|
مأساة الزهراء عليها السلام ج 1 - العلامة
السيد جعفر مرتضى العاملي - ص
45 |
|
كل الفكر الإسلامي ( فكر بشري ) ما عدا البديهيات
وفي حديث لنا مع بعض المسئولين في المركز الإسلامي
الثقافي ، نجده يعترض علينا ، فيقول ما مفاده : إن
الحقيقة ليست ملكا لأحد ، فلا يستطيع أحد حتى المجتهد
أن يدعي أنه يملك الحقيقة كل الحقيقة . والإسلام
باستثناء البديهيات عبارة عن اجتهادات بشرية في فهم
النصوص ، فكل التراث الفقهي فكر بشري وليس إلهيا .
وعليه فلا معنى لإصدار أحكام قاسية - كما هو الحال في
كتاب مأساة الزهراء ( ع ) - ضد من يخالف في الرأي ،
فالحقيقة ليست ملكا لأحد . بل يقول البعض أيضا : إن
الحقيقة نسبية ! !
ولم نكن نريد التعرض إلى هذا الاعتراض لو لا
أننا وجدنا أخيرا هذا البعض قد سجل ذلك بصورة أكثر
وضوحا في بعض مؤلفاته . . فإنه بعد أن ذكر : أنه ليس
من شك في أن القرآن كتاب الله ، ولكن كلمات القرآن
تبقى خاضعة لاجتهاد المفسرين والعلماء .
بعد أن ذكر
ذلك في جملة كلام له ، قال : " ونحن نعتقد ، من خلال
ذلك ، أن كل ما جاءنا من تراث فقهي ، وكلامي ، وفلسفي
، هو نتاج المجتهدين والفقهاء والفلاسفة والمفكرين ،
من خلال معطياتهم الفكرية .
ولا يمثل الحقيقة إلا
بمقدار ما نقتنع به من تجسيده للحقيقة ، على أساس ما
نملكه من مقاييس الحقيقة ، وبهذا فإننا نعتبر أن كل
الفكر الإسلامي - ما عدا الحقائق الإسلامية البديهية -
هو فكر بشري ، وليس فكرا إلهيا ، قد يخطئ فيه البشر في
ما يفهمونه من كلام الله وكلام رسول الله ( ص ) ، وقد
يصيبون .
وعلى هذا الأساس فإننا نعتقد أنه من الضروري
جدا أن ننظر إلى التراث المنطلق من اجتهادات المفكرين
- أينما كانت مواقع تفكيرهم - نظرة بعيدة عن القداسة
في حياتهم ومؤهلاتهم الروحية والعملية في حياة الناس
الآخرين فيمن قد يكونون على مستوى المراجع أو الأولياء
في تقواهم لله سبحانه وتعالى ، لأن ذلك شئ ومسألة
الفكر شئ آخر .
ولذلك فإننا ندعو إلى دراسة
التراث دراسة ناقدة ، نعيش فيها شخصيتنا
الفكرية ، ونعيش فيها انفتاحنا الفكري الذي عاشه
الأقدمون في ما مارسوه من تجربتهم الفكرية " ( 1 ) .
ونقول : إن هذا الاعتراض - وإن كان ظاهر البطلان -
ولكنه مع ذلك يعتبر على درجة عالية من الخطورة ، وذلك
يجعله أكثر الإعتراضات أهمية وحساسية . . ونحن نذكر
هنا بعض المآخذ .
على أن تستكمل هذه المؤاخذات في فرصة
أخرى ، يمكن معها التوسع في البيان والمعاني .
فنقول :
1 - إذا كان كل ذلك بشريا ، - باستثناء بديهيات محدودة
منه - عبر عنها البعض البعض بالثابت - كالتوحيد ،
والنبوة ، والمعاد ، ومسلمات الشريعة ، مثل : وجوب
الصلاة ، والصوم ، والجهاد ، والحج ، والزكاة ، والأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر ، وتحريم الزنا والسرقة ،
والخمر ، والميسر ، والنميمة ، واللواط ، والغيبة وقتل
النفس المحرمة ، ونحوها مما لا يخرج عن دائرة العناوين
العامة جدا ، دون تفاصيلها ، فإن التفاصيل تدخل في
نطاق الاجتهادات الشخصية البشرية ، غير الإلهية وهو ما
عبر عنه
| |
( 1 ) راجع : حوارات في الفكر
والسياسة والاجتماع : ص 480 . عن
مجلة الموسم : عدد 8 سنة
1990 م . ( * ) |
|
|
البعض بالمتحول ( 1 ) .
إذا كان كذلك ،
فلماذا ندعو غير المسلمين للدخول في الإسلام ، فهل
ندعوهم لخصوص هذه البديهيات في عناوينها العامة
والغائمة ، واليسيرة جدا ؟ أم ندعوهم إلى وجهات نظر
أشخاص ، هم بشر مثلهم ؟ ! .
وحين يقال : إن علينا أن
نقدم الإسلام للآخرين باعتباره دينا ، وفكرا ، وقانونا
قادرا على حل جميع المشكلات ، وهو النموذج الأمثل
للبشر جميعا ، وفي كل مجال ، فأي إسلام نقدم ؟ هل نقدم
خصوص البديهيات ؟ أم نقدم الفكر البشري ، ونقول لهم :
هذا الفكر البشري هو الإسلام الذي أنزله الله تعالى
لعباده ؟ ! وأي فكر من أفكار هؤلاء البشر نقدم للناس ؟
2 - إن كان المقصود بالبديهي هو الذي لم يناقش أحد فيه
، فإن ذلك لا يصح ، وذلك لأن وجود النقاش في أمر من
الأمور لا يعني صيرورته فكرا بشريا ، وقد ناقش
الكثيرون في وجود الله ، بل أنكروه ، ويناقش غير
المسلمين في نبوة النبي ( ص ) ، ولا يعني ذلك
صيرورتهما فكرا بشريا ، وتناقش طوائف كثيرة في فكرة
الإمامة ، ولا يعني ذلك صيرورتها فكرا بشريا ، ويناقش
كثيرون في حقائق دينية وأحكام شرعية ، ولا يعني ذلك أن
تصبح تلك الأحكام أو الحقائق فكرا بشريا .
| |
( 1 ) راجع مقالة الأصالة والتجديد في
مجلة المنهاج : العدد
الثاني : ص 60 . ( * ) |
|
|
خذ مثلا على ذلك محاولة البعض تحليل نظر
الرجل إلى عورة الرجل ونظر المرأة إلى عورة المرأة ( 1
) ، مع أن حرمة ذلك من الأمور القطعية ، وهذا الحكم
بالحلية من قبل البعض لا يجعل هذا الحكم الثابت - أعني
الحرمة - فكرا بشريا .
وإن كان المقصود بالبديهي هو
الأمر الذي ، يعرف وجه الحق فيه بمجرد التوجه والإلتفات إليه . . فإن من الواضح : أن الحقيقة
الإسلامية وإن لم تكن بديهية في نفسها ، أو لم تكن
بديهية عند البعض بهذا المعنى ، ولكنها لما كانت تنال
بواسطة الأمارات والحجج والأدلة الشرعية عليها ،
فاستخراج الحقيقة من الدليل ، أو تحصيل الإجماع عليها
بعد بذل الجهد والعناء الطويل لا يجعلها فكرا بشريا .
لمجرد أنها ليست من الأمور البديهية .
وكذا الحال لو
لم تكن بديهية عند البعض كمثال النظر إلى العورة
المذكور آنفا .
غير أن بعض الأحكام أو بعض الأمور قد
لا يكون الدليل عليها حاسما وقاطعا فإذا أخطأتها
الأمارات والأدلة التي لسانها لسان الكاشفية ، صار
المكلف معذورا في مخالفته للحكم الواقعي أمام الله
سبحانه وتعالى ، غير أن العمل وفق القواعد المقررة
شرعا يجعل جميع النتائج متصفة بصفة الإسلامية والإلهية
، حتى
| |
( 1 ) راجع : كتاب النكاح : ج 1 ص 66 . ( * ) |
|
|
وإن لم يصب الحكم الواقعي فإن صحة العمل
لتحصيل العذر أمام الله تعالى من خلال تطبيقه على
الوسائل المجعولة والمنصوبة من قبل الشرع هو حكم إلهي
وليس فكرا بشريا فقولهم : إن البديهيات فقط هي التي
تتصف بكونها فكرا إلهيا لا يصح ( لو صح استعمال كلمة :
فكر إلهي ) .
أما حيث يكون التكليف هو العمل بالوظيفة
الشرعية ، أو إجراء الأصول في مواردها ، فإن ذلك يكون
هو الحكم الإلهي في حق المكلف ، وهو فكر إلهي - على حد
تعبير البعض - لا بشري ، لأن الله هو الذي عين له
العمل بهذه الوظيفة ، أو بذلك الأصل في أمثال تلك
الموارد . فالمورد يتصف بالشرعية والإسلامية والإلهية
لكونه من الموارد المقررة إلهيا وإسلاميا لهذه الحالة
وللحالات المماثلة .
3 - إننا نفهم بعمق محاولة البعض
إظهار التشيع على أنه فكر بشري حيث يقول : " لتكون
المسألة السنية والشيعية مسألة مدرستين في فهم الإسلام
" ( 1 ) وأن التشيع مجرد وجهة نظر حين يقول : " وقد
تكون القضية المطروحة هي أن لا يكون التشيع فيما هو
التشيع وجهة نظر * في خط الإسلام حالة معزولة عن
الواقع العام للمسلمين ، الخ . . " ( 2 ) .
| |
( 1 ) مجلة المرشد :
العددان : 3 و 4 ص 68 . |
( 2 ) تأملات في مواقف الإمام
الكاظم " ع " : ص 94 . ( * )
|
|
|
ثم يجعل الإمامة ، من " المتحول الذي يتحرك
في عالم النصوص الخاضعة في توثيقها ومدلولها للاجتهاد
، مما لم يكن صريحا بالمستوى الذي لا مجال لاحتمال
الخلاف فيه ، ولم يكن موثوقا بالدرجة التي لا يمكن
الشك فيه .
وهذا هو الذي عاش المسلمون الجدال فيه
كالخلافة والإمامة ، والحسن والقبح العقليين الخ . . "
( 1 ) .
فإن ذلك يستبطن استبعاد النص على الإمامة ،
واعتبار الإمامة بل التشيع كله ، اجتهادا بشريا جاء به
الأئمة ( ع ) كأي اجتهاد بشري آخر جاء به الآخرون وليس
فكرا إلهيا ، لأن الإمامة ليست من البديهيات عند بعض
المسلمين ، منذ وفاة الرسول ( ص ) على حد زعم البعض ،
فهي إذن فكر بشري قابل للاجتهاد وليس إلهيا - على حد
تعبير البعض - .
ولو كان بديهيا لزم خروجهم عن الإسلام
الأمر الذي لا يلتزم هو به . وهل وجود شبهة في أمر
بديهي لدى البعض يجعل البديهي وجهة نظر ؟ ويجعله فكرا
بشريا ؟ ثم يجعله من المتحول كالإمامة ؟ !
4 - إن
البديهيات لا تحتاج إلى إيجاب التفقه والاجتهاد أو
التقليد ، أو الاحتياط ، على الناس .
| |
( 1 ) مجلة المنهاج :
عدد 2 ص 60 مقالة : الأصالة والتجديد . ( * ) |
|
|
أما فيما عداها مما يسمى ب " الفكر البشري
" فلا معنى أيضا لإيجاب ذلك كله ، ولا داعي له .
5 -
وإذا اعترف شخص ما ببديهيات الإسلام ، وأراد أن يأخذ
فيما عداها بالقوانين الوضعية ، أو أراد أن تكون له هو
وجهات نظر بشرية غير إلهية ، فلماذا يعتبر مبتدعا ،
وتعتبر كتبه كتب ضلال ليواجه الحكم القاسي على أهل
البدع ، وتحريم كتبه لأنها كتت ضلال ؟ وما هو الفارق
الذي جعل الفكر البشري مقبولا هنا ومرفوضا هناك ؟
وقد
يقال : إن وجود ما عدا البديهيات - على سبيل الإجمال -
يعتبر أمرا بديهيا فهو إلهي أيضا . أو يقال : إن وسائل
إنتاج الفكر البشري المقبولة هنا ، غير مقبولة في
القوانين الوضعية .
ويجاب : بأنه كيف يتحول الفكر
الإلهي - على حد تعبيرهم - إلى فكر بشري ؟ وكيف يعامل
الفكر البشري على أنه فكر إلهي من أجل ذلك ؟ ! . فإنه
في كلا الموردين ليس إلهيا ، والباء في كلا الموردين
واحدة فلماذا تجر تارة ولا تجر أخرى .
6 - لنفترض : أن
الناس قد رفضوا الإلتزام بما سمي بالفكر البشري ، فهل
يمكن أن يشعروا بأية حساسية أو حماس تجاه ذلك الفكر
تدفعهم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإلى
الجهاد ، وبذل الأنفس ، والأبناء ، والأموال في سبيله
؟
وكيف يمكن أن نقنعهم بالتضحية بأنفسهم
وأبنائهم ؟ ! من أجل فكر بشري . . . وهل كل جهود
وتضحيات الأنبياء والأصفياء والشهداء كانت في سبيل
تكريس وجهات نظر بشرية تختلف وتتضارب فيما بينها ؟ ! .
. وهذا الفكر البشري " الإسلام " بماذا يمتاز عن أي
فكر أو قانون بشري وضعي آخر ، يدعي واضعوه : أنه يكفل
للناس سعادتهم ، ويحل لهم مشاكلهم ؟ ! ألا يعني ذلك أن
يصبح هذا الإسلام ، الفكر البشري الذي لا روح فيه ،
مجرد ترف فكري أو وجهات نظر أشخاص يتداولها الناس في
صالوناتهم الفاخرة ، ويتفكهون بها في مكاتبهم وحفلاتهم
الساهرة ؟ ! .
7 - إذا كان ما يفهمه العلماء من نصوص
وظواهر القرآن والسنة فكرا بشريا ، فلماذا أخفى الله
سبحانه " فكره الإلهي " على حد تعبيرهم ؟ وجعله رهينة
التكهنات والتخيلات البشرية ؟ وأية فائدة تبقى من بعث
الأنبياء ، ومن وضع التشريعات الإلهية ، ما دامت أن
هذه التشريعات ستصبح لا أهمية لها ، لأن الميزان حينئذ
هو تلك التصورات البشرية عنها وبالتالي ستنقطع الصلة
مع الله على هذا الأساس ؟ !
وكيف نوفق بين هذا ، وبين
طلب الشارع من الناس أن يأخذوا بظواهر الكتاب والسنة،
واحتجاجه بهما على العباد ، ثم
المثوبة والعقوبة على أساس ذلك ، مع أنهما -
حسب قول هؤلاء - غير قادرين على إثبات الفكر الإلهي ،
وإيصال حقائق الدين والشريعة إلى الناس .
وهكذا الحال
في سائر الحجج التي سوف يطالبنا الله تعالى بها على
أساس الإلتزام بمراعاتها وعدمه . وكيف جاز أن يجعل
الله أمرا غير قادر على إثبات المقاصد ، وسيلة لنيل
مقاصده ؟ ! إن ذلك لعجيب حقا وأي عجيب ! !
8 - وقبل أن
نختم حديثنا نشير إلى عدم صحة مقولة : نسبية الحقيقة ،
فإن ذلك من سخف القول . وزائف الكلام لأن الحقيقة هي
الحقيقة أخطأها من أخطأ ، وأصابها من أصاب . فلا
اختلاف فيها على حد اختلاف درجات الألوان أو درجات
الحرارة والبرودة لتكون نسبية .
وأما الاختلاف في كثرة
موارد إصابتها وقلتها ، فهو لا يجعل الحقيقة نسبية . .
ولو أريد تكريس اصطلاح كهذا ، فإنه لا يفيد هؤلاء شيئا
في نظرية الفكر الإلهي والفكر البشري وليصبح كل التراث
الفقهي والكلامي فكرا بشريا كما يزعمون .
المقصود بمتفجرة بئر العبد : وأبلغنا : أن
من المؤاخذات على هذا الكتاب : أنه تحدث بصورة تستبطن
التشكيك في أن يكون ذلك البعض هو المقصود بالاغتيال في
متفجرة بئر العبد .
ونقول : إن ذكر متفجرة بئر العبد
في الكتاب إنما كان في سياق الاعتراض على مقولة : "
أنا لا يهمني - انكسر ضلع الزهراء أو ما انكسر " ، فإن
كان عدم اهتمامه ناشئا من كون ذلك حدثا تاريخيا قد مضى
عليه الزمن ، فإن هذا الحدث الشخصي قد مضى عليه الزمن
أيضا . .
ومع ذلك فهناك اهتمام بالتذكير به كل عام ،
حيث تصدر في هذه المناسبة تصريحات إذاعية وغيرها ، تضع
الناس أمام هذه الفاجعة الأليمة ، ولم نكن نريد بذلك
الدخول في الجوانب الشخصية والتفصيلية لهذه المجزرة
البشعة ، التي أودت بحياة أكثر من ثمانين شخصا بين طفل
وشيخ ، وإمرة وشاب .
ونعود لنؤكد هنا بأننا لن ننجر
إلى الدخول في نقاش يحرف الكتاب عن الهدف الديني
والعلمي المحض الذي وضع له.
|