|
معالم
المدرستين - السيد مرتضى العسكري ج 3 ص 302
: - |
|
هدف الإمام الحسين ( ع ) وشعاره وسبيله
رفع
الإمام
شعار بطلان حكم الخلافة القائم وان فيه خطرا على
الإسلام حيث قال : " وعلى الإسلام السلام إذ قد بليت
الأمة براع مثل يزيد " . قال ذلك في جواب من قال له :
بايع أمير المؤمنين يزيد فهو خير لك في الدارين . قال
ذلك في ظرف كان يقال له : يا حسين ألا تتقي الله تخرج
من الجماعة وتفرق بين هذه الأمة ! قال ذلك في ظرف قال
له ابن عمر : اتق الله ولا تفرق جماعة المسلمين ( 1 ) .
في
هذا الظرف قال الإمام الحسين ( ع ) : والله لو لم يكن
في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية
أبدا . وكان مؤدى هذا الشعار صحة أمر الإمامة وبطلان
أمر الخلافة القائمة ويتضح ذلك بأجلى من هذا في وصيته
لأخيه محمد بن الحنفية حيث كتب فيها : "
انما خرجت
لطلب الإصلاح في أمة جدي ( ص ) أريد أن آمر بالمعروف
وأنهى عن المنكر ، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن
أبي طالب فمن قبلني بقبول
الحق
| |
1
) الطبري 6 /
191 ( * ) . |
|
|
فالله أولى بالحق ومن رد علي هذا أصبر حتى يقضي الله
بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين " .
أسقط
الإمام الحسين في هذه الوصية ذكر الخلفاء أبي بكر وعمر
وعثمان ومعاوية وذكر سيرتهم ، وصرح بأنه يريد أن يسير
بسيرة جده وأبيه .
وتتلخص سيرة الخلفاء في : مجيئهم
إلى الحكم استنادا إلى بيعة المسلمين إياهم كيف ما
كانت البيعة ثم حكمهم المسلمين وفق اجتهاداتهم الخاصة
في الأحكام الإسلامية .
وتتلخص سيرة أبيه وجده في :
حملهما الإسلام إلى الناس ودعوتهما الناس إلى العمل به
، ووقوفهما عند أحكام الإسلام ، كان هذا سيرتهما في
جميع الأحوال ، سواء أكانا حاكمين مثل عهد الرسول في
المدينة والإمام علي بعد مقتل عثمان ، أو غير حاكمين
مثل حالهما قبل ذلك ، فقد كان للرسول سيرة في مكة
وللإمام علي سيرة قبل أن يلي الحكم ، وسيرتهما في كلتا
الحالين حمل الإسلام إلى الأمة ، أحدهما بلغه عن
الله والآخر عن رسول . في
كلتا الحالين دعوا إلى الإسلام وأمرا بالمعروف ونهيا
عن المنكر .
والإمام الحسين ( ع ) يريد أن يسير
بسيرتهما كذلك ، ولا يريد أن يسير بسيرة الخلفاء ، فمن
قبله بقبول الحق فالله أولى بالحق ، ومن رد عليه ذلك
صبر حتى يقصى الله بينه وبين عصبة الخلافة بالحق .
* *
*
يعرف مما أوردنا ومن سائر
أعمال الإمام وأقواله في
أيام قيامه انه كان قد حمل إلى الناس شعار بطلان أمر
الخلافة القائمة وصحة أمر الإمامة وهدفه من كل ما قال
وفعل أن يؤمن الآخرون بهذا الشعار فمن آمن به اهتدى
ومن لم يؤمن بعد أن بلغه نداء الإمام تمت الحجة عليه ،
ومن ثم كان يعمل جاهدا في سبيل نشر قضيته .
كان هذان
شعار الإمام وهدفه واتخذ الشهادة سبيلا للوصول إلى
هدفه ، ولنعم ما قال الشاعر على لسانه :
ان كان دين
محمد لم يستقم * إلا بقتلي يا سيوف خذيني
ومما يدل على
ذلك ما ورد في كتابه إلى بني
هاشم : أما بعد ، فان من
لحق بي استشهد ومن تخلف لم يدرك الفتح
صرح
الإمام في هذا الكتاب بأن سبيله الشهادة ومآلها
الفتح وكذلك كان شأن سائر أقواله وأفعاله في هذا
القيام فان كلها توضح ما حمله من شعار وما اتخذ من
سبيل وهدف وكان حين يدعو ويستنصر يدعو ويستنصر من
يشاركه في كل ذلك على بصيرة من أمره ، مثل قصته مع
زهير بن القين فان الإمام حين دعاه ذهب إلى الإمام
متكارها ثم : ما لبث - كما قال الراوي - أن جاء
مستبشرا قد أسفر وجهه ، فأمر بفسطاطه فحمل إلى الحسين
( ع ) ، ثم قال لامرأته : أنت طالق ! الحقي بأهلك ،
فاني لا أحب أن يصيبك من سببي إلا خير ، ثم قال
لأصحابه : من أحب منكم الشهادة فليقم وإلا فانه آخر
العهد .
أخبر زهير بمصيره قبل أن يصل إلى ركب الإمام
خبر استشهاد مسلم وهانئ وانقلاب أهل الكوفة على
أعقابهم وأخبرهم انه سمع في غزوة بلنجر من الصحابي
سلمان الباهلي أن يستبشروا بادراك هذا اليوم . كان
الإمام يدعو أنصارا من هذا
القبيل ويبعد عن نفسه من
اتبعه أملا بوصول الإمام إلى الحكم ( 1 ) .
أعلن
الإمام عن
سبيله هذا ، ورفع شعاره ذلك ، مرة بعد أخرى ، وفي منزل
بعد منزل .
فقد قال في جواب ابن عمر : يا عبد الله أما
علمت أن من هوان الدنيا على الله أن رأس يحيى بن زكريا
أهدي إلى بغي من بغايا بني إسرائيل . . . : فلم يعجل
الله عليهم بل أخذهم بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر ! ثم يقول
له : اتق الله ، يا أبا عبد الرحمن ولا تدعن نصرتي .
كأن الإمام يشير في حديثه إلى أن شأنه شأن يحيى ويدعو
ابن عمر إلى نصره في من اختار لنفسه من سبيل .
وقال
الإمام في خطبته عند توجهه إلى العراق : خط الموت على
ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة ، وما أولهني إلى
أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف ، وقد خير لي مصرع أنا
لاقيه ، كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين
النواويس وكربلا ، فيملان مني أكراشا جوفا ، وأحوية
سغبا ، لا محيص عن يوم خط
بالقلم .
رضا الله رضانا
أهل البيت نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين ، لن
تشذ عن رسول الله لحمته ، وهي مجموعة له في حضيرة
القدس ، تقر بهم عينه وينجز بهم وعده .
| |
1
) راجع قبله ص 206 ( * ) . |
|
|
من كان باذلا فينا مهجته ، وموطنا على لقاء الله
نفسه فليرحل معنا . . . وما نزل الإمام منزلا ولا
ارتحل منه الا ذكر يحيى بن زكريا ومقتله ( 1 ) .
لبى
الإمام نداء أهل الكوفة إتماما للحجة
كان
الإمام يعلم
بالبداهة وبحسب حكم طبايع الأشياء ومع صرف النظر عما
كان قد علمه من الأمور الغيبية بأنباء رسول الله عن
الله عز اسمه بمقتله كان يعلم أن عليه أن يختار أحد
اثنين لا ثالث لهما اما البيعة أو القتل ، وكان يشير
إلى ذلك في أقواله مرة بعد أخرى وقد بان ذلك منذ أول
مرة طلب منه البيعة بعد موت معاوية حيث أشار مروان على
والي المدينة أن يأخذ منه البيعة وأن يقتله ان أبى ،
ففر منهم الإمام إلى مكة والتجأ إلى بيت الله الحرام .
وتبين له في مكة أن يزيد يريد أن يغتاله وخشي أن يكون
الذي يستباح به حرمة البيت كما صرح به لأخيه محمد بن
الحنفية وقاله أيضا لابن الزبير حين قال له : وايم
الله لو كنت في جحر هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتى
يقضوا في حاجتهم والله ليعتدن علي كما اعتدت اليهود في
السبت . . . والله لئن أقتل خارجا منها أحب إلي من أن
أقتل داخلا منها بشبر .
وقال لابن عباس : لئن أقتل
بمكان كذا وكذا أحب إلي من أن أقتل بمكة وتستحل بي .
إذا فإن
الإمام كان يعلم انه لا محيص له عن القتل
اينما كان ، لا زال ممتنعا عن بيعة خليفة المسلمين
يزيد بن معاوية فاختار سبيل الشهادة لنفسه ولمن تبعه !
أما أهل الكوفة ، فانهم بعد أن توالت كتبهم إلى الإمام
الحسين ( ع ) يقولون فيها انه ليس علينا إمام فأقبل
لعل الله أن يجمعنا بك على الحق ، والنعمان بن بشير في
قصر الإمارة لسنا نجتمع معه في جمعة ولا عيد ، ولو قد
بلغنا أنك قد أقبلت أخرجناه حتى نلحقه بالشام .
ويقولون : إلى الحسين بن علي من شيعته المؤمنين
والمسلمين أما بعد فحي هلا ، فان
| |
1
) مضى ذكر مصادر هذه الأخبار
. ( * ) |
|
|
الناس ينتظرونك ولا رأي لهم في غيرك فالعجل العجل .
. .
وكتب إليه رؤساء أهل الكوفة : فأقدم على جند لك
مجند . وكتبوا إليه : انه معك مائة ألف سيف . . . بعد
ما توالت عليه أمثال الكتب الآنفة من الرجل والاثنين
والأربعة ومن رؤساء أهل الكوفة وتكاثرت حتى ملأت خرجين
.
بعد كل ذلك لو أن
الإمام لم يلب دعوة أهل الكوفة ،
وبايع يزيد ، أو أنه لم يبايع يزيد ولكنه استشهد بمكان
آخر ، كان عندئذ قد فرط في حق أهل الكوفة ، وكان الناس
أبد الدهر وجيلا بعد جيل يسجلون لأهل الكوفة الحق على
الإمام ، وفي يوم القيامة كانت لهم الحجة على الله جل
اسمه ، ولله الحجة البالغة على خلقه .
إذن فما فعله
الإمام الحسين ( ع ) مع أهل الكوفة كان من باب إتمام
الحجة عليهم وليس غيره ، ولو لم يكن هذا بل كان سبب
توجه الإمام الحسين ( ع ) إلى العراق انخداعه بكتب أهل
الكوفة وطلبهم الحثيث ، لرجع حين بلغه
خبر مقتل مسلم بن عقيل
وهانئ بن عروة ، ومن قبل أن يصل إليه الحر بن يزيد
ويلازمه بأيام ( 1 ) .
أجل إن
الإمام الحسين ( ع ) قد أتم
الحجة بما فعل على أهل العراق وعلى غيرهم وقال الله
سبحانه " لِئَلاَّ يَكُونَ
لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ
" .
ذهب إلى العراق
لإتمام الحجة لا لقول بني عقيل
وقد
يتوهم متوهم ويقول : كان سبب ذهاب الإمام إلى العراق
بعد وصول نبأ مقتل مسلم وهانئ إليه قول بني عقيل : "
لا نبرح حتى ندرك ثأرنا أو نذوق ما ذاق أخونا " وأن
الإمام بسبب هذا القول عرض نفسه ونفوس من معه للقتل ،
فالحق أن هذا ليس بصحيح ولا ينبغي أن يقوله من له مسكة
من عقل ، وإنما الصحيح أنه لما كان سيان للإمام أن
يتوجه إلى العراق أو إلى أي بلد آخر بالنسبة إلى
المصير الذي كان ينتظر الإمام ، وهو القتل ، لا زال
ممتنعا عن بيعة خليفة المسلمين يزيد وكان من واجبه
إتمام الحجة على أهل العراق ولما تتم يومذاك ، وإنما
تمت بعد أن ألقى عليهم هو وأصحابه الخطبة بعد الخطبة
منذ أن قابل جيش الحر حتى يوم عاشوراء وعند ذاك فقط
تمت الحجة عليهم .
إذا كان لابد
للإمام أن يذهب إلى
كربلاء بعد اطلاعه على
| |
1
) راجع قبله ص 204 ( * ). |
|
|
مصرع مسلم وهانئ أيضا دون الرجوع من حيث أتى أو
الذهاب إلى أي بلد آخر .
وقد أتم
الإمام الحجة على أهل
الكوفة وعلى من بلغه خبره من معاصريه في إنكاره على
الطاغوت يزيد إنكارا دوى صداه على وجه الأرض وبقي
مدويا ما كر الجديدان فانه لم يكتف بالامتناع عن بيعة
يزيد والجلوس في داره حتى يقتل فيها ويذهب ضحية باردة
ثم تطمس أجهزة الخلافة على حقيقة خبره ، بل قام بكل ما
ينشر خبره ، ويعلن حقيقة أمره وأمر الخلافة ، كما
نشرحه في ما يلي
.
لمتابعة الموضوع اضغط على الصفحة التالية أدناه
|