معالم المدرستين - السيد مرتضى العسكري ج 3  ص 169 : -

وصول آل الرسول إلى كربلاء :

في مثير الأحزان واللهوف : ان آل الرسول لما بلغو العراق طلبوا من الدليل ان يمر بهم على كربلاء فلما وصلوا مصرع الشهداء وجدوا جابر بن عبد الله الأنصاري وجماعة من بني هاشم قدموا لزيارة قبر الحسين فوافوا في وقت واحد فتلاقوا بالحزن والبكاء واجتمع إليهم نساء ذلك السواد وأقاموا على ذلك أياما ، ثم انفصلوا من كربلاء قاصدين مدينة جدهم .


إقامة العزاء خارج المدينة :

روى بشير بن جذلم وقال : لما قربنا من المدينة حط علي بن الحسين رحله وضرب فسطاطه وأنزل نساءه وقال : يا بشير رحم الله أباك لقد كان شاعرا فهل تقدر على شئ منه فقال : بلى يا ابن رسول الله ( ص ) إني شاعر فقال ( ع ) : ادخل المدينة وانع أبا عبد الله .

قال بشير : فركبت فرسي وركضت حتى دخلت المدينة ، فلما بلغت مسجد النبي ( ص ) رفعت صوتي بالبكاء وأنشأت أقول :

يا أهل يثرب لا مقام لكم بها * قتل الحسين فأدمعي مدرار
الجسم منه بكربلاء مضرج * والرأس منه على القناة يدار

قال : ثم قلت : هذا علي بن الحسين ( ع ) مع عماته وأخواته قد حلوا بساحتكم ونزلوا بفنائكم وأنا رسوله اليكم أعرفكم مكانه ، قال : فلم يبق في المدينة مخدرة ولا محجبة الا برزن من خدورهن وهن بين باكية ونائحة ولاطمة فلم ير يوم أمر على أهل المدينة منه ، وسألوه : من أنت ؟ قال : فقلت : أنا بشير بن جذلم وجهني علي بن الحسين وهو نازل في موضع كذا وكذا مع عيال أبي عبد الله ونسائه

قال : فتركوني مكاني وبادروني فضربت فرسي حتى رجعت إليهم فوجدت الناس قد أخذوا الطرق والمواضع فنزلت عن فرسي وتخطيت رقاب الناس حتى قربت من باب الفسطاط وكان على بن الحسين داخلا فخرج وبيده خرقة يمسح بها دموعه وخادم معه كرسي فوضعه وجلس وهو مغلوب على لوعته فعزاه الناس فاوما إليهم أن اسكتوا فسكنت فورتهم فقال : الحمد لله رب العالمين مالك يوم الدين بار ؟ الخلائق أجمعين الذي بعد فارتفع في السموات العلى وقرب فشهد النجوى نحمده على عظائم الأمور وفجائع الدهور وجليل الرزء وعظيم المصائب .

- ج 3  ص 170 -

أيها القوم ان الله وله الحمد ابتلانا بمصيبة جليلة وثلمة في الإسلام عظيمة قتل أبو عبد الله وعترته وسبي نساؤه وصبيته وداروا برأسه في البلدان من فوق عالي السنان ، أيها الناس فأي رجالات يسرون بعد قتله ؟ أية عين تحبس دمعها وتضن عن انهمالها ، فلقد بكت السبع الشداد لقتله وبكت البحار والسموات والأرض والأشجار والحيتان والملائكة المقربون وأهل السموات أجمعون .

أيها الناس أي قلب لا ينصدع لقتله ؟ أم أي فؤاد لا يحن إليه أم أي سمع يسمع هذه الثلمة التي ثلم في الإسلام .

أيها الناس أصبحنا مطرودين مشردين مذودين شاسعين كأنا أولاد ترك أو كابل من غير جرم اجترمناه ولا مكروه ارتكبناه ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين ان هذا الا اختلاق والله لو أن النبي تقدم إليهم في قتالنا كما تقدم إليهم في الوصاة بنا لما زادوا على ما فعلوه فانا لله وإنا إليه راجعون .

فقام صوحان بن صعصعة بن صوحان وكان زمينا فاعتذر إليه فقبل عذره وشكر له وترحم على أبيه ( 1 ) .


بعد وصولهم إلى المدينة :

روى الطبري بسنده عن الحارث بن كعب ، قال : قالت لي فاطمة بنت على : قلت لأختي زينب : يا أخي لقد أحسن هذا الرجل الشامي إلينا في صحبتنا فهل لك أن نصله ؟ فقالت : والله ما معنا شئ نصله به الا حلينا قالت لها : فنعطيه حلينا قالت : فأخذت سواري ودملجي وأخذت أختي سوارها ودملجها فبعثنا بذلك إليه واعتذرنا إليه وقلنا له : هذا جزاؤك بصحبتك ايانا بالحسن من الفعل قال : لو كان الذي صنعت انما هو للدنيا كان في حليكن ما يرضيني ودونه ولكن والله ما فعلته الا لله ولقربتكم من رسول الله ( ص ) ( 2 ) .



السجاد ( ع ) يقيم العزاء أربعين سنة :

في اللهوف : روى عن الإمام الصادق ( ع ) أنه قال : ان زين العابدين ( ع ) بكى على أبيه أربعين سنة صائما نهاره ، وقائما ليله ، فإذا حضر الإفطار وجاء غلامه بطعامه وشرابه فيضعه بين يديه فيقول : كل يا مولاي ، فيقول : قتل ابن رسول الله ( ص )

   1 ) مثير الأحزان ص 90 - 91 ، اللهوف 76 - 77  2 ) تاريخ الطبري . ط / اروبا ، 2 / 379 ( * ).  
 

- ج 3  ص 171 -

عطشانا فلا يزال يكرر ذلك ويبكي حتى يبتل طعامه من دموعه فلم يزل كذلك حتى لحق بالله عزوجل .

قال : وحدث مولى له قال : أنه برز يوما إلى الصحراء فتبعته فوجدته قد سجد على حجارة خشنة فوقفت وأنا أسمع شهيقه وأحصيت عليه ألف مرة يقول : ( لا اله إلا الله حقا حقا . لا اله إلا الله تعبدا ورقا ، لا اله إلا الله إيمانا وصدقا ) ثم رفع رأسه من سجوده وان لحيته ووجهه قد غمرا من دموع عينيه ، فقلت : يا سيدي أما آن لحزنك أن ينقضي ، ولبكائك أن يقل ؟ فقال : ويحك ، ان يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم كان نبيا وابن نبي ، له أثنى عشر ابنا فغيب الله واحدا منهم فشاب رأسه من الحزن واحدودب ظهره من الغم وذهب بصره من البكاء وابنه حي في دار الدنيا وأنا رأيت أبي وأخي وسبعة عشر من أهل بيتي صرعى مقتولين ، فكيف ينقضي حزني ويقل بكائي ( 1 ) ؟


 رأس ابن زياد بين يدي السجاد ( ع ) :

وذكر اليعقوبي وقال : وجه المختار برأس عبيد الله بن زياد إلى على بن الحسين في المدينة مع رجل من قومه ، وقال له : قف بباب علي بن الحسين ، فإذا رأيت أبوابه قد فتحت ودخل الناس ، فذلك الذي فيه طعامه ، فادخل إليه ، فجاء الرسول إلى باب علي بن الحسين ، فلما فتحت أبوابه ، ودخل الناس للطعام ، دخل ونادى بأعلى صوته : يا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومهبط الملائكة ، ومنزل الوحي ، أنا رسول المختار ابن أبي عبيد معي رأس عبيد الله بن زياد . فلم تبق في شئ من دور بني هاشم امرأة الا صرخت ، ودخل الرسول فأخرج الرأس ، فلما رآه علي بن الحسين قال : أبعده الله إلى النار .

وروى بعضهم أن علي بن الحسين لم ير ضاحكا قط منذ قتل أبوه ، إلا في ذلك اليوم ، وانه كان له ابل تحمل الفاكهة من الشام ، فلما أتي برأس عبيد الله بن زياد أمر بتلك الفاكهة ففرقت بين أهل المدينة وامتشطت نساء آل رسول الله واختضبن وما امتشطت امرأة ولا اختضبت منذ قتل الحسين بن على ( 2 ) .

   1 ) اللهوف ص 80 ، وفى مثير الأحزان ص 92 بايجاز .  2 ) تاريخ اليعقوبي 2 / 259 ( * ).  
 

- ج 3  ص 172 -

حالة مدرسة الخلفاء بعد استشهاد الحسين ( ع )


 أ - عطاء وحبوة :

قال ابن أعثم : فلما قتل الحسين ( رض ) استوسق العراقان جميعا لعبيد الله بن زياد ، وأوصله يزيد بألف ألف درهم جائزة ، فبنى قصريه الحمراء والبيضاء في البصرة وأنفق عليهما مالا جزيلا فكان يشتي في الحمراء ويصيف في البيضاء ، وعلا امره وانتشر ذكره وبذل الاموال واصطنع الرجال ومدحته الشعراء ( 1 ) .

وقال المسعودي : جلس - يزيد - ذات يوم على شرابه ، وعن يمينه ابن زياد وذلك بعد قتل الحسين فأقبل على ساقيه ، فقال :

اسقني شربة تروي عظامي * ثم مل فاسق مثلها ابن زياد
صاحب السر والأمانة عندي * ولتسديد مغنمي وجهادي

ثم أمر المغنين فغنوا به ( 2 ) .

قال المؤلف : نرى المقصود من ابن زياد في شعر يزيد انما هو عبيد الله وليس بأخيه سلم كما ذكره ابن أعثم وقال : ان يزيد قال له : لقد وجبت محبتكم يا بني زياد على آل سفيان ، ثم قال : يا غلام أطعمنا ، فقدمت المائدة فطعما جميعا ، فلما أكلا دعا يزيد بالشراب فلما دارت الكأس التفت يزيد إلى ساقيه وجعل يقول :

اسقني شربة تروي عظامي * ثم مل فاسق مثلها ابن زياد

   1 ) فتوح ابن أعثم 5 / 252 .  2 ) المسعودي مروج الذهب 3 / 67 ( * ) .  
 

- ج 3  ص 173 -

موضع العدل والأمانة عندي * وعلى ثغر مغنم وجهادي ( 1 )

فان هذا القول من يزيد يناسب عبيد الله وليس أخاه سلما ولعله أنشد البيتين للاخوين في مجلسين للشرب .

ويؤيد ذلك ما قاله سبط ابن الجوزي في التذكرة فانه قال : استدعي ابن زياد إليه وأعطاه أموالا كثيرة وتحفا عظيمة وقرب مجلسه ورفع منزلته وادخله على نسائه وجعله نديمه وسكر ليلة وقال للمغني غن ثم قال يزيد بديها : اسقني شربة . . . ( 2 )

قال المؤلف : هكذا كان عطاؤه وحباؤه لقائد جنده أما عطاؤه للجنود فقد ذكره البلاذري وقال : كتب يزيد إلى ابن زياد : أما بعد ، فزد أهل الكوفة أهل السمع والطاعة في أعطياتهم مائة مائة ( 3 ) .

عاش قتلة الحسين هكذا في حبور وسرور واستبشار حتى إذا ظهرت آثار أفعالهم ندموا على ما فعلوا . ب - ندم عصبة الخلافة بعد ظهور نتائج أفعالهم : قال ابن كثير وغيره واللفظ لابن كثير : لما قتل ابن زياد الحسين وبعث برؤوسهم إلى يزيد ، سر بقتلهم أولا ، وحسنت بذلك منزلة ابن زياد عنده ، ثم لم يلبث إلا قليلا حتى ندم وقال : بغضني بقتله إلى المسلمين ، وزرع في قلوبهم العداوة فأبغضني البر والفاجر ( 4 ) .

وكذلك يظهر ندم ابن زياد وعمر بن سعد وسائر قتلة آل رسول الله مما ورد في كتب التواريخ وقد أعرضنا عن نقلها روما للاختصار .

وانما ندموا من فعلهم بسبب ما رأوا من آثار سخط المسلمين عليهم أولا ، ثم لثورات المسلمين المستمرة عليهم بعد ذلك كما نشرحه في الباب الآتي بحوله تعالى .

   1 ) الفتوح لابن أعثم 5 / 252 .
 2 ) تذكرة خواص الأمة ص 164 .
 3 ) أنساب الاشراف ص 220 .
 4 ) ابن كثير 8 / 232 ، وتاريخ الإسلام للذهبي 2 /
351 ( * ).
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب