|
مأساة الزهراء عليها السلام ج 1 - العلامة
السيد جعفر مرتضى العاملي - ص 56 |
|
السباب والشتائم
ومن الأمور التي أخذت على
الكتاب وخصوصا التمهيد منه : أنه - كما يدعون - يشتمل
على شتائم وتهجمات شخصية على البعض :
ونقول :
1 - إننا
لا نجد لهذا القول مبررا معقولا أو مقبولا ، فالتمهيد
إنما عالج مقولات أطلقها البعض في سياق استدلالاته -
على القضية التي هي موضوع كتاب مأساة الزهراء - لتكون
جزءا منها تارة ولتخلق حالة من الحصانة والقوة والثبات
لتلك الأدلة في أذهان الناس العاديين تارة أخرى .
وعلى
سبيل المثال نقول : لماذا يقال للناس العاديين : أنه
أنما يطرح تساؤلات حول الزهراء ، أو أن انتقاد مقولاته
حول الزهراء يعتبر تشهيرا به ، أو أن كلامه في هذا
الأمر اجتهاد ؟ ! بل هو يقول : " ناقشت كل العلماء في
إيران وغيرها الخ . . . " أليس قوله هذا لأجل خلق حالة
من الإذعان والانبهار بالأمر لدى الناس العاديين ، حتى
يتم اعتباره في أذهانهم في عداد الأمور المحققة
اليقينية ؟
ولعل من لم يكن يتابع ما يصدر عن البعض من
تصريحات مذاعة أو مكتوبة حول موضوع الكتاب وغيرها من
الموضوعات الهامة والتي طرحت أخيرا - لعله - يعذر في
تصوره أن في التمهيد بعض القسوة . لكن من واكب ، وسمع
، وقرأ ، وعرف وشاهد ، فمن الصعب أن تجد له عذرا في
إطلاق دعوى غرابة ما في تمهيد الكتاب عن الموضوعات
المطروحة فيه ، لأنه سيجد ما يرتفع به استغرابه
واستهجانه في نفس كلمات ذلك البعض في موضوع الزهراء
بالذات فضلا عن غيره من المواضيع الحساسة .
2 - وعدا
عن ذلك كله ، فهل يستطيع أحد أن يقدم لنا مفردة يصح أن
يطلق عليها : أنه سباب أو شتائم ؟ ! . أو حتى ما هو
أقل من ذلك بكثير ؟ !
3 - ولا أدري ، ما ذا سيكون موقف
هؤلاء الناس ممن يدأب على إظهار نفسه بأنه لا يريد أن
يجيب أحدا ، من موقع التسامح والترفع عن الدخول في هذه
الأمور ، فإنه مشغول بما هو أهم ونفعه أعم ؟ !
ثم
يواصل وصف الآخرين ، وكل من يعترض عليه من العلماء حتى
مراجع الدين بأوصاف لعل أهونها : التخلف في الذهنية ،
والعقد النفسية ، والتحرك من منطلق الغرائز ، وعدم
التثبت ، ثم يصف بعض العلماء - الذين لا يقبلون
بمقولاته - عبر الإذاعة : أنه لا يملك إلا أن يقول
عنهم أنهم بلا دين ، هذا
فضلا عن اتهامات خطيرة جدا لم يزل يرددها
ويشيعها في كل اتجاه . . ونحن نفضل أن لا نثقف أحدا
بهذه المفردات ، فإننا نربأ بالناس عن تعلمها فضلا عن
استعمالها .
أما ردود الفعل المكتوبة ، التي يسخر كل
ما لديه من إمكانات لترويجها ونشرها رغم ما اشتملت
عليه من زخرف القول ، ومن أضاليل وأباطيل ، وحتى
أكاذيب ، فضلا عن التحريف أو التزوير المتعمد .
واشتمالها على أفانين من الشتائم فقد غدت أوضح من
الشمس ، وأبين من الأمس ، وقد أشرنا إليها في هذه
المقدمة في الموضع المناسب .
صيغة الرد لماذا ؟ ! !
ويحاول البعض أن يثير تساؤلا آخرا يرى أنه جدير بالإهتمام وبالاحترام ، وهو : ألم يكن من الأفضل
الابتعاد عن صيغة الرد ، التي تحمل في طياتها احتمالات
التخطئة والتجهيل ، بل هي في الحقيقة من صيغ التحدي
للقائل ، الذي يفترض صونه عن أمر كهذا ؟ ! ألم يكن من
الأفضل أن يؤلف هذا الكتاب بطريقة أخرى ، بأن يطرح
الموضوع مجردا عن أية إشارة إلى أن البعض يقول كذا ،
أو يقول كذا ؟ !
ونقول :
أولا : لا ندري ما إذا كان النقد
الموضوعي والعلمي يحمل في طياته صفة التحدي المزعومة !
! ولو صح ذلك ، لكن الأجدر أن يقفل الناس باب أي نقاش
علمي مع أي شخص بعينه ، بل كان الأجدر أن لا يجري نقاش
بين اثنين في أية مسألة علمية فكرية ، أو حياتية على
الإطلاق .
ثانيا : إن السؤال بل الاعتراض يتوجه على
ذلك البعض نفسه حين يتصدى لنقد وتفنيد آراء بل
اعتقادات طائفة بأسرها ، بل هو يستعمل كثيرا من عبارات
التجريح لها ولعلمائها ويتهمهم بأنواع التهم القاسية
مستعملا لذلك كلمات قوية وقاذعة أيسرها عدم الوعي
والتأثر بالمحيط المتخلف ، والجمود ، والتحجر ، والعيش
في الماضي وعدم الوعي - لا سيما المرجعي منه - ثم عدم
العصرنة وما إلى ذلك .
ثالثا : إنا نستغرب كثيرا طرح هذا
الموضوع بهذه الطريقة ، لأننا إنما تحدثنا بصيغة
تجنبنا فيها التصريح باسم أحد ، وذلك تحاشيا لإحراج أي
كان من الناس في أن يجد نفسه في موقع لا يرغب هو بأن
يرى نفسه فيه .
فإذا كان ثمة حالة أسهم ذلك البعض نفسه في
نشوئها بل في استمرارها لأنه لم يزل يصر على متابعة
تحريك عوامل الإثارة ولا ندري سر ذلك ولا نعرف غاياته
، أو أهدافه ؟ حتى بات واضحا لدى الكثيرين من هو صاحب
تلك المقولات - إذا كان الأمر كذلك - فما هو ذنبنا نحن
يا ترى ؟ ! على أن من الواضح : أننا حين آثرنا تجنب
التصريح بالأسماء لم يرتض بعض الناس ذلك فاعتبروه
تنكيرا وتجهيلا وإهانة ، فأثاروا بذلك أجواء اتجهوا
فيها نحو تولي الإعلان والتصريح بالأسماء حيث لم يرضهم
التلويح أو التلميح . ونحن تعليقا على عملهم هذا لا
نملك إلا أن نأسف ونأمل أن يوفقنا الله لمعرفة وجه
الحكمة في صنيعهم هذا .
رابعا : إننا من جهة لم نزل
نسمع ونرى البعض يقدمون أنفهسم على أنهم دعاة حوار ،
ورواد انفتاح على الآخرين ، ولكنهم - مع ذلك - يقمعون
محاوريهم من الداخل ، فلا انفتاح ولا حوار ؟ ! ثم
يرفضون الحوار مع من لا يتمكنون من ممارسة القمع ضدهم
بصورة ظاهرة .
ومن جهة أخرى نراهم يدعون إلى طرح
القضايا على الناس بصراحة وبوضوح ، لأن العلم والفكر
ليس حكرا على فريق دون فريق ، بل نجدهم يستثيرون شهية
الكثيرين للحوار بقولهم : " نحن نعتبر النقد أفضل هدية
تقدم إلينا . . " ثم في
المقابل نجدهم يواجهون هذا الكتاب المبني
على الحقيقة العلمية الصريحة والواضحة بأشد حالات
الغضب والانزعاج منه ومن مؤلفه . . ثم نجدهم يمارسون
سياسة المحاصرة للكتاب ، ويبذلون جهدا كبيرا لمنع
الناس من تداوله وحتى من بيعه وشرائه بطريقة أو بأخرى
.
حتى بات حكمه أسوأ من حكم كتب الضلال التي جوز هذا
البعض مؤخرا تداولها والاطلاع عليها ؟ ! ولعل أيسر ذلك
محاولاتهم تحريك غرائز الناس ، باعتبار : أن هذا
الكتاب هو ضد فلان أو يهدف إلى إسقاط هذا البعض ، أو
ذاك . هذا كله . . عدا عن محاولات التشويه ، والتجني ،
والتجريح التي لم وربما لن تقف عند حد . .
خامسا : إن
الهدف من الكتاب إنما هو مناقشة علمية وموضوعية
لمقولات معينة ، اجتمعت لدى البعض في موضوعات بعينها
بهدف تصحيح النظرة لدى الذين يمكن أن يتأثروا بما يقال
لهم ليقبلوه ، ويعملوا على أساسه .
ولو كان البحث
المجرد عن الإشارة يكفي ، لكفت عشرات المؤلفات التي
ذكرت تلك الموضوعات ، وحشدت لها الأدلة الكثيرة ، ولم
يكن ثمة حاجة لكتابة " مأساة الزهراء ( ع ) " من
الأساس .
وتلك الكتب الكثيرة والمعتمدة رغم أنها
حافلة بالنصوص المزيلة لكل شبهة ، والقاطعة لأي عذر ،
إلا أنها لم تمنع من تأثر هؤلاء الناس بمقولات هذا
البعض ، في أمر اتفقت عليه كلمة شيعة أهل البيت ( ع )
، وتضافرت ( 1 ) به النصوص عن المعصومين ( ع ) ،
وتواترت عنهم وعن المؤرخين والمحدثين على اختلاف
ميولهم ومذاهبهم .
لعل مراد القائل غير ما فهم منه :
ومن الإعتراضات التي وجهت إلينا : أن من الممكن أن
يكون مقصود القائل هو غير ما فهمتم من كلامه ، فلا بد
من التأكد من ذلك بسؤال نفس صاحب تلك المقولات عن
مقصوده .
ونقول :
1 - إن هذا البعض إنما يطرح مقولاته
على الملأ العام ولعامة الناس ، فما فهمناه هو ما فهمه
الناس من ظواهر كلماته ، ونحن لم ننسب إليه شيئا خارج
نطاق دلالات الألفاظ التي
| |
( 1 ) كما صرح به في خطبته في قم ، في حسينية الشهيد
الصدر في 21 شعبان 1414 ه . وقد تقدمت الإشارة إلى
تحريف النص ، فراجع فقرة : "
التنازع في جنس الملائكة " متنا وهامشا . ( * ) |
|
|
استخدمها للتعبير عن مقاصده ، وفق ما يفهم
كل أهل اللغة ومن ينطق بها ، وطبق قواعد محاوراتهم ،
وأساليبهم في تفهيم مقاصدهم .
2 - إنه إذا لم يستطع من
قضى عدة عقود من الزمن في الدراسة والجهد العلمي أن
يفهم مراد هذا البعض ، فمن ذا الذي يخاطبه هذا البعض
بكلامه ، ويمكنه أن يفهمها ؟ ! ولنا أن نتساءل ما الذي
فهمه أولئك الناس العاديون ، الذين حضروا مجلسه ،
وسمعوا منه مباشرة أو عبر الإذاعة وغيرها ، وفيهم
المرأة والرجل ، والكبير والصغير ، والشاب ، والمثقف ،
وغير المثقف والعامل والفلاح .
3 - ولنفترض جدلا وجود
خطأ في فهم بعض تلك الموارد ، فكم يمكن أن نتصور حجمه
ومقداره إلى جانب عشرات الموارد التي فهمت كما يفهمها
الناس المخاطبون بها بصورة سليمة وقويمة ؟ ! وماذا
يمكن أن نفعل فيما اتفقت فيه أفهام العلماء الكبار ،
ومراجع الدين ، وكثير من المثقفين ، وفيهم جماعة من
غير مذهبنا أو ملتنا ؟ حتى أن البعض منهم بات يحتج على
أهل هذا المذهب بكلامه ! وليدلنا صاحب الاعتراض على
تلك الموارد التي تحتاج إلى التوضيح والتصحيح لنعرف
كيف ؟ ولماذا أخطأنا في فهم المراد منها ؟ !
ثم للنظر فيما يطرح ويدعى أنه توضيح تنقيح
هل يصلح لأن يوصف بذلك حقا وصدقا ، أو أنه غير صالح له
؟ ! المصطادون في الماء العكر : ومن الأمور التي لم
نزل نسمعها من أكثر من جهة : أن هذا الكتاب قد أفسح
المجال لفئات متناثرة هنا وهناك ، لتصطاد في الماء
العكر - على حد تعبيرهم - وتتحرك باتجاه تحقيق أهداف
أخرى لا ربط لها بما توخاه كتاب " مأساة الزهراء ( ع )
" .
ونقول : نخشى أن يكون المقصود : أن طرح الموضوعات
المثيرة إذا كان من جانب واحد - هو جانب ذلك البعض -
فليس ثمة من مشكلة ، حتى لو أدت إلى زعزعة ثوابت عقيدية وإيمانية ، بل إن الساحة سوف تبقى صافية كصفاء
عين الديك حينئذ ، لكن إذا ما أراد أحد أن ينتصر للحق
، ويعترض على مقولات ذلك البعض ، بهدف تحصين الناس من
الانسياق وراء هذه المقولات ، متلقيا لها بحسن نية
وسلامة طوية ، ومن دون مناقشة فإن ذلك يعد جريمة كبرى
، لأنه ربما يمثل عقبة في طريق المشروع الذي قد يكون
البعض يعمل له منذ أربعين أو خمسين سنة ، وهل ثمة
جريمة أعظم من إلفات نظر الناس إلى ما يراد لهم وبهم ؟
! ألا يعتبر ذلك إرباكا للواقع الإسلامي كله ، على حد
تعبيرهم ؟
وبعد ما تقدم نقول :
1 - حبذا لو قيل هذا
للكلام لأولئك الذين أثاروا هذه القضايا وأصروا على
إشاعتها وتثبيتها بين الناس ، في مناسبات عديدة لمدة
مديدة . وكنا نحن وكان كتابنا أيضا ضحية هذا الإصرار
منهم ، حيث أديرت مفردات تأكيده وتجسيده بدراية وأناة
؟ وبالاستعانة بقدرات إعلامية كبيرة وأساليب " بديعة
ومؤثرة " ، لطالما وجهت إلينا التحذيرات منها ، لكننا
لم نلتفت لها ، ولم نأبه بها ، لأننا وجدنا أن واجبنا
الشرعي يفرض علينا أن نعالج ما يمكن معالجته ، وأن رضى
الله هو المطلوب .
2 - إن ثمة درجة عالية من التهويل
والتضخيم لشأن من أسموهم بالمصطادين في الماء العكر ،
لا سيما مع ملاحظة ما ذكرناه آنفا .
3 - من الواضح :
أن طرح فكرة ما للناس لتصبح جزءا من عقيدتهم أو
ثقافتهم ، وليكون لها تأثير بشكل أو بآخر في حياتهم ،
يتطلب المبادرة إلى طرح الفكرة المغايرة التي تظهر
أوجه الخلل فيها في نفس الفضاء ، وبنفس الكيفية التي
طرحت فيها الفكرة الأولى ، ولا يصح الانتظار سنين
متمادية ، لأن التصدي بعد تجذر ذلك سيكون - أصعب ،
وأكثر تعقيدا ، وأقل نتيجة ، حيث تكون الفكرة قد تجذرت
في نفوس الناس وعقولهم لتصير جزءا من عقيدتهم ،
ومفاهيمهم ، وحياتهم .
4 - إنه سواء طرحت الفكرة الصحيحة اليوم أو
غدا ، أو بعد عشرات السنين فليس ثمة ما يمنع من وجود
مستفيدين ، في كل زمان ومكان ، ونحن نرى أنه لا يجوز
أن يكون وجودهم مانعا من التصدي للتصحيح أو التوضيح ،
وإلا فإننا لو أردنا أن نتقيد بهذا الأمر إلى هذا الحد
، فلن نتمكن من الرد على أية فكرة ، ولن نستطيع مواجهة
أي مشروع ، لا سيما إذا كان يستهدف مفردات كثيرة ، من
بينها ما هو على درجة كبيرة من الخطورة والحساسية ،
مما يستدعي الإسراع في المبادرة إلى عملية التصحيح هذه
.
|