معالم المدرستين - السيد مرتضى العسكري ج 3  ص 7 : -

معالم المدرستين القسم الأول البحث الرابع قيام الإمام الحسين ( ع ) ضد الانحراف
عن سنة رسول الله ( ص ) بسبب الاجتهاد والعمل بالرأي
 

المدخل : حال المسلمين قبل قيام الإمام الحسين ( ع )
الفصل الأول : استشهاد الإمام الحسين ( ع ) أيقظ الأمة من سباتها العميق
الفصل الثاني : ثورات أهل الحرمين وغيرهم بعد استشهاد الإمام الحسين ( ع )

- ج 3  ص 9 -

معالم المدرستين - القسم الأول البحث الرابع المدخل حال المسلمين قبل قيام الإمام الحسين ( ع )

- ج 3  ص 11 -

ذكرنا في ما سبق كيف اجتهد الخلفاء بعد رسول الله في أحكام الإسلام حكما بعد حكم بما رأوا فيه مصلحة عامة أو مصلحة خاصة مما حفلت بذكره كتب الخلاف وأوردنا بعضها في ما سبق ، والى جانب ذلك وجه المسلمون توجيها خاصا إلى تقديس مقام الخليفتين أبي بكر وعمر خاصة بحيث أصبح مستساغا لدى عامتهم أن يشترط في البيعة بعد الخليفة عمر : العمل بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة الشيخين ، وبذلك أقر المسلمون ان تكون سيرة الشيخين في عداد كتاب الله وسنة نبيه ، مصدرا للتشريع في المجتمع الإسلامي ، واستمر الأمر كذلك حتى إذا جاء إلى الحكم الإمام علي ( ع ) بقوة الجماهير بعد عثمان ، لم يستطع أيضا أن يعيد إلى المجتمع الأحكام الإسلامية التي اجتهد فيها الخلفاء ، وتعالت صيحات : وا سنة عمراه ، من جيشه عندما نهاهم عن إقامة صلاة النافلة جماعة في شهر رمضان ، ولم يرضوا بسنة الرسول بديلا عن سنة عمر في هذا الحكم ، وذلك لان الجماهير المسلمة عند ما بايعته لم تكن تدرك بأنه مخالف في اتجاهه في الحكم سيرة الشيخين ، وهذا ما كان يحاول معاوية جاهدا أن ينبه الجماهير الإسلامية إليه ، ليثوروا عليه .

والإمام وان لم يستطع ان يعيد إلى المجتمع الأحكام الإسلامية التي جاء بها الرسول بديلا عن اجتهادات الخلفاء ، استطاع هو وثلة من صحبه ان ينشروا بين المسلمين من حديث الرسول ما كان محظورا نشره قبل ذاك .

فأنتجت هذه النهضة من الإمام علي وجماعته في نشر الحديث المحظور عن الرسول ، تيارا فكريا مخالفا لما ألفه 

- ج 3  ص 12 -

المسلمون زهاء خمس وعشرين سنة مدة حكومة الخلفاء الثلاثة قبله ، وهذا ما أشار إليه سليم بن قيس حين قال لأمير المؤمنين : " اني سمعت من سلمان والمقداد وأبي ذر شيئا من تفسير القرآن وأحاديث عن نبي الله ( ص ) أنتم تخالفونهم فيها ، وتزعمون ان ذلك كله باطل ، افترى الناس يكذبون على رسول الله متعمدين ويفسرون القرآن برأيهم . . . ؟ "

كان ما سمعه سليم من سلمان وأبي ذر والمقداد وليس غيرهم قبل هذا ، بتكتم وائتمان على سر ، ثم سمعه بعد ذلك من أمير المؤمنين وصحبه جهارا وفي غير سر من قبل مناشدة أمير المؤمنين الركبان في رحبة مسجد الكوفة : من سمع النبي يقول في غدير خم ( من كنت مولاه فهذا علي مولاه ) فليشهد . فقام اثنا عشر بدريا وشهدوا بذلك .

وما كشفه عن واقع الأمر في خطبته الشقشقية حين قال : " أما والله لقد تقمصها فلان - ابن أبي قحافة - وانه ليعلم ان محلي منها محل القطب من الرحى ينحدر عنى السيل ولا يرقى إلي الطير فسدلت دونها ثوبا وطويت عنها كشحا وطفقت ارتأي بين أن أصول بيد جذاء أو أصبر على طخية عمياء يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه ، فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجى أرى تراثي نهبا حتى مضى الاول لسبيله فأدلى إلى فلان بعده .

شتان ما يومي على كورها * ويوم حيان أخي جابر

فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته ، إذ عقدها لآخر بعد وفاته ، لشد ما تشطرا ضرعيها فصيرها في حوزة خشناء يغلظ كلامها ، ويخشن مسها ، ويكثر العثار فيها ، والاعتذار منها ، فصاحبها كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم ، وإن أسلس لها تقحم ، فمنى الناس لعمر الله - بخبط وشماس وتلون واعتراض ، فصبرت على طول المدة وشدة المحنة ، حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أنى أحدهم ، فيا لله وللشورى متى اعترض الريب في مع الأول منهم حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر ! ! لكنى أسففت إذ أسفوا وطرت إذ طاروا ، فصغى رجل منهم لضغنه ومال الآخر لصهره مع هن وهن إلى أن قام ثالث القوم نافجا حضنيه بين نثيله ومعتلفه ، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع إلى أن انتكث فتله ، وأجهز عليه عمله وكبت به بطنته فما راعني إلا والناس كعرف الضبع إلي ينثالون علي من كل 

- ج 3  ص 11 -

جانب ، حتى لقد وطئ الحسنان ، وشق عطفاي ، مجتمعين حولي كربيضة الغنم فلما نهضت بالأمر نكثت طائفة ، ومرقت أخرى ، وقسط آخرون . . . الخطبة .

ومثل قوله : قد عملت الولاة قبلي أعمالا خالفوا فيها رسول الله ( ص ) متعمدين لخلافه ، ناقضين لعهده مغيرين لسنته ، ولو حملت الناس على تركها ، وحولتها إلى مواضعها ، والى ما كانت في عهد رسول الله ( ص ) ، لتفرق عنى جندي حتى أبقى وحدي ، أو قليل من شيعتي الذين عرفوا فضلي وفرض إمامتي من كتاب الله عزوجل وسنة رسول الله ( ص ) ( 1 ) .

   1 ) راجع الهامش رقم 1 في صفحة 132، ونهج البلاغة باب المختار من حكم أمير المؤمنين رقم 147 .  
 
 

الصفحة الرئيسية

الصفحة التالية

فهرس الكتاب