخليفة القرشي أبو بكر وكذلك كان اول من نهى المسلمين عن عمرة التمتع بعد الرسول الخليفة القرشي عمر كما دلت عليه الروايات الآتية :


في صحيح مسلم ومسند الطيالسي وسنن البيهقي وغيرها واللفظ للاول ، عن جابر ، قال : تمتعنا مع رسول الله ( ص ) فلما قام عمر قال : ان الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء ،

وان القرآن قد نزل منازله فاتموا الحج والعمرة لله كما أمركم الله وابتوا نكاح هذه النساء فلن اوتى برجل نكح امرأة إلى اجل الا رجمته بالحجارة .


وبعده في صحيح مسلم : فافصلوا حجكم عن عمرتكم فانه اتم لحجكم واتم لعمرتكم 2 .


واورد البيهقي الرواية في سننه بتفصيل اوفى ، قال جابر : تمتعنا مع رسول الله ( ص ) ومع ابي بكر ( رض ) فلما ولي عمر خطب الناس فقال : " ان رسول الله ( ص ) هذا الرسول وان

القرآن هذا القرآن وانهما كانتا متعتان على عهد رسول الله وانا انهى عنهما واعاقب عليها احداهما متعة النساء ولا اقدر على رجل تزوج امرأة إلى اجل الا غيبته بالحجارة والاخرى متعة الحج افصلوا حجكم عن عمرتكم فانه اتم لحجكم واتم لعمرتكم 3 .


يشير الخليفة في الحديث الاول ان الله احل لرسوله التمتع بالعمرة إلى الحج لانه كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء وليس من تمام العمرة والحج ان يجمع بينهما فافصلوا حجكم عن عمرتكم فانه اتم لحجكم واتم لعمرتكم .
 

 

 1 ) سنن البيهقي 5 / 5 باب من اختار الافراد ورآه افضل ، وتاريخ ابن كثير 5 / 123 .
 2 ) صحيح مسلم ص 885 باب في المتعة بالحج والعمرة الحديث 145 ،
ومسند الطيالسي ص 247 الحديث 1729 ، وسنن البيهقي 5 / 21 .
 3 ) سنن البيهقي 7 / 206 باب نكاح المتعة وفي لفظه " هذا القرآن هذا القرآن " تحريف . ( * ) 

 

 

- ج 2  ص 203 -

ويعين الحديث الآتي الحادثة التي نهى عمر بعدها عن الجمع بين الحج والعمرة : عن الاسود بن يزيد قال : بينما انا واقف مع عمر بن الخطاب بعرفة عشية عرفة فإذا هو برجل مرجل

شعره يفوح منه ريح الطيب . فقال له عمر : امحرم أنت ؟ قال : نعم . فقال عمر : ما هيئتك بهيئة محرم ، إنما المحرم الاشعث الاغبر الاذفر ، قال : إنى قدمت متمتعا وكان معي أهلي

وإنما أحرمت اليوم فقال عمر عند ذلك : لا تتمتعوا في هذه الايام . فاني لو رخصت في المتعة لهم لعرسوا بهن في الاراك ، ثم راحوا بهن حجاجا 1 . ترجيل الشعر تسريحه وتنظيفه وتحسينه والاذفر هنا : الرائحة الكريهة .


قال ابن القيم بعد ايراد الراوية : وهذا يبين ان هذا من عمر رأي رآه ، قال ابن حزم . وكان ماذا وحبذا ذلك ، وقد طاف النبي ( ص ) على نسائه ثم أصبح محرما ، ولا خلاف ان الوطئ مباح قبل الاحرام بطرفة عين .


وتحدث أبو موسى الاشعري عما جرى له مع الخليفة في شأن متعة الحج وقال كما رواه مسلم والبخاري في صحيحيهما وغيرهما واللفظ لمسلم . كان رسول الله ( ص ) بعثني إلى اليمن

فوافقته في العام الذي حج فيه فقال لي رسول الله ( ص ) " يا أبا موسى ! كيف قلت حين أحرمت ؟ " قال : قلت : لبيك اهلالا كاهلال النبي ( ص ) فقال " هل سقت هديا ؟ " فقلت :

لا ، قال " فانطلق فطف بالبيت وبين الصفا والمروة ثم احل . . . وتمام الحديث في رواية قبلها : فطفت بالبيت وبالصفا وبالمروة ثم أتيت امرأة من قومي فمشطتني وغسلت رأسي .


وفي رواية : ثم أهللت بالحج . وزاد عليه أحمد بمسنده ، يوم التروية ، قال : فكنت افتي الناس بذلك في إمارة أبي بكر وإمارة عمر فاني لقائم بالموسم إذ جاءني رجل فقال : إنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في شأن النسك .
 

 

 1 ) زاد المعاد 1 / 258 - 259 فصل : في ما جاء في المتعة من الخلاف . والاسود بن يزيد بن قيس النخعي أبو عمرو أو أبو عبد الرحمن مخضرم ثقة مكثر فقيه من الطبقة الثانية اخرج حديثه جميع اصحاب الصحاح مات سنة اربع أو خمس وسبعين تقريب التهذيب 1 / 77 . ( * ) 

 

 

- ج 2  ص 204 -

ولفظ البيهقي :" فبينا أنا عند الحجر الاسود والمقام افتى الناس بالذي امرني به رسول الله ( ص ) إذ جاءني رجل فسارني فقال : لا تعجل بفتياك فان أمير المؤمنين أحدث في المناسك " 1 .

فقلت : أيها الناس من كنا أفتيناه بشئ فليتئد ، فهذا أمير المؤمنين قادم عليكم فبه فائتموا ، قال : فلما قدم قلت : يا أمير المؤمنين ما هذا الذي أحدثت بشأن النسك ؟

ولفظ البيهقي : " أحدث في النسك شئ فغضب عمر أمير المؤمنين من ذلك ثم قال . . . " إن نأخذ بكتاب الله فان كتاب الله يأمر بالتمام 2 .


وفي رواية : فان الله عزوجل قال : " فاتموا الحج والعمرة لله " 3 وإن نأخذ بسنة نبينا عليه الصلاة والسلام فان النبي لم يحل حتى نحر الهدي 4 .


وقد بين الخليفة في حديث آخر ما يراه أتم للحج والعمرة كما رواه مالك في موطئه والبيهقي في سننه عن عبد الله بن عمر قال : إن عمر بن الخطاب ، قال : افصلوا بين حجكم وعمرتكم فان ذلك أتم لحج أحدكم وأتم لعمرته أن يعتمر في غير أشهر الحج 5 .


وفي رواية أخرى : قال عمر : افصلوا بين حجكم وعمرتكم اجعلوا الحج في أشهر الحج واجعلوا العمرة في غير اشهر الحج اتم لحجكم وعمرتكم 6 .
 

 

 1 ) سنن البيهقي 5 / 20 .
 2 ) سنن البيهقي 4 / 338 باب الرجل يحرم بالحج تطوعا ، وج 5 / 20 منحة المعبود ح 1502 .
 3 ) البقرة / 196 .
 4 ) صحيح مسلم الحديث 156 و 155 من باب في فسخ التحلل ص 895 - 896 ، والبخاري 1 / 188 - 189 ،
وسنن النسائي باب التمتع 2 / 15 ، وباب الحج بغير نية يقصد الحرم ص 18 ، ومسند احمد 4 / 393 و 395 و 410 ، وسنن البيهقي 4 / 88 ، وكنز العمال باب التمتع من كتاب الحج ج 5 / 86 ، والبخاري 1 / 214 اورد الحديث بايجاز .

 5 ) موطأ مالك كتاب الحج باب ما جاءه في العمرة 1 / 319 ،
وسنن البيهقي ج 5 / 5 باب من اختار الافراد ورآه افضل .

 6 ) تفسير السيوطي ج 1 / 218 بتفسير " الحج اشهر معلومات " عن ابن ابي شيبة ،
وحلية الاولياء لابي نعيم 5 / 205 ، وشرح معاني الاثار مناسك الحج ص 375 . ( * ) 

 

 

- ج 2  ص 205 -

خلاصة ما في هذه الاحاديث :


إن الخليفة عمر كان يرى الفصل بين الحج والعمرة أتم لهما وذلك بان يجعل الحج في اشهر الحج ويجعل العمرة في غيرها ويستدل من الكتاب لما يرى بقوله تعالى " وأتموا الحج

والعمرة لله " ومن السنة بعمل النبي في حجة الوداع حيث لم يحل حتى نحر الهدى . وفى حين ان المراد باتمام الحج والعمرة في الآية أداء مناسكهما وإتمام سننهما بحدودهما في مقابل

المصدود والخائف الذى لا يستطيع اداءها .


وقد نصت الاية بعد هذه الجملة على تشريع عمرة التمتع بقوله تعالى " فمن تمتع بالعمرة إلى الحج " ونص النبي على أنه لم يحل لانه ساق الهدي وقال : " لو استقبلت من أمري ما

استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة " وقال : " دخلت العمرة في الحج إلى الابد " وحاشا أبا حفص ألا يدرك كل ذلك وخاصة بعد ما روى عنه ابن عباس كما في سنن النسائي وقال

: سمعت عمر يقول : والله إنى لانهاكم عن المتعة وإنها لفي كتاب الله ولقد فعلتها مع رسول الله ( ص ) يعني العمرة في الحج 1 .


إذا فاستشهاده بالكتاب والسنة غير وجيه وإن دافعه إلى ما فعل هو ما أفصح عنه . في حديث آخر له رواه أبو نعيم في حلية الاولياء والمتقي في كنز العمال واللفظ للاول قال : إن عمر

بن الخطاب نهى عن المتعة في أشهر الحج وقال : فعلتها مع رسول الله ( ص ) وأنا انهى عنها وذلك أن أحدكم يأتي من أفق من الافاق شعثا نصبا معتمرا أشهر الحج وإنما شعثه ونصبه

وتلبيته في عمرته ثم يقدم فيطوف بالبيت ويحل ويلبس ويتطيب ويقع على أهله إن كانوا معه حتى إذا كان يوم التروية أهل بالحج وخرج إلى منى يلبي بحجة لا شعث فيها ولا نصب ولا

تلبية إلا يوما والحج أفضل من العمرة ، لو خلينا بينهم وبين هذا لعانقوهن تحت الاراك ، وان أهل البيت ليس لهم ضرع ولا زرع وإنما ربيعهم في من يطرأ عليهم 2 .


وفي رواية أخرى ، قال عمر : قد علمت أن النبي فعله وأصحابه ولكن كرهت
 

   1 ) النسائي ج 2 / 16 ، وط . بيروت ، دار احياء التراث العربي ج 5 / 135 ،
وتاريخ ابن كثير 5 / 122 ولفظه " وقد فعله النبي " ، قال ابن كثير : اسناد جيد .
 2 ) كنز العمال 5 / 86 ، وحلية الاولياء 5 / 205 . ( * ) 
 

 

- ج 2  ص 206 -

أن يظلوا معرسين لهن في الاراك ثم يروحون في الحج تقطر رؤسهم 1 .


في هذين الحديثين يصرح الخليفة بان دافعه إلى ما فعل أمران :

اولا : احترام الحج ، ويحتج هنا لما يرى بعين الاحتجاج الذى احتجت به الصحابة عند ما ابت على رسول الله التمتع بالعمرة إلى الحج في حجة الوداع ، ومن هنا نرى ان قائل القول

في المقامين ايضا واحد وهم مهاجرة قريش الذين رأوا في عمرة التمتع مخالفة لما دأبوا عليه من سنن الحج والعمرة في الجاهلية .

والدافع الثاني له إلى منع الجمع بين الحج والعمرة في سفرة واحدة ما صرح به في أحد الحديثين من " ان اهل البيت ليس لهم ضرع ولا زرع وإنما ربيعهم في من يطرأ عليهم " .


إذا فالخليفة يأمر بالفصل بين الحج والعمرة وان تجعل العمرة في غير اشهر الحج ليأتي المسلمون إلى مكة مرتين مرة للحج واخرى للعمرة ففيه ربيع ذوي ارومته من قريش سكان الحرم .


ويقصد هذا - أيضا - في جوابه لعلي بن أبي طالب كما في سنن البيهقي قال: قال على بن ابي طالب لعمر
( رض ) أنهيت عن المتعة قال : لا ، ولكني اردت كثرة زيارة البيت ، قال : فقال علي ( رض ) من أفرد الحج فحسن ومن تمتع فقد أخذ بكتاب الله وسنة نبيه ( ص ) 2 .


كان ما تقدم كل ما انتهى الينا من أخبار نهى عمر ( رض ) عن عمرة التمتع على قلة ما لدينا من مصادر البحث ، وما ذكرناه على قلته ألقى بعض الضوء على إجتهاد عمر في هذا الحكم

ودافعه إلى ما تأول ، وقد أدركنا من مجموع ما تقدم ان نهى عمر كان شديدا عن متعة الحج وكان يضرب الناس عليها 3


قال ابن كثير : وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يهابونه كثيرا فلا يتجاسرون على مخالفته 4 ولم نجد من يعارضه

 

 1 ) صحيح مسلم الحديث 157 ص 896 ، ومسند الطيالسي الحديث 516 ج 2 / 70 ،
ومسند احمد 1 / 49 و 50 ، وسنن النسائي كتاب الحج باب التمتع 2 / 16 ،
وسنن البيهقي 5 / 20 ، وابن ماجة الحديث 2979 ص 692 ، وكنز العمال 5 / 86 .
 2 ) سنن البيهقي 5 / 21 .
 3 ) نقل ذلك النووي في شرح صحيح مسلم 1 / 170 عن القاضي عياض .
 4 ) تاريخ ابن كثير 5 / 141 . ( * ) 

 

 

- ج 2  ص 207 -

على عهد أو يتكلم ببنت شفة في خلافه عدا ما كان من قول علي له ( ومن تمتع فقد اخذ بكتاب الله وسنة نبيه ) 1 .


وأصبح إفراد الحج بعد ذلك سنة عمرية استن الخلفاء القرشيون به كما نرى ذلك في سيرة عثمان وغيره في ما يلي .


لمتابعة الموضوع اضغط على الصفحة التالية أدناه

 

 1 ) مضى آنفا مصدره . ( * ) 

 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب