معالم المدرستين - السيد مرتضى العسكري ج 3  ص 308 : -

حكمة الإمام ( ع ) في كيفية قيامه

عارض الإمام في المدينة بيعة خليفة اكتسب شرعية حكمه لدى المسلمين ببيعتهم إياه ، وقاوم عصبة الخلافة في المدينة حتى انتشر خبره ثم توجه إلى مكة والتزم الطريق الأعظم ولم يتنكبه مثل ابن الزبير وورد مكة والتجأ إلى بيت الله الحرام فاشرأبت إليه أعناق المعتمرين وتحلقوا حوله ، يستمعون إلى سبط نبيهم وهو يحدثهم عن سيرة جده ويشرح لهم انحراف الخليفة عن تلك السيرة ! .

ثم أعلن دعوته وكاتب البلاد ودعا الأمة إلى القيام المسلح في وجه الخلافة ، وتغيير ما هم عليه ، وطلب منهم البيعة على ذلك ، وليس على أن يعينوه ليلي الخلافة ، ولم يمن الإمام أحدا بذلك بتاتا ولم يذكره في خطاب ولم يكتبه في كتاب ، بل كان كلما نزل منزلا أو ارتحل ضرب بيحيى بن زكريا مثلا لنفسه ، وحق له ذلك فان كلا منهما أنكر على طاغوت زمانه الطغيان والفساد ، وقاومه حتى قتل ، وحمل رأسه إلى الطاغية ! فعل ذلك يحيى بمفرده ، والحسين مع أعوانه وأنصاره وأهل بيته ، ولا يفعل ذلك من يريد أن يجمع الناس حوله ويستظهر بهم ليلي الخلافة بل يمنيهم بالنصر والاستيلاء على الحكم ولا يذكر للناس ما يؤدي إلى الوهن والفشل .

بقي الإمام أربعة أشهر في مكة بما فيهن أشهر الحج واجتمع به المعتمرون أولا ثم الوافدون لحج بيت الله الحرام من كل فج عميق وهو يروي لهم عن جده الرسول ( ص ) عن الله ما يخوفهم معصيته ، ويحذرهم عذابه في يوم القيامة ، ويدعوهم إلى تقوى الله ، وطلب مراضيه ، وينبههم إلى خطر الخلافة القائمة على الإسلام ، فيسمعون 

- ج 3  ص 309 -

منه ما لم يسمعوه من غيره في ذلك العصر وبقي هكذا حتى أقبل يوم التروية ، وأحرم الحاج للحج ، واتجهوا إلى عرفات ملبين .

في هذا الوقت خالف الإمام الحجيج وأحل من إحرامه وخرج من الحرم قائلا أخشى أن تغتالني عصبة الخلافة لأني لم أبايع فتهتك بي حرمة الحرم ، ولان أقتل خارجا منه بشبر أحب إلي من أن أقتل داخلا بشبر إن الإمام لم يقل عندئذ أذهب إلى العراق لالي الحكم بل قال : أذهب لأقتل خارجا من الحرم بشبر .

ويعود الحجيج إلى مواطنهم ويبلغ معهم خبر الإمام الحسين إلى منتهى الخف والحافر ، يبلغ خبره إلى أي صقع من أصقاع الأرض يمر به ركب الحجيج الذي يحمل معه إلى المسلمين في كل مكان النبأ العظيم ، نبأ خروج سبط نبيهم على الخلافة القائمة ودعوته المسلمين إلى القيام المسلح ضد الخلافة لأنه يرى الخليفة قد انحرف عن الإسلام ويرى الخطر محدقا بالإسلام مع استمرار هذا الحكم ، فيتعطش المسلمون في كل مكان لمعرفة مآل هذه المعركة ، معركة أهل بيت الرسول مع عصبة الخلافة ويتنسمون أخبارها فيبلغهم أن الحسين ( ع ) خرج لا يلويه شئ ولا يثني عزمه تحذير المحذرين ولا تخذيل المخذلين ، لا يلويه قول عبد الله بن عمر : استودعك الله من قتيل ، ولا قول الفرزدق : قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني أمية ، ولا كتاب عمرة ، وحديثها عن عائشة عن رسول الله أنه يقتل بأرض بابل ، هكذا تبلغهم أخبار الإمام خبر بعد خبر ويمضي الحسين ( ع ) متريثا متمهلا لا يخفى من أمره شئ بل يبادر إلى كل فعل يشهر مخالفته للخليفة يزيد ، فيأخذ ما أرسله والي اليمن إلى الخليفة من تحف وعطور ويعلن بفعله هذا عدم شرعية تصرف الخليفة وكذلك يفعل كل ما يتم به الحجة على من اجتمع به أو بلغه خبره ، ويبالغ في ذلك وأخيرا يستقبل بالماء جيش عدوه وقد أجهده العطش في صحراء لا ماء فيه يرويهم ويروي مراكبهم ، ولا يقبل أن يباغت هذا الجيش بالحرب ، بل يتركهم ليكونوا هم الذين يبدؤه بالحرب ثم انه أتم الحجة على هذا الجيش وخاطبهم بعد أن أمهم بالصلاة وقال : معذرة إلى الله عزوجل واليكم ، إني لم آتكم حتى أتتني كتبكم ، وقدمت علي رسلكم أن أقدم علينا فانه ليس لنا إمام لعل الله يجمعنا بك على الهدى ، فان كنتم على ذلك ، فقد جئتكم ، فان تعطوني ما أطمئن إليه من عهودكم ومواثيقكم أقدم مصركم ، وان لم تفعلوا وكنتم لمقدمي كارهين ، انصرف عنكم

- ج 3  ص 310 -

وقال في خطبته الثانية : ان تتقوا وتعرفوا الحق لأهله يكن أرضى لله ونحن أهل البيت أولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدعين ما ليس لهم والسائرين فيكم بالجور والعدوان . . . وأتم الحجة أيضا على أصحابه وخطب فيهم وقال : ألا ترون الحق لا يعمل به وان الباطل لا يتناهى عنه ليرغب المؤمن في لقاء الله محقا فاني لا أرى الموت الا شهادة ولا الحياة مع الظالمين الا برما .

فقال له أصحابه : والله لو كانت الدنيا باقية وكنا فيها مخلدين الا أن فراقها في نصرك ومواساتك لآثرنا الخروج معك على الاقامة فيها . وقال في جواب اقتراح الطرماح أن يذهب إلى جبلي طي فيدافع عنه عشرون ألف الطائي : انه قد كان بيننا وبين هؤلاء القوم قول لسنا نقدر معه على الانصراف . انه قد كان بين الحسين ( ع ) وبين أهل العراق عهد أن يذهب إليهم ولا يقدر أن ينصرف عنهم حتى يتم الحجة عليهم .

* * *

أتم الحسين ( ع ) الحجة على المسلمين في بلادهم وحواضرهم وعواصمهم مدة خمسة أشهر سواء من كان منهم في الحرمين أو العراقين - البصرة والكوفة - وكذلك من كان منهم في الشام حين أسمعهم حججه في خطبه وكتبه وعلى لسان رسله وأبلغهم نبأه .

وباشر القيام المسلح بأخذه البيعة ممن بايعه على ذلك ، ثم في قتال سفيره مسلم ثم في توجهه إلى العراق متريثا وكان بإمكان جماهير الحجيج أن يلتحقوا بعد الحج بركبه المتمهل في السير وكان بإمكان أهل الحرمين والعراقين وسائر البلاد الإسلامية أن يلبوا دعوته حين استنصرهم فانه لم يؤخذ على حين غرة ليكونوا معذورين لانه لم تؤاتهم الفرصة لنصرته ، بل انه تنقل من بلد إلى بلد يداور عصبة الخلافة ويحاور بمنظر من المسلمين ومخبر ، إذن فقد اشترك الجميع في تخذيله وان تفرد أهل الكوفة بحمل العار في دعوته ، وتلبية دعوته ثم قتالهم اياه ! .

* * *

أتم الإمام الحسين ( ع ) الحجة على المسلمين عامة بما قال وفعل من قبل أن يصل إلى عرصات كربلاء ، ولما انتهى إليها وقلب له أهل العراق ظهر المجن ، وازدلف 

- ج 3  ص 311 -

إليه هناك عشرات الألوف منهم ، يتقربون إلى عصبة الخلافة بدمه ، عند ذاك أتم عليهم وعلى عصبة الخلافة خاصة الحجة بما قال وفعل : فقد اقترح على عصبة الخلافة أولا أن يتركوه فيلقي السلاح ويرجع إلى المكان الذي أتى منه أو يسير إلى ثغر من الثغور فيكون رجلا من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم ، وبذلك لا يبقي أي خطر منه على حكمهم كما كان شأن سعد بن أبي وقاص و عبد الله بن عمر وأسامة بن زيد مع أبيه الإمام علي ( ع ) حين لم يبايعوه ، فلما أبى عليه جيش الخلافة الا أن يبايع وينزل على حكم ابن زياد ، أبى ذلك واستعد للقاء الله ، لإتمام الحجة على جيش الخلافة من أهل العراق ، ولإتمام الحجة على أصحابه خاصة ، طلب منهم عصر التاسع من محرم أن يمهلوه ليلة واحدة ليصلي لربه ويتضرع ويتلو كتابه فانه يحب ذلك ، وبعد لأي لبوا طلبه فجمع أصحابه ليلة العاشر من محرم وخطب فيهم وقال في خطبته : ألا واني أظن أن يومنا من هؤلاء الأعداء غدا واني قد أذنت لكم فانطلقوا جميعا في حل ، ليس عليكم مني ذمام وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا وليأخذ كل واحد منكم بيد رجل من أهل بيتي فجزاكم الله جميعا خيرا وتفرقوا في سوادكم ومدائنكم فان القوم انما يطلبونني ولو أصابوني لذهلوا عن طلب غيري .

فقال له الهاشميون : لم نفعل ذلك ؟ ! لنبقى بعدك ؟ ! لا أرانا الله ذلك أبدا ! والتفت إلى بني عقيل وقال : حسبكم من القتل بمسلم اذهبوا قد أذنت لكم ! فقالوا : . . لا والله لا نفعل ، ولكن نفديك بأنفسنا ، وأموالنا وأهلينا ، نقاتل معك حتى نرد موردك ، فقبح الله العيش بعدك ! .

ثم تكلم أنصاره فقال مسلم بن عوسجة : أنحن نخلى عنك وبماذا نعتذر إلى الله في أداء حقك ؟ أما والله لا أفارقك حتى أطعن في صدورهم برمحي وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي ، ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة حتى أموت معك ! وقال سعيد بن الحنفي : والله لا نخليك حتى يعلم الله أنا قد حفظنا غيبة رسوله فيك ! أما والله لو 

- ج 3  ص 312 -

علمت إني أقتل ثم أحيا ثم أحرق حيا ثم أذرى يفعل بي ذلك سبعين مرة لما فارقتك حتى ألقى حمامي ، فكيف لا أفعل ذلك وانما هي قتلة واحدة ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبدا ، وتكلم باقي الأصحاب بما يشبه بعضه وبعد هذه الخطبة تهيأوا للقاء ربهم وأحيوا الليل بالعبادة ، قال الراوي : " فلما أمسى حسين وأصحابه قاموا الليل كله يصلون ويستغفرون ويدعون ويتضرعون " .

واستعدوا كذلك للقاء خصومهم وإتمام الحجة عليهم في يوم غد فأمر الإمام بمكان منخفض من وراء الخيم كأنه ساقية فحفروه في ساعة من الليل وأمر فأتي بحطب وقصب فألقي فيه ، فلما أصبحوا استقبلوا القوم بوجوههم وجعلوا البيوت في ظهورهم وأمر بذلك الحطب والقصب من وراء البيوت فأحرقت بالنار كي لا يؤتوهم من ورائهم ، وبذلك منعهم الإمام من الحملة عليه بغتة وقتله قبل إتمامه الحجة عليهم بل ألقى عليهم هو وأصحابه الخطبة تلو الخطبة حين تقابل الجيشان في يوم عاشوراء واستعدا للقتال بدأهم الإمام الحسين فركب ناقته واستقبلهم واستنصتهم ثم قال في خطبته :

أيها الناس اسمعوا قولي ولا تعجلوا حتى أعظكم . . . آمنتم بالرسول محمد ( ص ) ثم انكم زحفتم إلى ذريته وعترته تريدون قتلهم . . . أيها الناس انسبوني من أنا ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها وانظروا هل يحل قتلي وانتهاك حرمتي ؟ ! ألست ابن بنت نبيكم و . . . أولم يبلغكم قول رسول الله لي ولأخي : هذان سيدا شباب أهل الجنة ، فان كنتم في شك من هذا القول أفتشكون أني ابن بنت نبيكم فو الله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم ولا في غيركم ، ويحكم ! تطلبوني بقتيل منكم قتلته أو مال لكم استهلكته أو بقصاص جراحة ؟ ! ونادى : يا شبث بن ربعي ! ويا حجار بن أبجر ! ويا قيس بن الأشعث ! ويا زيد بن الحارث ألم تكتبوا إلي أن أقدم قد أينعت الثمار واخضر الجناب ، وانما تقدم على جند لك مجند . وقال

- ج 3  ص 313 -

أيها الناس إذا كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم ! فقال له قيس بن الأشعث : أولا تنزل على حكم بني عمك . . . ؟ وقال : ألا وان الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة . . . وقال : أما والله لا تلبثون بعدها الا كريثما يركب الفرس حتى تدور بكم دور الرحى . . . عهد عهده إلي أبي عن جدي رسول الله . . . ثم رفع يديه إلى السماء وقال : اللهم احبس عنهم قطر السماء . . . وسلط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأسا مصبرة . . .

* * *

إذن فان جيش الخلافة من أمة محمد ( ص ) يقاتلون ابن بنت نبيهم من أجل أن يبايع يزيد وينزل على حكم ابن زياد ، ويتقبل الإمام الحسين وجيشه قتل رجالهم وسبي نسائهم ولا يفعلون ذلك .

جيش الخلافة يقتل ابن بنت نبيه ويسبي عترته من أجل كسب رضا الخليفة ، وواليه ، وكسب حطام الدنيا منهما . والإمام وجيشه يستشهدون من أجل كسب رضا الله وتحصيل ثوابه في يوم القيامة .

يدل على ذلك بالإضافة إلى ما سبق ذكره ، جميع أفعال الجيشين وأقوالهما في ذلك اليوم .

بدأ القول والفعل أمير جيش الخلافة عمر بن سعد حين وضع سهما في كبد قوسه ثم رمى وقال : اشهدوا لي عند الأمير أني أول من رمى .

ورفع الحسين ( ع ) يديه وقال : اللهم أنت ثقتي في كل كرب ورجائي في كل شدة . . . وتسابق الجيشان يكشفان عن دخائل نفوسهما في ما يقولان ويفعلان ، مثل 

- ج 3  ص 314 -

مسروق الوائلي من جيش الخلافة حين قال : كنت في أوائل الخيل ممن سار إلى الحسين فقلت : أكون في أوائلها لعلي أصيب رأس الحسين ( ع ) فأصيب به منزلة عند عبيدالله ابن زياد .

في جيش الخلافة من يريد أن يأخذ رأس ابن بنت نبيه ليتقرب به إلى ابن زياد .

وفي جيش الحسين ( ع ) جون مولى أبي ذر ، إنه يستأذن الإمام للقتال فيقول له الحسين : انما تبعتنا طلبا للعافية فأنت في إذن مني ، فيقول : أنا في الرخاء الحس قصاعكم وفي الشدة أخذلكم ان ريحي لنتن وحسبي للئيم ولوني لاسود فتنفس علي بالجنة ليطيب ريحي ويبيض لوني ، لا والله لا أفارقكم حتى يختلط هذا الدم الأسود مع دمائكم . . . ولما أذن له الحسين ( ع ) حمل عليهم وهو يقول :

كيف يرى الفجار ضرب الأسود * بالمشرفي القاطع المهند
أحمي الخيار من بني محمد * أذب عنهم باللسان واليد
أرجو بذاك الفوز عند المورد * من الإله الواحد الموحد

وبعد ما قتل وقف عليه الحسين ( ع ) وقال : اللهم بيض وجهه وطيب ريحه واحشره مع محمد ( ص ) وعرف بينه وبين آل محمد ( ص ) .

وفى جيش الحسين ( ع ) فتى عمره إحدى عشرة سنة قتل أبوه في المعركة يستأذن الحسين للقتال فأبى أن يأذن له وقال : هذا قتل أبوه ولعل أمه تكره ذلك فقال : ان أمي أمرتني فلما قتل رمي برأسه إلى عسكر الحسين ( ع ) فأخذته أمه ومسحت الدم عنه وضربت به رجلا قريبا منها وعادت إلى المخيم فأخذت عمودا وتقدمت إلى جيش العدى وهى تقول :

أنا عجوز سيدي ضعيفة * خاوية بالية نحيفة
أضربكم بضربة عنيفة * دون بني فاطمة الشريفة

فأمر الحسين ( ع ) بردها .

وفي جيش الحسين ( ع ) عمرو الأزدي برز وهو يقول

- ج 3  ص 315 -

اليوم يا نفس إلى الرحمن * تمضين بالروح وبالريحان
اليوم تجزين على الإحسان * قد كان منك غابر الزمان
ما خط باللوح لدى الديان * فاليوم زال ذاك بالغفران

وفي جيش الحسين ( ع ) خالد بن هذا القتيل برز وهو يقول :

صبرا على الموت بني قحطان * كيما نكون في رضي الرحمن
ذي المجد والعزة والبرهان * يا أبتا قد صرت في الجنان

وفي جيش الحسين ( ع ) سعد بن حنظلة ، برز وهو يقول :

صبرا على الأسياف والأسنة * صبرا عليها لدخول الجنة
يا نفس للراحة فاطرحنه * وفي طلاب الخير فارغبنه

ومن جيش الحسين ، زهير أخذ يضرب على منكب حسين ويقول :

أقدم هديت هاديا مهديا * فاليوم تلقى جدك النبيا
وحسنا والمرتضى عليا * وذا الجناحين الفتى الكميا
وأسد الله الشهيد الحيا

ويقول :

أقدم حسين اليوم تلقى أحمدا * وشيخك الخير عليا ذا الندى
وحسنا كالبدر وافى الا سعدا * وعمك القرم الهجان الاصيدا
وحمزة ليث الإله الاسدا * في جنة الفردوس نعلوا صعدا

ومن جيش الحسين ( ع ) ، حمل نافع وهو يقول :

أنا الغلام اليمني الجملي * ديني علي دين حسين وعلي
ان أقتل اليوم فهذا أملي * وذاك رأيي وألاقي عملي

وفي جيش الحسين ( ع ) يقول ابنه علي :

أنا علي بن حسين بن علي * نحن وبيت الله أولى بالنبي

ويقول القاسم ابن أخيه :

ان تنكروني فأنا فرخ الحسن * سبط النبي المصطفى والمؤتمن

ويقول محمد بن عبد الله بن جعفر :

أشكو إلى الله من العدوان * فعال قوم في الردى عميان 

- ج 3  ص 316 -

قد بدلوا معالم القرآن * ومحكم التنزيل والتبيان
وأظهروا الكفر مع الطغيان

ويقول أخوه العباس :

إني أحامي أبدا عن ديني * وعن إمام الصادق اليقين
نجل النبي الطاهر الأمين

ويقول :

يا نفس لا تخشي من الكفار * وأبشري برحمة الجبار
مع النبي السيد المختار

وفي جيش الخلافة من يرمي الطفل الرضيع في حجر أبيه الإمام .

وفي جيش الخلافة من يقطع الصبي الذاهل بسيفه أمام أمه .

* * *

ليت شعري هل قتل جيش الخلافة الطفل الصغير لأنه لم يبايع خليفتهم ؟ !
أم هل سبوا بنات رسول الله وساروا بهن من كربلاء إلى الكوفة ومن الكوفة إلى الشام وأحضروهن دار الأمرة في الكوفة وعرضوهن في محل عرض الاسارى في الشام وأحضروهن مجلس الخلافة من أجل أن يبايعن الخليفة ؟ !
لماذا فعلوا ذلك وغير ذلك ؟
لماذا حرق جيش الخلافة خيام آل الرسول ( ص ) ؟ !
ولماذا داس جيش الخلافة بحوافو خيولهم صدر ابن بنت رسول الله
وظهره ؟ !
ولماذا ترك جسده وأجساد آل بيته وأنصاره في العراء ولم يدفنوهم ؟ !
ولماذا قطعوا رؤوسهم واقتسموها في ما بينهم وحملوها على أطراف الرماح ؟ !
انهم فعلوا ذلك من أجل ان يبلغ ابن زياد أنهم سامعون مطيعون فقد قال راجزهم :

 فأبلغ عبيد الله أما لقيته * بأني مطيع للخليفة سامع

إذا استهدفوا من كل ذلك رضا ابن زياد وطاعة الخليفة كما ذكره الآخر حين قال

- ج 3  ص 317 -

املا ركابي فضة وذهبا * إني قتلت الملك المحجبا
وخير الناس أما وأبا
( 1 )

من أجل كسب رضا الخليفة وواليه فعلوا كل ذلك ومن أجل كسب الذهب والفضة منهما من أجل هذا ينشدون أمام قصر ابن زياد :

نحن رضضنا الصدر بعد الظهر * بكل يعبوب شديد الاسر

وقال خولى لزوجته : جئتك بغنا الدهر ، هذا رأس الحسين معك في البيت .

إذن فان جيش الإمام ( ع ) عند ما يقاتلون كانوا يطلبون بذلك رضا الله ورسوله والدار الآخرة .

وجيش الخليفة يفعلون في سبيل رضا يزيد وابن زياد وكسب الذهب والفضة . وقد أقر الخليفة عيونهم فأمر لزياد بن أبيه بألف ألف ، وأمر لأهل الكوفة جزاء السامع المطيع وزاد في أعطياتهم مائة مائة . أما ان خليفة المسلمين لماذا فعل ما فعل ؟ ولماذا نكت ثنايا أبي عبد الله بالقضيب ولماذا نصب رأسه ثلاثا في دمشق ؟ !

وسار به من بلد إلى بلد فانه بنفسه قد أفصح عن سبب أفعاله وأقواله حين أنشد قائلا :

لست من خندف ان لم انتقم * من بني أحمد ما كان فعل
قد قتلنا القرم من ساداتهم * وعدلنا ميل بدر فاعتدل

إذا فانها أحقاد بدرية ! ألم تبقر هند أم أبيه في أحد عن بطن حمزة ، وتمثل به ، وتمضغ كبده ؟ ! ثم أنشأت تقول :

 شفيت من حمزة نفسي بأحد * حين بقرت بطنه عن الكبد

أولم يضرب جده أبو سفيان بزج الرمح في شدق حمزة يومذاك ويقول : ذق عقق ! . فرآه الحليس سيد الاحابيش وقال : يا بني كنانة هذا سيد قريش يصنع بابن عمه لحما ما ترون ؟ ! .

ألم يقل جده أبو سفيان على عهد عثمان وبمحضر منه : يا بني أمية تلقفوها تلقف الكرة فو الذي يحلف به أبو سفيان ما زلت أرجوها

   1 ) في تاريخ ابن عساكر الحديث 775 وتهذيب 4 / 342 ( * ) .  
 

- ج 3  ص 318 -

لكم ولتصيرن إلى صبيانكم وراثة ؟ ! .

ألم يمر يومئذ بقبر حمزة وضربه برجله ويقول : يا أبا عمارة ! ان الأمر الذي اجتلدنا عليه بالسيف أمس صارت بيد غلماننا اليوم يتلعبون به ؟ !

ألم يقل أبوه معاوية : إن أخا بني هاشم ويقصد به رسول الله ليصاح به يوميا خمس مرات لا والله إلا دفنا دفنا ! .

ألم يقتل جيش أبيه الخليفة معاوية بقيادة ابن ارطاة في وجهه الذي وجهه ثلاثين ألفا من المسلمين وحرق بيوتهم وذبح طفلي عبيد الله بن العباس بيده بمدية ( 1 )0

إذا فان خليفة المسلمين يزيد اقتفى بجديه وأبيه في ما قال وفعل . وان عصبة الخلافة يزيد ومروان وسعيدا أيضا اشتفوا من رسول الله مما كان فعل ! .

   1 ) راجع تفصيل أخبار أبي سفيان وهند ومعاوية هذه في فصل مع معاوية من كتابنا أحاديث عائشة ص 213 - 250 ( * ) .  
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب