|
مأساة الزهراء عليها السلام ج 1 - العلامة
السيد جعفر مرتضى العاملي - ص
47 |
|
سيدة نساء العالمين :
من الواضح : أن التنظير ، وإعطاء
الضابطة الفكرية ، أو إصدار الأحكام لا يعطي الحكم أو
الفكرة أو الضابطة من الثبات والقوة و التجذر في
النفوس ما يعطيه تجسيدها ، وصيرورتها واقعا حيا
ومتحركا ، لأن الدليل العقلي أو الفطري مثلا قد يقنع
الإنسان ويهيمن عليه ، ولكن تجسد الفكرة يمنح الإنسان
رضا بها ، وثقة وسكونا إليها ، على قاعدة : * ( قَالَ
أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ
قَلْبِي ) * ( 1 )
.
فالقناعة الفكرية والعقلية والعملية ، التي تستند
إلى البرهان والحجة القاطعة متوفرة وليس فيها أي خلل
أو نقص ، ولكن سكون النفس قد يحتاج إلى تجسيد الفكرة
في الواقع الخارجي ليتلائم السكون النفسي ويتناغم مع
تلك القناعة الفكرية والعقلية الراسخة ، ليكونا معا
الرافد الثر للمشاعر والأحاسيس .
وقد كانت الزهراء
عليها السلام أول امرأة تجسدت فيها الأسوة
| |
( 1 ) سورة البقرة : 260
. ( * ) |
|
|
والنموذج والمثل الأعلى لكل نساء العالمين ،
بعد مسيرة طويلة للإنسانية ، كمل فيها عدد من النساء
حتى كانت فاطمة ذروة هذا الكمال .
وكما تجسد الإنسان
الكامل بآدم عليه السلام أولا ليكون واقعا حيا ، يعيش
إنسانيته بصورة متوازنة ، لا عشوائية فيها ، يعيشها
بكل خصائصها وميزاتها ، وبكل خلوصها وصفائها وطهرها ،
وبكل طاقاتها : فكرا ، وعقلا ، وأدبا ، وحكمة ،
وتدبيرا ، حتى كان أسوة وقدوة للبشر كلهم من حيث هو
آدم النبي والإنسان ، لا آدم التراب من حيث هو تراب ،
بل التراب الذي أصبح إنسانا كاملا بما لهذه الكلمة من
معنى .
واستمرت المسيرة نحو الكمال في الإنسانية ،
فكمل رجال أنبياء ( ع ) كثيرون ، وكملت أيضا نساء ،
مثل آسية بنت مزاحم ، ومريم ، وخديجة ( ع ) ، ثم بلغ
الكمال أعلى الذرى في رسول الله صلى الله عليه وآله ،
الرجل ، وفي الزهراء المرأة ، ولم تستطع أهواء النفس
وشهواتها ، وكذلك الطموحات والغرائز وغير ذلك من
مغريات وتحديات ، بالإضافة إلى الضغوطات البيئية
والاجتماعية وغيرها ، ثم بغي وجبروت الطواغيت ، لم
يستطع ذلك كله أن يمنع الإنسان من أن يجسد إنسانيته ،
ويعيش حياة الإيمان ، وحياة الكمال والسلام الشامل .
وكانت أسوة بني البشر وقدوتهم هذه النماذج الماثلة
أمامهم التي استطاعت أن تقنع الإنسان بأن عليه أن
يتحدى ، وأن يواجه ، وأن يقتحم ، وأن باستطاعته أن
ينتصر أيضا ، ومثله الأعلى هم الأنبياء والأولياء بدءا
من آدم ، وانتهاء برسول الله ( ص ) وأهل بيته الطاهرين
، فهو لا يتلقى الفكرة فقط ، بل هو يرى الحركة والموقف
في الرسول والوصي ، والولي .
ولأجل ذلك فهو لم يقتصر على الأمر والزجر
كما في قوله تعالى : * ( وَمَا
آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ
فَانتَهُوا ) * ( 1 ) ، بل تعداه ليقول : * (
لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ
أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) * ( 2 ) ، فهو يريه
الحركة والموقف والصفاء والطهر متجسدا أمامه في النبي
والوصي ، وفي نسوة واجهتهن أعظم المحن والبلايا كامرأة
فرعون ، وفي الزهراء فاطمة ( ع ) ، وحيث واجهتها أجواء
الانحراف والشدة والظلم ، وفي مريم بنت عمران التي
واجهت ضغوط البيئة في أشد الأمور حساسية بالنسبة لجنس
المرأة بصورة عامة .
| |
( 1 ) سورة الحشر : 7 . |
( 2 ) سورة الأحزاب : 21
. ( * )
|
|
|
|