معالم المدرستين - السيد مرتضى العسكري ج 3  ص 100 : -

خطبة الحسين الثانية :

قال سبط ابن الجوزي : ثم ان الحسين عليه السلام ركب فرسه ، وأخذ مصحفا ونشره على رأسه ، ووقف بإزاء القوم وقال : يا قوم ان بيني وبينكم كتاب الله وسنة جدي رسول الله ( ص ) ( 1 ) .

وقال الخوارزمي : لما عبأ ابن سعد أصحابه ، فأحاطوا بالحسين ، من كل جانب حتى جعلوه في مثل الحلقة خرج الحسين من أصحابه ، فأتاهم ، فاستنصتهم ، فأبوا ان ينصتوا فقال لهم : ويلكم ! ما عليكم ان تنصتوا إلى فتسمعوا قولي ! وانما ادعوكم إلى سبيل الرشاد ! فتلاوم أصحاب عمر بن سعد ، وقالوا : أنصتوا له ، فقال : تبا لكم أيتها الجماعة وترحا ! أحين استصرختمونا والهين ، فأصرخناكم موجفين ، سللتم علينا سيفا لنا في أيمانكم ، وحششتم علينا نارا اقتدحناها على عدونا وعدوكم ، فأصبحتم ألبا لأعدائكم على أوليائكم ، بغير عدل أفشوه فيكم ، ولا أمل أصبح لكم فيهم ، فهلا لكم الويلات تركتمونا والسيف مشيم والجأش طامن ، والرأي لما يستحصف ، ولكن أسرعتم إليها كطيرة الدبا ، وتداعيتم عليها كتهافت الفراش ، ثم نقضتموها فسحقا لكم يا عبيد الأمة ! وشذاذ الأحزاب ، ونبذة الكتاب ، ومحرفي الكلم ، وعصبة الآثم ونفثة الشيطان ، ومطفئي السنن ، ويحكم ! أهؤلاء تعضدون ، وعنا تتخاذلون أجل والله غدر فيكم قديم ، وشجت عليه أصولكم ، تأزرت فروعكم ، فكنتم أخبث ثمر ، شجى للناظر وأكلة للغاصب !

   1 ) تذكرة الخواص ص 252  . ( * )   
 

- ج 3  ص 101 -

ألا وإن الدعي بن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلك ، ورسوله والمؤمنون ، وحجور طابت وطهرت ، وأنوف حمية ، ونفوس أبية من أن نؤثر طاعة اللئام ، على مصارع الكرام ، الا واني زاحف بهذه الأسرة على قلة العدد وخذلان الناصر ، ثم انشد أبيات فروة بن مسيك المرادي ( 1 ) .

فان نهزم فهزامون قدما * وإن نهزم فغير مهزمينا
وما إن طبنا جبن ولكن * منايانا ودولة آخرينا
فقل للشامتين بنا افيقوا * سيلقى الشامتون كما لقينا
إذا ما الموت رفع عن أناس * بكلكله اناخ بآخرينا

أما والله لا تلبثون بعدها الا كريثما يركب الفرس ، حتى تدور بكم دور الرحى ، وتقلق بكم قلق المحور ، عهد عهده إلى أبي عن جدي رسول الله " فاجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون ، إني توكلت على الله ربى وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ان ربي على صراط مستقيم " ( 2 ) .

ثم رفع يديه نحو السماء وقال اللهم احبس عنهم قطر السماء وابعث عليهم سنين كسني يوسف وسلط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأسا مصبرة فانهم كذبونا وخذلونا وأنت ربنا عليك توكلنا واليك المصير ( 3 ) .

والله لا يدع أحدا منهم إلا انتقم لي منه قتلة بقتلة وضربة بضربة وإنه لينتصر لي ولأهل بيتي وأشياعي ( 4 ) .


 استجابة دعاء الحسين على ابن حوزة

وروى الطبري ، قال : ان رجلا من بني تميم يقال له : عبد الله بن حوزة ، جاء حتى وقف أمام الحسين فقال : يا حسين ! يا حسين ! فقال حسين : ما تشاء ؟ قال : أبشر

   1 ) قال ابن حجر في الإصابة ج 3 ص 205 : في ترجمة فروة بن مسيك : وفد على النبي ( ص ) سنة تسع مع مذحج واستعمله النبي على مراد ومذحج وزبيد ، وفى الاستيعاب سكن الكوفة أيام عمر .
 2 ) تاريخ ابن عساكر ح 670 ، وتهذيبه ج 2 ص 334 ، والمقتل للخوارزمي ج 2 ص 7 وقد ذكرا البيتين الأول والثاني ولم ينسباهما إلى أحد
 3 ) اللهوف ص 56 ط صيدا والمقتل للخوارزمي ج 2 ص 7 .
 4 ) راجع مقتل العوالم ص
84 ( * ).
 
 

- ج 3  ص 102 -

بالنار ! قال : كلا ! إني أقدم على رب رحيم ، وشفيع مطاع ، من هذا ؟ قال له أصحابه : هذا ابن حوزة قال : رب حزه إلى النار ، قال : فاضطرب به فرسه في جدول ، فوقع فيه ، وتعلقت رجله بالركاب ووقع رأسه في الأرض ونفر الفرس فأخذه ، يمر به ، فيضرب برأسه كل حجر ، وكل شجرة ، حتى مات .

وفي رواية ان عبد الله بن حوزة حين وقع فرسه بقيت رجله اليسرى في الركاب وارتفعت اليمنى فطارت وعدا به فرسه يضرب رأسه كل حجر واصل شجرة حتى مات .

وروى عن عبد الجبار بن وائل الحضرمي عن أخيه مسروق بن وائل قال كنت في أوائل الخيل ممن سار إلى الحسين فقلت : أكون في اوائلها لعلي أصيب رأس الحسين ، فأصيب به منزلة عند عبيدالله بن زياد ، قال : فلما انتهينا إلى حسين تقدم رجل من القوم يقال له ابن حوزة فقال أفيكم حسين ؟ قال : فسكت حسين ، فقالها ثانية فأسكت حتى إذا كانت الثالثة ، قال : قولوا له نعم ، هذا حسين ، فما حاجتك ؟ قال : يا حسين ! ابشر بالنار ، قال كذبت بل أقدم على رب غفور ، وشفيع مطاع ، فمن أنت قال : ابن حوزة قال فرفع الحسين يديه حتى رأينا بياض ابطيه من فوق الثياب ثم قال : اللهم حزه إلى النار قال : فغضب ابن حوزة فذهب ليقحم إليه الفرس ، وبينه وبينه نهر ، قال : فعلقت قدمه بالركاب وجالت به الفرس فسقط عنها ، قال : فانقطعت قدمه وساقه وفخذه وبقي جانبه الآخر متعلقا بالركاب ، قال : فرجع مسروق ، وترك الخيل من ورائه ، قال : فسألته ، فقال لقد رأيت من أهل هذا البيت شيئا لا أقاتلهم أبدا قال : ونشب القتال ( 1 ) .

   1 ) في أمالي الشجرى ص 160 ، وفي تاريخ ابن عساكر ح 716 بايجاز . ( * )   
 

- ج 3  ص 103 -

زحف جيش الخلافة على معسكر الحسين ( ع )

وروى الطبري عن حميد بن مسلم ، قال : وزحف عمر بن سعد نحوهم ثم نادى يا ذويد ( 1 ) : ادن رايتك ، قال : فأدناها ثم وضع سهما في كبد قوسه ثم رمى فقال اشهدوا إني أول من رمى .

وفي رواية المقريزي : اشهدوا لي عند الأمير إني أول من رمى .

قال الطبري والمفيد : ثم ارتمى الناس وتبارزوا ، فبرز يسار مولى زياد وسالم مولى عبيد الله بن زياد فقالا : من يبارز ؟ ليخرج إلينا بعضكم قال : فوثب حبيب بن مظاهر وبرير بن حضير فقال لهما حسين اجلسا ، فقام عبد الله بن عمير الكلبي من بني عليم وكان قد خرج مع امرأته أم وهب لما رأى القوم بالنخيلة يعرضون ليسرحوا إلى الحسين فسأل عنهم فقيل له : يسرحون إلى حسين بن فاطمة بنت رسول الله ( ص ) فقال : والله لقد كنت على جهاد أهل الشرك حريصا ، واني لأرجو ألا يكون جهاد هؤلاء الذين يغزون ابن بنت نبيهم أيسر ثوابا عند الله من ثوابه إياي في جهاد المشركين ، فدخل إلى امرأته فأخبرها بما سمع وأعلمها بما يريد فقالت : أصبت أصاب الله بك ارشد أمورك افعل وأخرجني معك ، قال : فخرج بها ليلا ، حتى أتى حسينا فأقام معه فلما برز يسار وسالم قام عبد الله بن عمير الكلبي فقال أبا عبد الله رحمك الله ائذن لي فلأخرج إليهما فرأى حسين رجلا آدم طويلا شديد الساعدين بعيد ما بين المنكبين ، فقال حسين : إني لأحسبه للاقران قتالا اخرج ان شئت ، قال : فخرج إليهما فقالا له : من أنت ؟ فانتسب

   1 ) ورد في نسخة " زويد " وفى اخرى " دويد " ( * ).  
 

- ج 3  ص 104 -

لهما ، فقالا : لا نعرفك ، ليخرج إلينا زهير بن القين أو حبيب بن مظاهر أو برير بن حضير ، ويسار مستنتل ( 1 ) أمام سالم فقال له الكلبي : يا ابن الزانية : وبك رغبة عن مبارزة احد من الناس ، يخرج إليك أحد من الناس ، الا وهو خير منك ؟ ثم شد عليه فضربه بسيفه حتى برد ، فإنه لمشتغل به يضربه بسيفه إذ شد عليه سالم فصاح به : قد رهقك العبد ، قال : فلم يأبه له حتى غشيه فبدره الضربة فاتقاه الكلبي بيده اليسرى فأطار أصابع كفه اليسرى ، ثم مال عليه الكلبي ، فضربه حتى قتله ، وأقبل الكلبي مرتجزا وهو يقول وقد قتلهما جميعا :

ان تنكروني فانا ابن كلب * حسبي ببيتي في عليم حسبي
إني امرؤ ذو مرة وعصب * ولست بالخوار عند النكب
إني زعيم لك أم وهب * بالطعن فيهم مقدما والضرب

ضرب غلام مؤمن بالرب فأخذت أم وهب امرأته عمودا ثم أقبلت نحو زوجها تقول له : فداك أبي وأمي قاتل دون الطيبين ذرية محمد ، فاقبل إليها يردها نحو النساء فأخذت تجاذب ثوبه ثم قالت : إني لن ادعك دون ان أموت معك ، فناداها حسين فقال : جزيتم من أهل بيت خيرا ، ارجعي رحمك الله إلى النساء فاجلسي معهن ، فانه ليس على النساء قتال ، فانصرفت إليهن .


زحف الميمنة واستمداد قائد الفرسان :

قال : وحمل عمرو بن الحجاج وهو على ميمنة الناس في الميمنة ، فلما ان دنا من حسين ، جثوا له على الركب ، واشرعوا الرماح نحوهم ، فلم تقدم خيلهم على الرماح فذهبت الخيل لترجع ، فرشقهم أصحاب الحسين بالنبل ، فصرعوا منهم رجالا ، وجرحوا منهم آخرين .

قال : وقاتلهم أصحاب الحسين قتالا شديدا وأخذت خيلهم تحمل وإنما هم اثنان وثلثون فارسا ، وأخذت لا تحمل على جانب من خيل أهل الكوفة إلا كشفته ، فلما رأى ذلك عزرة بن قيس وهو على خيل أهل الكوفة ان خيله تنكشف من كل جانب بعث إلى عمر بن سعد ، عبد الرحمان بن حصن ، فقال اما ترى ما تلقى خيلي مذ

   1 ) مستنتل أي متقدم امام الصف . ( * )   
 

- ج 3  ص 105 -

اليوم من هذه العدة اليسيرة ؟ ابعث إليهم الرجال والرماة ، فقال لشبث بن ربعي : الا تقدم إليهم ، فقال : سبحان الله أتعمد إلى شيخ مصر وأهل المصر عامة ، تبعثه في الرماة لم تجد من تندب لهذا ويجزى عنك غيري ؟ ! قال : وما زالوا يرون من شبث الكراهة لقتاله ، قال : وقال أبو زهير العبسي : فانا سمعته في إمارة مصعب يقول : لا يعطي الله أهل هذا المصر خيرا ابدا ! ولا يسددهم لرشد ، الا تعجبون انا قاتلنا مع علي بن أبي طالب ومع ابنه من بعده آل أبي سفيان خمس سنين ، ثم عدونا على ابنه وهو خير أهل الأرض نقاتله مع آل معاوية ، وابن سمية الزانية ! ضلال يا لك من ضلال قال : ودعا عمر بن سعد الحصين بن تميم فبعث معه المجففة وخمس مائة من المرامية فأقبلوا حتى إذا دنوا من الحسين وأصحابه ، رشقوهم بالنبل فلم يلبثوا ان عقروا خيولهم ، وصارو رجالة كلهم .

قال وكان أيوب بن مشرح الخيواني يقول : انا والله عقرت بالحر بن يزيد فرسه حشأته سهما فما لبث ان أرعد الفرس واضطرب وكبا ، فوثب عنه الحر كانه ليث والسيف في يده وهو يقول :

ان تعقروا بي ، فأنا ابن الحر * أشجع من ذى لبد هزبر

قال : فما رأيت أحدا قط يفري فريه ، قال : فقال له أشياخ من الحي : أنت قتلته ، قال : لا والله ما انا قتلته ، ولكن قتله غيري وما أحب اني قتلته فقال له أبو الوداك ولم ؟ ! قال : انه كان زعموا من الصالحين فو الله لئن كان ذلك اثما لان القي الله باثم الجراحة والموقف أحب إلي من ان ألقاه باثم قتل احد منهم ، فقال له أبو الوداك : ما أراك الا ستلقى الله باثم قتلهم أجمعين ، أرأيت لو انك رميت ذا فعقرت ذا ، ورميت آخر ووقفت موقفا وكررت عليهم وحرضت أصحابك وكثرت أصحابك ، وحمل عليك فكرهت ان تفر ، وفعل آخر من أصحابك كفعلك وآخر وآخر ، كان هذا وأصحابه يقتلون . انتم شركاء كلكم في دمائهم ! فقال له : يا أبا الوداك ! انك لتقنطنا من رحمة الله ان كنت ولي حسابنا يوم القيامة فلا غفر الله لك ان غفرت لنا قال هو ما أقول لك .


زحف الميسرة ومقتل الكلبي وزوجته :

قال : وحمل شمر بن ذي الجوشن في الميسرة على أهل الميسرة فثبتوا له ، فطاعنوه 

- ج 3  ص 106 -

وأصحابه ، وحمل على حسين وأصحابه من كل جانب ، فقتل الكلبي وقد قتل رجلين بعد الرجلين الأولين ، وقاتل قتالا شديدا فحمل عليه هاني بن ثبيت الحضرمي ، وبكير بن حيي التيمي من تيم الله بن ثعلبة ، فقتلاه وكان القتيل الثاني من أصحاب الحسين .

قال : وخرجت امرأة الكلبي تمشى إلى زوجها حتى جلست عند رأسه تمسح عنه التراب وتقول هنيئا لك الجنة فقال شمر بن ذي الجوشن لغلام يسمى رستم اضرب رأسها بالعمود فضرب رأسها فشدخه فماتت مكانها .

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب