|
مأساة الزهراء عليها السلام ج 1 - العلامة
السيد جعفر مرتضى العاملي - ص
89 |
|
الاختصاص وكتاب سليم
ومن المؤاخذات التي
أشيعت : إن من بين المصادر التي اعتمدناها كتاب
الاختصاص ، وكتاب سليم بن قيس ، وليس بالضرورة أن يكون
هذان الكتابان معتمدين لدى أولئك الذين يثيرون هذه
القضايا ، مع رجوع أكثر الروايات الدالة على قضية
الزهراء ( ع ) إلى هذا الثاني .
ونقول :
1 - إن
المصادر التي سجلت الأحداث التي جرت على الزهراء لا
تنحصر في هذين الكتابين ، ولا تنتهي إليهما ، وإن أدنى
مراجعة لكتابنا : " مأساة الزهراء ( ع ) " ولأسانيد
ومضامين الروايات التي أوردناها فيه ، والتي رواها أهل
السنة والشيعة . . كفيلة بإظهار خطأ هذا القول وفساده
.
حيث يظهر للمتأمل أن الروايات متضافرة ، ومتواترة ،
قد رويت من طرق مختلف المذاهب .
وما روي عن كتاب سليم
لا يزيد على نصوص يسيرة ، ربما لا تتجاوز عدد أصابع
اليد الواحدة .
واختلاف الروايات في سياق الخبر ، وفي
رجال الأسانيد شاهد صدق على أن النقل لم يكن من كتاب
واحد ، هو كتاب سليم الذي قد تجد لدى البعض حساسية
خاصة تجاهه .
2 - أما بالنسبة لكتاب الاختصاص فنقول : إن
نفس ذلك البعض قد اعتمد على هذا الكتاب مصرحا بنسبته
إلى الشيخ المفيد . ( 1 ) وقد تحدثنا في كتاب المأساة
عن الشبهات التي أثيرت وحوله وقد ظهر أنها كلها مما لا
يصح الالتفات إليه .
3 - إن توثيق كتاب سليم بن قيس ،
وقبول رواياته لا يتوقف على توثيق الطريق إليه بصورة
صريحة ومباشرة ، إذ يكفي لقبول رواياته تلقي العلماء
له بالقبول والرضا ، والأخذ منه واعتمادهم الظاهر عليه
مع عدم التفاتهم إلى ما يقال حول رجال الطريق إليه ،
شاهد قوي على أن هذا الكتاب فوق مستوى النقد ، وأن له
من الثبات ، والقوة ما قد قامت القرائن عندهم على صحته
إلى درجة أنه لم يكن ثمة أية شبهة يعتد بها يمكن أن
تخدش عندهم في صحته . . وإذا ما ناقش بعضهم في إحدى
الروايات فيه ، فهو كمناقشاتهم في بعض الروايات التي
في الكافي ، أو التهذيب ، كما صرح بذلك الإمام الخوئي
رحمه الله في معجم رجال الحديث .
بل إن المعيار - بنظر
نفس ذلك البعض ، الذي نحن بصدد مناقشة مقولاته - هو
الخبر الموثوق ، لا خبر الثقة ، فلا حاجة عنده إلى
وثاقة الطريق . إذ يكفي وثاقة المضمون والاطئمنان إليه
، وما ذكره مبررا للشك في المضمون من استحسانات عقلية
،
| |
( 1 ) راجع : تأملات في آفاق
الإمام الكاظم ( ع ) : ص 40 . ( * ) |
|
|
لا ينهض على مطلوبه كما أوضحناه في كتاب
المأساة ، وأشار إليه الإمام الخوئي في معجم رجال
الحديث .
والحاصل : إننا قد قلنا : إن كتاب سليم قد
تلقته الأمة بالقبول والرضا . كما تلقت غيره من كتب
الإمامية المعتمدة ، وإن كان بعض العلماء قد ناقش ببعض
ما ورد فيه من روايات . . وهذا هو ما قصده آية الله
العظمى السيد الخوئي رحمه الله حين دافع عن مضمون
الكتاب تارة ، ثم حكم بضعف الطريق إليه أخرى وإنما صدر
منه ( ره ) ما صدر باعتبار كونه قائلا بحجية خبر الثقة
لا الخبر الموثوق .
ولعمري . . إن من يقرر الأخذ
بروايات أهل السنة من دون تحفظ أو تدقيق في أسانيدها (
1 ) ، إذا حصل له الوثوق بصحة مضمونها وانعدمت في نظره
دواعي الكذب فيها ، لا يحق له النقاش في كتاب سليم
الذي هو من أهم الكتب التي تلتزم أصول المذهب الحق ،
ولا تشذ عنها .
ثم إنه كيف يحصل له الوثوق بمرويات كتب
أهل السنة في الأمور الفقهية بحجة أنه لا داعي للكذب
فيها ، ولا يحصل له الوثوق في كتب أهل السنة أيضا وفي
أمور ذكروها عن أشخاص لا يحبون إدانتهم في شئ ، مع عدم
وجود داع للكذب فيها أيضا ، بل الداعي يسوقهم إلى عدم
التصريح بتلك الأمور ،
| |
( 1 ) كتاب النكاح : ج 1
ص 58 . ( * ) |
|
|
وعدم ذكرها ؟ ! ! ! انطلق بطريقة غير شرعية
: وعدا عن ذلك كله ، فإن أطرف ما سمعناه عن كتاب
المأساة هو ما ذكره البعض حين سئل عن الكتاب فقال : "
لا أعلق على هذا الكتاب ، أنا لا أرد على كثير من
الأشياء التي تنطلق بطريقة غير شرعية ، وغير مسؤولة "
.
ولم يتضح لنا المراد من هذه الإجابة ، فهل يعني
بالطريقة غير الشرعية أن الكاتب بدل أن يمسك القلم
باليد اليمنى أمسكه باليد اليسرى ؟ أو أنه قد كتب بحبر
مغصوب ، وقلم مغصوب على ورق مغصوب ؟ أو أننا بدل أن
نبدأ من أعلى الصفحة بدأنا من أسفلها .
ولماذا لا يقال
: إن الشتائم والاتهامات الباطلة التي توجه للآخرين
بمناسبة وبغير مناسبة هي الأخرى تنطلق بطريقة غير
شرعية ؟ ! أم أن باء البعض تجر وباء غيره لا تجر ؟ ! !
وهل ما قاله وكتبه الآخرون كردود على كتاب " مأساة
الزهراء " من أباطيل وأكاذيب ، وتزوير للحقائق ،
وخيانة للأمانة ، وإيهام للناس وتلبيس عليهم ، وسائر
ما اشتملت عليه كتبهم ومقالاتهم من شتائم وافتراءات ،
ثم توزيع ما كتب مجانا ، وإثارة
ضجة إعلامية للترحيب به ؟ ؟ هل أن كل ذلك قد
انطلق بطريقة شرعية ؟ ! ! إننا نريد أن لا ندري ولعل
الفطن الذكي يعرف ويدري .
توثيق النصوص : وقد واجهنا
بعض العتب من إخوة لنا على عدم توثيق أقوال ذلك البعض
، بنسبة تلك الأقوال إلى مصادرها ، أو تواريخ صدورها ،
أو إذاعتها ، على اعتبار أن ذلك من الأمور الفنية التي
تكمل الكتاب ، وتبعث على طمأنة القارئ بصحة تلك النسبة
إلى صاحبها .
ونقول : إننا لم نجد حاجة إلى ذلك لأسباب
:
أولها : إننا لم نرد التركيز على الأشخاص ، حنى لا
ينسب ذلك إلى الاستهداف الشخصي لأحد من الناس .
ثانيها
: إننا أردنا أن لا نساهم في ذيوع نسبة هذا الأمر إلى
هذا البعض أو ذاك ، أكثر مما ذاع ، وذلك صيانة له عن
التعرض لما
لا نحب أن يتعرض له . وصيانة لبعض الطيبين
من الناس من الوقوع في الشبهة والخطأ .
ثالثها : إن ما
ذكرناه في كتابنا قد أصبح له من الشهرة والذيوع ما
يغني عن الإحالة إلى مصادره ومآخذ . ولا نظن ، أن
يتمكن ذلك البعض من إنكار أي من مقولاته التي أشرنا
إليها ، وهو أعرف الناس بنوع وحجم ما صدر عنه من
تصريحات مكتوبة ، ومسجلة ، ومذاعة ، يتداولها الناس ،
في أطراف العالم الإسلامي ، وفي البلاد التي يتواجد
فيها المسلمون . . ومن المضحك المبكي : أن نجد بعض من
يريد الانتصار لصاحب تلك المقولات يطالبنا في موارد
يسيرة جدا بمصادر ما نقلناه .
ولو أنه راجع كتابات
صاحبه ، أو تصريحاته المنشورة والمتداولة ، فلربما
أغناه ذلك عن التفوه بما تفوه به .
لا داعي لأي تغيير
: وبعد . . فقد نجد البعض يقترح : أن في تمهيد الكتاب
بعض الحدة ، فلو أمكن تخفيفها في الطبعات التالية
للكتاب ؟
ونقول : إن تمهيد الكتاب إنما هو إجابات على
مقولات أطلقها البعض في سياق إقناع الناس بآرائه حول
قضية الزهراء ( ع ) .
وقد جاء الجواب عن هذه المقولات علميا واضحا
وصريحا ، ولم نجد ضرورة للتعمية على القارئ الكريم ،
بعد أن كانت هذه المقولات قد نشرت وأذيعت عبر أجهزة
الإعلام .
ولا نجد في هذا التمهيد أي سباب لأحد .
اللهم إلا إذا كانت الحقيقة العلمية تمثل صدمة لهم ،
ويعتبرون الجهر بها أو الإجابة عنها سبابا وشتما .
ولماذا جاز لذلك البعض أن يعترض على كل علماء الأمة ،
من أول الإسلام إلى يومنا هذا ويجرح فيهم ، وينال منهم
؟ ثم جاز له أن يواصل اتهام العلماء المخلصين بالتخلف
وبسوء الفهم ، وبالعقد النفسية ، وبالعمالة للمخابرات
، أو الوقوع تحت تأثيرها ، وبأنهم بلا دين ، وما إلى
ذلك مما حفل به قاموسه ؟ .
ولم يجز للآخرين أن يجهروا
- جوابا على ذلك - بالحقيقة العلمية المبددة لكل
شكوكهم وأوهامهم ، وأن يوقفوهم على أخطائهم في حق هذا
الدين بصورة صريحة وواضحة ؟ ! .
أليس ذلك البعض هو
الذي تحدث عن هذه الأساليب على أنها أساليب الكفار في
مواجهة النبي ( ص ) والمؤمنين ؟ فهو يقول : " فقد
نحتاج إلى أن نتعلم من هذا الموقف : كيف نواجه
الاتهامات التي تتحرك بها حرب الأعصاب التي يوجهها
أعداء الله إلى العاملين في سبيله : من السخرية ،
والاستهزاء ، والاتهامات بالرجعية ، والتأخر ، والتخلف
، والبعد عن ركب
الحضارة ، ومستوى العصر ، إلى غير ذلك من
الكلمات غير المسؤولة التي تتمثل بتهمة العمالة
للأجنبي ، أو السير في ركابه ، مما يراد منه تحطيم
أعصابنا لننسحب من خط العمل ، ونترك الدعوة إلى الله .
. " ( 1 ) .
ويقول أيضا : " إننا نجد إلى جانب
المفردات الدينية من كفر وزندقة وهرطقة كلمات كالرجعية
والخيانة ، والعمالة ، والسقوط ، وما إلى ذلك ، مما
جعلنا نستهلك جماع القاموس المتوافر حتى أصبحنا نفزع
إلى قاموس المفردات الأجنبية من إنكليزية وفرنسية
ككلمة نازي ، فاشي ، توتاليتاري ، وما أشبه ذلك .
لذلك
بت أتصور أن الحدة التي يعيشها الإنسان الديني المسلم
في الشرق ، هي الحدة نفسها التي يعيشها الإنسان
العلماني في هذا الشرق ، لا سيما ما يتصل بالمفردات
التي تدور حول موضوعات عامة كالتقدمية والرجعية أو
الكلمات التي تدور حول المسائل السياسية المباشرة .
من
خلال ذلك نفهم أن هذه الظاهرة ليست ظاهرة دينية محضة
بما هو المضمون الديني في العمق ، وإن كان له دور في
ذلك ، ولكنها ظاهرة تتصل بالحالة الانفعالية الشرقية
التي
| |
( 1 ) رسالة التآخي : رقم 1 من دروس السيرة النبوية .
في ذكر المولد : ص 22 و 23 . ( * ) |
|
|
استطاعت الماركسية أن تزيدها عمقا ، من خلال
الأسلوب الماركسي في مواجهة الفكر المضاد أو الإنسان
المضاد .
وإنني أزعم بأن الإسلاميين عندما لجأوا إلى
بعض الأساليب الحادة فإنهم كانوا في المسألة السياسية
، يختزنون الأسلوب الماركسي في ممارستهم للإسلام ( 1 )
.
وبعدما تقدم نقول : إننا لا ندري كيف جاءت هذه
الكلمات لتجعلنا أمام سؤال حرج ، عن وجه الحكمة في أن
يمارس بعض المؤمنين ضد بعضهم ، الأساليب التي يمارسها
أعداء الله ضد المؤمنين ؟ ! وقبل أن أختم كلامي هنا ،
فإنني أذكر القارئ الكريم بأمور ثلاثة :
الأول : أنني
أعده بأن يشهد من جديد هجمة شرسة علينا فيها الكثير من
الشتائم ، والاتهامات ، وإثارة الأجواء وتعبئة النفوس
ضدنا بحجة أن ثمة تجريحا بشخص فلان من الناس ، وبحجة
أن الطرح لم يكن علميا ولا موضوعيا .
الثاني : ستجدهم
يتمسكون بأمور صغيرة وجانبية للتعمية على الموضوعات
الحساسة والهامة وتمييع القضايا .
| |
( 2 ) المرشد : العددان
3 - 4 ص 198 و 199 . ( * )
|
|
|
الثالث : أنهم سيعتبرون هذا الدفاع المشروع
عن الحق والحقيقة إثارة للفتنة من جانب واحد ، علما
بأننا لم نتعرض إلى مقولاته الكثيرة في مختلف قضايا
الدين والإيمان وهي حساسة وخطيرة كما المحنا إليه .
ولسوف لن يتذكروا الإثارات المتتابعة وبمزيد من
الإصرار من قبله والتحدي لعلماء الأمة ومراجعها لتلك
القضايا الحساسة والهامة . التي أشرنا إليها أكثر من
مرة ، وإن غدا لناضره لقريب .
عصمنا الله من الزلل في
الفكر والقول والعمل .
نسأل الله سبحانه أن يجمعنا على
الخير والهدى والصلاح وهو حسبنا ونعم الوكيل .
27 ربيع
الثاني 1418 ه . الموافق 31 آب 1997 م .
جعفر مرتضى
العاملي
|