معالم المدرستين - السيد مرتضى العسكري ج 3  ص 90 : -

خطبة الحسين في أصحابه ليلة العاشر :

وروى عن علي بن الحسين ، قال : جمع الحسين أصحابه بعدما رجع عمر بن سعد ، وذلك عند قرب المساء قال علي بن الحسين : فدنوت منه لأسمع وأنا مريض فسمعت أبي وهو يقول لأصحابه : أثنى على الله تبارك وتعالى أحسن الثناء وأحمده على السراء والضراء ، اللهم ! اني أحمدك على ان اكرمتنا بالنبوة وعلمتنا القرآن ، وفقهتنا في الدين ، وجعلت لنا أسماعا وأبصارا وأفئدة ، ولم تجعلنا من المشركين ، اما بعد فإني لا اعلم أصحابا أولى ولا خيرا من أصحابي ، ولا أهل بيت ابر ولا أوصل من أهل بيتي ، فجزاكم الله عني جميعا خيرا ألا وإني أظن يومنا من هؤلاء الأعداء غدا ، ألا وإني قد رأيت لكم ، فانطلقوا جميعا في حل ليس عليكم مني ذمام .

هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا ثم ليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي ثم تفرقوا في سوادكم ومدائنكم حتى يفرج الله فإن القوم انما يطلبوني ولو قد أصابوني لهوا عن طلب غيري .


جواب أهل بيته وأصحابه :

فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه وابنا عبد الله بن جعفر : لم نفعل لنبقى بعدك لا أرانا الله ذلك أبدا ، بدأهم بهذا القول العباس بن علي ، ثم انهم تكلموا بهذا ونحوه ، فقال الحسين ( ع ) يا بني عقيل ! حسبكم من القتل بمسلم ، اذهبوا قد أذنت لكم ، قالوا : فما يقول الناس ؟ يقولون : إنا تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الأعمام ولم نرم معهم بسهم ، ولم نطعن معهم برمح ، ولم نضرب معهم بسيف ، ولا ندري ما صنعوا ! لا والله لا نفعل ! ولكن تفديك أنفسنا وأموالنا ، وأهلونا ، ونقاتل معك حتى نرد موردك ، فقبح الله العيش بعدك .

وقال : فقام إليه مسلم بن عوسجة الاسدي ، فقال : أنحن نخلي عنك ولما نعذر إلى الله في أداء حقك ؟ ! اما والله ! حتى اكسر في صدورهم رمحي ، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي ، ولا أفارقك ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة دونك ، حتى أموت معك .

قال : وقال سعد بن عبد الله الحنفي : والله لا نخليك حتى يعلم الله انا قد حفظنا غيبة رسول الله ( ص ) فيك ، والله لو علمت انى اقتل ، ثم أحيا ، ثم أحرق حيا ، ثم أذر ، يفعل ذلك بي سبعين مرة ، ما فارقتك حتى القي حمامي دونك ، فكيف لا افعل 

- ج 3  ص 91 -

ذلك ؟ وانما هي قتلة واحدة ، ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبدا .

قال : وقال زهير ابن القين : والله لوددت إني قتلت ثم نشرت ، ثم قتلت ، حتى أقتل كذي ألف قتلة ، وأن الله يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك ، قال : وتكلم جماعة أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضا في وجه واحد ، فقالوا : والله لا نفارقك ، ولكن أنفسنا لك الفداء ، نقيك بنحورنا ، وجباهنا وأيدينا فإذا نحن قتلنا كنا وفينا وقضينا ما علينا .


سند آخر لهذه الرواية : وروى الطبري هذه الرواية بإيجاز عن الضحاك ابن عبد الله المشرقي قال : قدمت ومالك بن النضر الارحبي على الحسين فسلمنا عليه ثم جلسنا إليه فرد علينا فرحب بنا وسألنا عما جئنا له فقلنا جئنا لنسلم عليك وندعو الله لك بالعافية ونحدث بك عهدا ونخبرك خبر الناس وإنا نحدثك انهم قد جمعوا على حربك فر رأيك فقال الحسين ( ع ) حسبي الله ونعم الوكيل قال فتذممنا وسلمنا عليه ودعونا الله له قال فما يمنعكما من نصرتي فقال مالك بن النضر علي دين ولي عيال ، فقلت له : ان على دينا وإن لي لعيالا ولكنك ان جعلتني في حل من الانصراف إذا لم أجد مقاتلا قاتلت عنك ما كان لك نافعا وعنك دافعا . قال : قال : فأنت في حل فأقمت معه .

ثم نقل الضحاك الخبر السابق بإيجاز


الحسين ( ع ) ينعى نفسه ويوصى أخته بالصبر :

روى الطبري عن علي بن الحسين بن علي ، قال : اني جالس في تلك العشية التي قتل ابي صبيحتها ، وعمتي زينب عندي تمرضني إذ اعتزل ابي بأصحابه في خباء له وعنده حوي مولى أبي ذر الغفاري ( 1 ) وهو يعالج سيفه ويصلحه وأبي يقول :

 يا دهر أف لك من خليل * كم لك بالإشراق والأصيل
من صاحب أو طالب قتيل * والدهر لا يقنع بالبديل
وإنما الأمر إلى الجليل * وكل حي سالك السبيل

   1 ) ورد في مقتل الخوارزمي وغيره في خبر مقتله بلفظ " جون  . ( * )   "  
 

- ج 3  ص 92 -

قال فأعادها مرتين أو ثلاثا حتى فهمتها فعرفت ما أراد ، فخنقتني عبرتي فرددت دمعي ولزمت السكوت ، فعلمت ان البلاء قد نزل ، فأما عمتي فإنها سمعت ما سمعت وهي امرأة وفي النساء الرقة والجزع فلم تملك نفسها ان وثبت تجر ثوبها وإنها لحاسرة حتى انتهت إليه فقالت ، واثكلاه ! ليت الموت أعدمني الحياة ! اليوم ماتت فاطمة أمي ! وعلي أبي ! وحسن أخي ! يا خليفة الماضي وثمال الباقي ، فنظر إليها الحسين ( ع ) ، فقال : يا اخية ! لا يذهبن حلمك الشيطان ، قالت : بأبي أنت وأمي ، يا أبا عبد الله استقتلت ! نفسي فداك ! فرد غصته وترقرقت عيناه وقال : لو ترك القطا ليلا لنام قالت : يا ويلتا ! افتغصب نفسك اغتصابا ! فذلك أقرح لقلبي ! وأشد على نفسي ! ولطمت وجهها وأهوت إلى جيبها وشقته ! وخرت مغشيا عليها ! فقام إليها الحسين ، فصب على وجهها الماء ! وقال لها : يا اخية ! اتقي الله ! وتعزي بعزاء الله ! واعلمي ان أهل الأرض يموتون ، وان أهل السماء لا يبقون ، وان كل شئ هالك إلا وجه الله الذي خلق الأرض بقدرته ، ويبعث الخلق فيعودون ، وهو فرد وحده ، أبي خير مني ، وأمي خير مني ، وأخي خير مني ، ولي ولهم ولكل مسلم برسول الله أسوة ، قال : فعزاها بهذا ونحوه ، وقال لها : يا اخية ! إني اقسم عليك فأبري قسمي لا تشقي علي جيبا ! ولا تخمشي على وجها ! ولا تدعي علي بالويل والثبور إذا انا هلكت ! قال : ثم جاء بها حتى أجلسها عندي وخرج إلى أصحابه ، فأمرهم ان يقربوا بعض بيوتهم من بعض وان يدخلوا الإطناب بعضها في بعض ، وان يكونوا هم بين البيوت ، إلا الوجه الذي يأتيهم منه عدوهم .


إحياؤهم الليل بالعبادة :

وروى عن الضحاك بن عبد الله المشرقي قال : فلما أمسى حسين وأصحابه ، قاموا الليل كله يصلون ، ويستغفرون ، ويدعون ، ويتضرعون ، قال : فتمر بنا خيل لهم ، تحرسنا ، وان حسينا ليقرأ : ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين ، ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب .

فسمعها رجل من تلك الخيل التي كانت تحرسنا ، فقال : نحن ورب الكعبة الطيبون ! ميزنا منكم ! قال فعرفته فقلت لبرير بن حضير : تدرى من هذا ؟ قال : لا ، قلت : هذا أبو حرب السبيعى عبد الله بن شهر ، وكان مضحاكا بطالا وكان شريفا ، شجاعا فاتكا ، وكان سعيد بن قيس ربما حبسه في جناية ، فقال له برير بن 

- ج 3  ص 93 -

حضير : يا فاسق أنت يجعلك الله في الطيبين ؟ فقال له : من أنت ؟ قال : انا برير بن حضير ، قال : انا لله عز على ! هلكت والله ! هلكت والله يا برير ، قال : يا أبا حرب هل لك ان تتوب إلى الله من ذنوبك العظام ؟ ! فوالله انا لنحن الطيبون ، ولكنكم لأنتم الخبيثون ، قال : وأنا على ذلك من الشاهدين قلت : ويحك ! أفلا ينفعك معرفتك ؟ قال : جعلت فداك فمن ينادم يزيد بن عذرة العنزي من عنز بن وائل ، قال : ها هو ذا معي ، قال : قبح الله رأيك على كل حال .

أنت سفيه ! قال : ثم انصرف عنا وكان الذي يحرسنا بالليل في الخيل عزرة بن قيس الاحمسي وكان على الخيل

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب