معالم المدرستين - السيد مرتضى العسكري ج 3  ص 165 : -

خطبة السجاد ( ع ) في مسجد دمشق :

وفي فتوح ابن أعثم ومقتل الخوارزمي : ان يزيد أمر الخطيب أن يرقى المنبر ويثني على معاوية ويزيد وينال من الإمام علي والإمام الحسين فصعد الخطيب المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، وأكثر الوقيعة في على والحسين ، وأطنب في تقريض معاوية ويزيد ، فصاح به علي بن الحسين : ويلك أيها الخاطب اشتريت رضا المخلوق بسخط الخالق ؟ فتبوأ مقعدك من النار .

ثم قال : يا يزيد ائذن لي حتى أصعد هذه الأعواد ، فأتكلم بكلمات فيهن لله رضا ، ولهؤلاء الجالسين أجر وثواب فأبى يزيد ، فقال الناس : يا أمير المؤمنين ائذن له ليصعد ، فعلنا نسمع منه شيئا فقال لهم : ان صعد المنبر هذا لم ينزل الا بفضيحتي وفضيحة آل أبي سفيان ، فقالوا : وما قدر ما يحسن هذا ؟ فقال : انه من أهل بيت قد زقوا العلم زقا .

ولم يزالوا به حتى أذن له بالصعود فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال : أيها الناس ، أعطينا ستا وفضلنا بسبع : أعطينا العلم ، والحلم ، والسماحة والفصاحة ، والشجاعة والمحبة في قلوب المؤمنين ، وفضلنا بأن منا النبي المختار محمد ( ص ) ، ومنا الصديق ، ومنا الطيار ، ومنا أسد الله وأسد الرسول ومنا سيدة نساء العالمين فاطمة البتول ، ومنا سبطا هذه الأمة ، وسيدا شباب أهل الجنة فمن عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي : أنا ابن مكة ومنى ، أنا ابن زمزم والصفا ، أنا ابن من حمل الزكاة بأطراف الرداء ، أنا ابن خير من ائتزر وارتدى ، أنا ابن خير من انتعل واحتفى ، أنا ابن خير من

   1 ) أنساب الاشراف ص 218 .
 2 ) أنساب الاشراف ص 219 .
قال المؤلف :
ان البلاذرى لم يكتب خطبة عمرو بن سعيد لنعرف سبب اعتراض ابن أبي حبيش عليه ، وقد مر بى في ما قرأت أنه خاطب قبر الرسول ، وقال : يوم بيوم بدر
. ( * ) 
 
 

- ج 3  ص 166 -

طاف وسعى ، أنا ابن خير من حج ولبى ، أنا ابن من حمل على البراق في الهواء ، أنا ابن من أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، فسبحان من أسرى ، أنا ابن من بلغ به جبرئيل إلى سدرة المنتهى ، أنا ابن من دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ، أنا ابن من صلى بملائكة السماء ، أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى ، أنا ابن محمد المصطفى ، أنا ابن من ضرب خراطيم الخلق حتى قالوا لا اله الا الله ، أنا ابن من بايع البيعتين ، وصلى القبلتين ، وقاتل ببدر وحنين ، ولم يكفر بالله طرفة عين ، يعسوب المسلمين ، وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين ، سمح سخي بهلول زكى ، ليث الحجاز وكبش العراق ، مكي مدني ، أبطحي تهامي خيفى عقبى بدري أحدي ، شجري مهاجري ، أبو السبطين ، الحسن والحسين ، علي بن أبي طالب ، أنا ابن فاطمة الزهراء ، أنا ابن سيدة النساء ، أنا ابن بضعة الرسول . . .

قال : ولم يزل يقول أنا أنا حتى ضج الناس بالبكاء والنحيب وخشي يزيد أن تكون فتنة فأمر المؤذن يؤذن فقطع عيله الكلام وسكت ، فلما قال المؤذن : الله أكبر . قال على بن الحسين : كبرت كبيرا لا يقاس ، ولا يدرك بالحواس ، ولا شئ أكبر من الله ، فلما قال : أشهد أن لا اله إلا الله ، قال علي : شهد بها شعري وبشري ، ولحمي ودمي ومخي وعظمي فلما قال أشهد أن محمدا رسول الله التفت علي من أعلا المنبر إلى يزيد وقال : يا يزيد محمد هذا جدي أم جدك فان زعمت أنه جدك فقد كذبت وان قلت انه جدي فلم قتلت عترته ؟ قال وفرغ المؤذن من الأذان والإقامة فتقدم يزيد وصلى الظهر ( 1 ) .


إقامة المأتم في عاصمة الخلافة :

 يبدو ان يزيد اضطر بعد هذا ان يغير سلوكه مع ذراري الرسول ( ص ) ويرفه عنهم بعض الشئ ويسمح لهم بإقامة المأتم على شهدائهم .

فقد روى ابن اعثم بعد ذكر ما سبق وقال : فلما فرغ من صلاته أمر بعلي بن الحسين وأخواته وعماته رضوان الله عليهم ففرغ لهم دار فنزلوها وأقاموا أياما يبكون وينوحون على الحسين رضي الله عنه .

   1 ) فتوح ابن أعثم 5 / 247 - 249 ، ومقتل الخوارزمي 2 / 69 - 71 ، وقد أوجزنا لفظ الخطبة . ( * )   
 

- ج 3  ص 167 -

قال : وخرج علي بن الحسين ذات يوم ، فجعل يمشي في أسواق دمشق ، فاستقبله المنهال بن عمرو الصحابي فقال له : كيف أمسيت يا ابن رسول الله ؟ قال : أمسينا كبني إسرائيل في آل فرعون ، يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم ، يا منهال أمست العرب تفتخر على العجم بان محمدا منهم وأمست قريش تفتخر على سائر العرب بأن محمدا منها ، وأمسينا أهل بيت محمد ونحن مغصوبون مظلومون مقهورون مقتلون مثبورون مطردون ، فانا لله وإنا إليه راجعون على ما أمسينا فيه يا منهال .

- ج 3  ص 168 -

إرجاع ذرية الرسول ( ص ) إلى مدينة جدهم

لم يكن ما جرى في عاصمة أمية بعد وصول سبايا آل الرسول إليها في صالح حكم آل أمية فرأى يزيد أن يرجعهم إلى مدينة جدهم مع نعمان بن بشير .

كما قال الطبري وغيره واللفظ للطبري : قال يزيد بن معاوية : يا نعمان بن بشير جهزهم بما يصلحهم وابعث معهم رجلا من أهل الشام أمينا صالحا وابعث معه خيلا وأعوانا فيسير بهم إلى المدينة ثم أمر بالنسوة أن ينزلن في دار على حدة معهن ما يصلحهن وأخوهن معهن علي بن الحسين في الدار التي هن فيها ، قال : فخرجن حتى دخلن دار يزيد فلم تبق من آل معاوية امرأة الا استقبلتهن تبكي وتنوح على الحسين فأقاموا عليه المناحة ثلاثا .

قال : فدعا ذات يوم عمرو بن الحسن بن علي وهو غلام صغير فقال لعمرو بن الحسن : أتقاتل هذا الفتى يعني خالدا ابنه . قال : لا ولكن أعطني سكينا وأعطه سكينا ثم أقاتله فقام له يزيد : وأخذه فضمه إليه ثم قال : شنشنة أعرفها من أخزم ، هل تلد الحية الا حية ، قال : ولما أرادوا أن يخرجوا أوصى بهم ذلك الرسول .

قال : فخرج بهم وكان يسايرهم بالليل فيكونون أمامه حيث لا يفوتون طرفه فإذا نزلوا تنحى عنهم وتفرق هو وأصحابه حولهم كهيئة الحرس لهم وينزل منهم بحيث إذا أراد إنسان منهم وضوءا أو قضاء حاجة لم يحتشم فلم يزل ينازلهم في الطريق هكذا ويسألهم عن حوائجهم ويلطفهم

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب