- معالم المدرستين - السيد مرتضى العسكري ج 2  ص 27 : -

معالم المدرستين - القسم الاول

البحث الثالث
الفصل الاول موقف المدرستين من القرآن الكريم
 

- ج 2  ص 29 -

كان رسول الله ( ص ) يتلو على عامة من حضره من المسلمين كلما نزلت عليه آيات من القرآن الكريم ، ويفسر لهم منها من يحتاجون إلى تفسيرها ، ويلقن ذلك خاصة الامام عليا ( ع ) ويأمره بكتابتها كما يأتي بيانه في بحوث هذا الكتاب - ان شاء الله تعالى - .


ولما هاجر إلى المدينة ، حث المسلمين على تعلم الكتابة ، فتبادروا إليها ، وحثهم على كتابة القرآن وحفظه ، فتسابقوا اليهما ، وكانوا يكتبون ما يتلقونه من آيات القرآن على ما حضرهم

من جلود وغيرها ، وكان رسول الله ( ص ) يعلمهم اسماء السور ومكان الآيات في السور كما علمه الله ، ولما ان توفاه الله كان في المدينة عشرات الصحابة ممن حفظ جميع القرآن ،

واكثر منهم من كتب جميع القرآن ، غير ان ما لديهم لم يكن كتابا مدونا كما هو عليه اليوم ، وانما كان اوزاعا في قطع كتبوه عليها ، ولما توفي الرسول ( ص ) بادر الامام علي ( ع ) إلى

تدوين القرآن في كتاب واحد ، كما ان عددا من الصحابة غير الامام ايضا مثل ابن مسعود كانت لديهم نسخة من القرآن مدونة ، لكن الخليفة ابا بكر لم يقتن تلك النسخ ، بل امر جمعا

من الصحابة بتدوين القرآن ككتاب ، ثم اودعها عند ام المؤمنين حفصة حتى إذا كان عصر الخليفة عثمان ، واتسعت الفتوح ، وانتشر المسلمون ، امر الخليفة باستنساخ عدة نسخ على

النسخة المحفوظة لدى حفصة، ووزعها على بلاد المسلمين ، وكتب المسلمون على تلك النسخ وتداولوها جيلا بعد جيل إلى يومنا الحاضر ولم يكن لدى احد من المسلمين في يوم ما نسخة

غيرها ، ولم يكن في يوم من الايام لدى احد من المسلمين نسخة فيها زيادة كلمة أو نقصان كلمة على هذا المتداول 
 

- ج 2  ص 30 -

اليوم بين المسلمين سواء في ذلك جميع فرق المسلمين : سنيهم وشيعيهم ، اشعريهم ومعتزليهم ، حنفيهم وشافعيهم وحنبليهم ومالكيهم وزيديهم واماميهم ووهابيهم إلى الخوارج .


لم تكن لدى فرقة منها أو غيرها في يوم من الايام نسخة فيها زيادة كلمة أو نقصان كلمة ، أو يكون ترتيب السور والآيات فيها مخالفا لهذا المتداول بين المسلمين اليوم .


اما ما ورد في بعض كتب الحديث من نقص مزعوم في القرآن الكريم ، فقد بقي في مكانه من كتب الحديث ولم ينتقل إلى نسخة واحدة من نسخ القرآن في يوم من الايام ، مثل ما ورد في الصحاح الست : البخاري ومسلم وابي داود والترمذي وابن ماجة والدارمي وغيرها .


عن الخليفة عمر ( رض )
انه قال وهو على المنبر : " ان الله بعث محمدا ( ص ) بالحق ، وانزل عليه الكتاب . فكان مما انزل الله ، " آية الرجم " فقراناها وعقلناها ووعيناها رجم رسول الله

( ص ) ورجمنا بعده ، فأخشى ان طال بالناس زمان ان يقول قائل والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة انزلها الله والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا احصن " 1 .


والآية المزعومة في رواية ابن ماجة عن عمر قال وقد قرأتها : " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة " .
 

وفي موطأ مالك : " الشيخ والشيخة فارجموهما البتة " فانا قد قرأناها .


وفي نفس الحديث في صحيح البخاري : ثم إنا كنا نقرأ من كتاب الله : " ان لا ترغبوا عن آبائكم ، فانه كفر بكم ان ترغبوا عن آبائكم " .

والحديث المروى عن أم المؤمنين عائشة ( رض ) انها قالت : كما فيما انزل من
 

 

1 ) أ - البخاري ج 4 / 120 باب رجم الحبلى من الزنا من كتاب الحدود واللفظ له .
ب - ومسلم ج 5 / 116 .
ج - وسنن أبي داود ج 2 / 229 باب في الرجم من كتاب الحدود .
د - والترمذي ج 6 / 204 باب ما جاء في تحقيق الرجم من كتاب الحدود .
ه‍ - وابن ماجة باب الرجم من كتاب الحدود الحديث المرقم 2553 .
و - والدارمي ج 2 / 179 باب في حد المحصنين بالزنا من كتاب الحدود .
ز - والموطأ ج 3 / 42 كتاب الحدود . ( * ) 

 

 

- ج 2  ص 31 -

القرآن " عشر رضعات معلومات " فتوفي رسول الله ( ص ) وهن فيما يقرأ من القرآن 1 .


وفي صحيح ابن ماجة : قالت نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشرا . ولقد كان في صحيفة تحت سريري ، فلما مات رسول الله ( ص ) تشاغلنا بموته فدخل داجن فأكلها .


وفي صحيح مسلم ان أبا موسى الاشعري بعث إلى قراء أهل البصرة وكانوا ثلاثمائة رجل ، فقال فيما قال لهم : " وانا كنا نقرا سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فانسيتها غير

اني قد حفظت منها " لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا ولا يملا جوف ابن آدم الا التراب " .

وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها باحدى المسبحات فانسيتها غير اني حفظت منها " يا ايها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة في اعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة 2 " .


مع وجود هذه الاحاديث في صحاح مدرسة الخلفاء ، لم يرم احد من اتباع مدرسة اهل البيت اتباع مدرسة الخلفاء ويقول ان اتباع مدرسة الخلفاء يقولون بنقصان القرآن ، أو انهم يضيفون إلى القرآن سورا وجملا عن عند انفسهم .


وعلى العكس في ذلك لما وردت نظير هذه الاقوال في بعض كتب حديث اتباع مدرسة اهل البيت ، أثار بعض الكتاب بمدرسة الخلفاء ، ضجة كبيرة على اتباع مدرسة اهل البيت وقالوا

انهم يقولون بنقصان القرآن ويضيفون إلى القرآن من عند انفسهم عبارات وجملات ، ويستدلون على قولهم بما ورد في بعض كتب الحديث .


على ان اتباع مدرسة اهل البيت لا يلتزمون بصحة كتاب ما عدا كتاب الله ، واتباع مدرسة الخلفاء يلتزمون بصحة جميع ما ورد في
 

 

 1 ) أ - صحيح مسلم ج 4 / 167 باب التحريم بخمس رضعات ، من كتاب الرضاع .
ب - وأبو داود ج 1 / 279 باب هل يحرم ما دون خمس رضعات ، من كتاب النكاح .
ج - والنسائي ج 2 / 82 باب القدر الذي يحرم من الرضاعة ، من كتاب النكاح .
د - وابن ماجة ج 1 / 626 باب رضاع الكبير ، من كتاب النكاح الحديث 1944 .
ه‍ - والدارمي ج 1 / 157 باب كم رضعة تحرم ، من كتاب النكاح .
و - وموطأ مالك ج 2 / 118 باب جامع ما جاء في الرضاعة ، من كتاب الرضاع .
 2 ) صحيح مسلم ج 3 / 100 باب لو ان لابن آدم واديين لابتغى واديا ثالثا ، من كتاب الزكاة . ( * ) 

 

 

- ج 2  ص 32 -

صحيح البخاري ومسلم ، ويعالجون هذه الاحاديث بقولهم نسخت تلاوتها 1 .


وأقام بعض الكتاب ايضا ضجة مفتعلة اخرى على اصحاب مدرسة اهل البيت وقالوا بأن لهم قرآنا آخر اسمه " مصحف فاطمة ( ع ) " وذلك لان كتاب فاطمة سمي بالمصحف ، والقرآن

ايضا سمي من قبل بعض المسلمين بالمصحف ، مع ان الاحاديث تصرح بان مصحف فاطمة ليس فيه شئ من القرآن ، وانما فيه ما سمعته من اخبار من يحكم الامة الاسلامية ، حتى ان

الامام جعفر الصادق لما ثار محمد وابراهيم من ابناء الامام الحسن ( ع ) على ابي جعفر المنصور قال : " ليس في كتاب امهم فاطمة اسم هؤلاء في من يملك هذه الامة 2 . "


وفي مدرسة الخلفاء سموا كتاب سيبويه في النحو بالكتاب . اضعف إلى ذلك ان لفظ " المصحف " لم يرد في القرآن ولا الحديث النبوي الشريف .


وورد تسمية القرآن بالكتاب في القرآن في قوله تعالى :

" ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين " البقرة / 2 .

" افتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض " البقرة / 85 .

" ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم " البقرة / 89 .

" ويعلمهم الكتاب والحكمة " البقرة / 129 .

" ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون " البقرة / 151 .

إلى عشرات آيات أخرى مع هذا لو قال احد ان كتاب سيبويه حجمه ضعف كتاب الله ، لم يقصد ان كتاب سيبويه قرآن أكبر من كتاب الله ، ولم يعترض على هذه التسمية من اتباع مدرسة اهل البيت احد .


وأخيرا ان هذه الاقوال يستفيد منها خصوم الاسلام ويتخذون منها وسيلة للطعن في القرآن ، بصر الله بعض الكتاب ليكف عن هذا الهذيان .


ان القرآن الذي بايدي المسلمين اليوم ، هو الذي اكمل الله انزاله على خاتم انبيائه في اخريات حياته ، وجمعه الصحابة بعد وفاته ودونوه واستنسخوه ووزعوه على

 

 

 1 ) صحيح البخاري كتاب الحدود باب رجم الحبلى من الزنى ح 1 ،
وصحيح مسلم كتاب الحدود باب رجم الثيب في الزنى ح 15 .
 2 ) راجع اخر الكتاب باب مصدر الشريعة الاسلامية لدى اهل البيت . ( * ) 

 

 

- ج 2  ص 33 -

المسلمين . اوله : " بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين " ، وآخره : " من الجنة والناس " ، لم يكن في يوم من الايام منذ ذلك العصر إلى يومنا هذا قرآن بيد مسلم ، يزيد على هذا المتداول كلمة أو ينقص كلمة . لا خلاف في ذلك بينهم .


وانما الخلاف في تفسير القرآن وتأويل متشابهه ، وذلك لانهما مأخوذ ان من الحديث وقد اختلف المسلمون في شأن حديث رسول الله ( ص ) كما سنذكره في باب موقف المدرستين من السنة الآتي ان شاء الله تعالى . 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب