|
مأساة الزهراء عليها السلام ج 1 - العلامة
السيد جعفر مرتضى العاملي - ص
49 |
|
النشاط الاجتماعي للزهراء عليها السلام
:
قد يورد البعض ملاحظة ذات مغزى ! تقول : " إننا لا
نجد في التاريخ ما يشير إلى نشاط اجتماعي للسيدة فاطمة
الزهراء في داخل المجتمع الإسلامي إلا في رواية أو
روايتين " .
وتعليقا على هذا نقول : كل زمان له
متطلباته وتقنياته ، وأطر نشاطه . وإنما يطالب كل من
الرجل والمرأة ويحاسب وفقا لذلك ، ويتم تقويم نشاطاته
أيضا على هذا الأساس ، من حيث حجم تأثيرها في الواقع
الإسلامي كله .
وبالنسبة لعصر النبوة ، فإن تعليم
الزهراء القرآن للنساء ، وتثقيفهن بالحكم الشرعي ،
وبالمعارف الإلهية الضرورية . ثم مشاركتها الفاعلة
والمؤثرة في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى في المواقع
المختلفة ،
حتى في المباهلة مع النصارى . ثم دورها
الرائد في الدفاع عن القضايا المصيرية ، ومنها قضية
الإمامة . ثم خطبتها الرائعة في المسجد ، التي تعتبر
مدرسة ومعينا يرفد الأجيال بالمعرفة . . . هذا ، عدا
عن إسهامها المناسب لشخصيتها ولقدراتها ، ولظروفها في
حروب الإسلام المصيرية .
وعدا عن طبيعة تعاملها مع
الفئات المحتاجة إلى الرعاية كاليتيم ، والأسير ،
والمسكين ، وهو ما خلده الله سبحانه قرآنا يتلى إلى
يوم القيامة . وأعظم من ذلك كله . . موقفها القوي
والمؤثر ، الذي وظفت فيه حتى فصول موتها ودفنها لصالح
حفظ ثمرات الجهاد ، في سبيل قضية الإسلام الكبرى ،
تماما فعلته ابنتها زينب ( ع ) في نطاق حفظها القوي
والمؤثر لثمرات الجهاد والتضحيات الجسام للإمام الحسين
عليه السلام وصحبه في كربلاء . . نعم ، إن ذلك كله ،
ونظائره ، يدل على أن الزهراء ( عليها السلام ) ، قد
شاركت في العمل الإنساني ، والسياسي ، والثقافي ،
والإيماني بما يتناسب مع واقع ، وحاجات ، وظروف عصرها
.
وفي نطاق أطر نشاطاته ، وفقا للقيم السائدة فيه . .
وقد حققت إنجازات أساسية على صعيد التأثير في حفظ
الدعوة ، وفي نشرها ، وتأصيل مفاهيمها ، وسد الثغرات
في مختلف المجالات التي تسمح لها ظروف ذلك العصر
بالتحرك فيها .
وهنا الذي حققته قد لا يوازيه أي إنجاز
لأية امرأة عبر التاريخ ، مهما تعاظم نشاطها ، وتشعبت
مجالاته ، وتنوعت مفرداته ، لأنه استهدف تأصيل الجذور
. فكان الأبعد أثرا في حفظ شجرة الإسلام ، وفي منحها
المزيد من الصلابة والتجذر ، والقوة . وفي جعلها أكثر
غنى
بالثمر الجني ، والرضي ، والهني . . فيتضح
مما تقدم : أن الاختلاف في مجالات النشاط وحالاته ،
وكيفياته بين عصر الزهراء عليها السلام وهذا العصر ،
لا يجعل الزهراء في دائرة التخلف والنقص والقصور .
ولا
يجعل إنجاز المرأة في هذا العصر أعظم أثرا ، وأشد خطرا
. حتى ولو اختلفت متطلبات الحياة ، واتسعت وتنوعت آفاق
النشاط والحركة فيها . . لأن من الطبيعي أن يكون عصر
التأصيل لقواعد الدين . والتأسيس الصحيح لحقائق
الإيمان ، وقضايا الإنسان المصيرية هو الأهم ، والأخطر
، والانجاز فيه لا بد أن يكون أعظم وأكبر . .
وهكذا
يتضح : أنه لا معنى للحكم على الزهراء عليها السلام
بقلة النشاط الاجتماعي في عصرها قياسا على مجالات
النشاط للمرأة في هذا العصر . .
وبعد ما تقدم فإننا
نذكر القارئ الكريم بالأمور التالية :
أولا : ليته ذكر
لنا الرواية أو الروايتين لنعرف مقصوده من النشاط
الاجتماعي . فإن كان المقصود به هو أنها قد تخلفت عن
وظيفتها ولم تقم بواجبها كمعصومة وبنت نبي ، وزوجة ولي
.
فقد كان على خصومها أن يعيبوها بذلك وكان على أبيها
وزوجها أن يسددوها في هذا الأمر وإن كان المقصود
بالنشاط في داخل المجتمع الإسلامي هو إنشاء المدارس ،
والمؤسسات الخيرية ، أو تشكيل جمعيات ثقافية ، أو
خيرية ، أو إقامة ندوات ، واحتفالات ، أو إلقاء
محاضرات ، وتأليف كتب تهدى أو تباع ، فإن من الممكن أن
لا تكون الزهراء ( عليها السلام ) قد قامت بالكثير من
هذا النشاط كما يقوم به بعض النساء اليوم ، ولا يختص
ذلك بالزهراء عليها السلام ، بل
هو ينسحب على كل نساء ذلك العصر ، والعصور
التي تلته .
فإن طبيعة حياة المجتمع وإمكاناته وكذلك
طبيعة حياة المرأة آنذاك كانت تحد من النشاط الذي
يمكنها أن تشارك فيه إلا في مجالات خاصة تختلف عن
المجالات في هذه الأيام ، بقطع النظر عن المبررات
الشرعية التي ربما يتحدث عنها البعض بطريقة أو بأخرى .
أما إذا كان المقصود هو أن التاريخ لم يذكر : أنها
كانت تجهر بالحق ، لمن أراد معرفة الحق ، ولا تقوم
بواجباتها في تعليم النساء وتوجيههن وفي صيانة الدين ، وحياطته ، على مستوى قضايا الإسلام الكبرى ، وغيرها
خصوصا ما أثير عنها من معارف نشرتها ، حتى ولو في ضمن
أعمالها العبادية وغيرها .
فإن ما أنجزته في هذا
المجال كالنار على المنار ، وكالشمس في رابعة النهار .
وإن خطبتها في مسجد النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم )
، ومع نساء الأنصار تعتبر بحد ذاتها مدرسة للأجيال ،
ومنبعا ثرا للمعرفة على مدى التاريخ لو أحسن فهمها ،
وصحت الاستفادة منها .
هذا مع وجود أبيها رسول الله (
صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وابن عمها أمير المؤمنين
عليه السلام ، اللذين هما محور الحركة الاجتماعية ،
والإنسانية والإسلامية وكان نشاطها ( ع ) جزءا من
مجموع النشاط العام الذي كان آنئذ .
على أن قوله " إلا
في رواية أو روايتين " يبقى غير واضح وغير دقيق .
فهناك العديد من الروايات التي ذكرت مشاركتها في أنشطة
مختلفة ، اجتماعية وسياسية وثقافية وتربوية ، وقد
ذكرنا بعضا من ذلك فيما سبق ، بل إن بعض الروايات تذكر
: أنها كانت تشارك حتى في مناسبات غير المسلمين . وذلك
حينما دعاها بعض اليهود إلى
حضور عرس لهم . وثمة رواية تحدثت عن ذلك
الأعرابي الذي أعطته عقدها ، وفراشا كان ينام عليه
الحسن والحسين ( ع ) ، فاشتراهما عمار بن ياسر . . .
في قصة معروفة .
بل إن الله سبحانه قد تحدث أنها وأهل
بيتها ( ع ) من طبيعتهم إطعام الطعام على حبه مسكينا
ويتيما وأسيرا . وحين خطبت خطبتها في المسجد جاءت في لمة من النساء كانوا يؤيدونها في ما تطالب به ، بل
ويتحدث البعض عن وجود تكتل نسائي لها ( ع ) في مقابل
تكتلات مناوئة .
هذا كله عدا عن أن اهتمامها ( بالجار
قبل الدار ) يعطينا صورة عن طبيعة اهتماماتها ، وأنها
لو وجدت أية فرصة لأي نشاط اجتماعي أو نشاط إنساني أو
ثقافي فستبادر إليه بكل وعي ومسؤولية وحرص .
وثانيا :
إن تأكيدات النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم )
للمسلمين بصورة مستمرة قولا وعملا ، على ما لها من
مقام ودور ، وموقع في الإسلام والإيمان ، والمعرفة ،
قد جعل لها درجة من المرجعية للناس ، وأصبح بيتها
موئلا للداخلات والخارجات ( 1 ) وكان " . . يغشاها
نساء المدينة ، وجيران بيتها ( 2 ) " . وصار الناس
يقصدونها لتطرفهم بما عندها من العلم والمعرفة ( 3 ) .
| |
( 1 ) شرح نهج البلاغة للمعتزلي الشافعي : ج 9 ص 198 .
( 2 ) المصدر السابق : ج 9 ص 193 .
( 3 ) ستأتي حين الحديث عن " مصحف فاطمة " قصة مجئ أحدهم
يطلب منها شيئا تطرفه به ، فطلبت صحيفة كان رسول الله
( ص ) قد أعطاها إياها ، فلم تجدها في بادئ الأمر .
فانتظر . ( * ) |
|
|
وكان النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم )
نفسه يوجه حتى بأصحاب الحاجات المادية إلى بيت فاطمة (
عليها السلام ) ، كما في قضية الإعرابي الذي أعطته
عقدها ، وفراشا للحسنين كما أسلفنا .
وكان الناس
يترددون عليها لطلب المعرفة أيضا ، وكل ذلك من شأنه أن
يملأ حياتها عليها السلام بالحركة والنشاط ، الذي يضاف
إلى نشاطاتها البيتية ، حيث كانت تطحن حتى مجلت يداها
. .
ثالثا : إنه لا يمكن تقييم إنسان ما على أساس
إنجازاته ونشاطاته الاجتماعية ، أو ذكائه السياسي ،
فهناك أذكياء سياسيون كثيرون ، ولكنهم لا يتمتعون
بالقيمة الحقيقة للإنسان ، لأن النشاط الاجتماعي
والذكاء لا يعطي الموقف السياسي أو غيره قيمة ، وإنما تتقوم السياسة بمنطلقاتها ومبادئها ، وهي إنما تؤخذ من
المعصوم : كالنبي والوصي ، ومن الزهراء أيضا .
فهي
عليها السلام تحدد لنا ما به تكون القيمة للسياسة ، أو
لأي عمل آخر ، اجتماعيا كان أو غيره ، ولا تكتسب
الزهراء قيمتها من سياساتها ، أو من نشاطاتها
الاجتماعية ، وإلا لكان بعض المجرمين أو المنحرفين
أعظم قيمة حتى من الأنبياء ، والأولياء ، والأصفياء ،
إذا قام بنشاط اجتماعي أو سياسي كبير ، بسبب توفر
المال ، أو الجاه ، أو السلطة له ، مع عدم توفر ذلك
للنبي أو الولي عليهم السلام .
والحقيقة : أن قيمة
الإنسان إنما تنبع من داخل ذاته ، ومن قيمه التي
يجسدها ، ومن مثله وإنسانيته ، ومن علمه النافع المنتج
للتقوى والخشية من الله سبحانه ، وما سوى ذلك فهو في
سياق الأسباب والنتائج ، وقد يكون في الطرف الآخر من
المعادلة .
رابعا : إننا لا بد أن نتحقق أولا من حقيقة
موقع الزهراء عليها
السلام فيما يرتبط بإيمان الإنسان المسلم ،
ونتحقق أيضا من حقيقة المهام التي يفترض فيها أن تضطلع
بها في تأييد هذا الدين وتشييده ، فنقول : إن ولاء
الإنسان المسلم للنبي والأئمة والزهراء ( ع ) له دور
أساسي ومفصلي في بلورة إيمانه ، وتحقيق هويته وشخصيته الرسالية والإنسانية ، فوجود الزهراء - المرأة - التي
ليست هي بإمام ولا نبي ، بصفتها المرأة الكاملة في
إنسانيتها هو الذي نحتاجه كضرورة حياتية ، واعتقادية ،
وسلوكية ، وحتى منهجية في حياتنا ، أما نشاطها
الاجتماعي أو السياسي ، فليس له هذه الدرجة من الأهمية
أو الحساسية مع وجود أبيها وزوجها .
إننا نحتاج إلى
هذا الوجود لنرتبط به ، وتحنو عليه قلوبنا ، وهو يجسد
لنا القيم والمثل ، والكمال الإنساني الذي نحتاج إليه
هو الآخر ، لتحتضنه قلوبنا من خلال احتضانها للزهراء (
ع ) ، وليسهم - من ثم - في بناء عقيدتنا ، وتركيز
المفاهيم الإسلامية والقيم والمثل في قلوبنا وعقولنا ،
لتنتج ولتصوغ عواطفنا وأحاسيسنا وكل وجودنا ، هذا هو
دور فاطمة عليها السلام ، وليس دورها ودورهم هو بناء
المؤسسات ، أو إنشاء الجمعيات الخيرية أو الإنسانية ،
أو ما إلى ذلك ! ! .
خامسا : إنه لا شك في أن للزهراء
عليها السلام الدور الكبير والحساس في بقاء هذا الدين
ونقائه ، ولولاها لطمست معالمه وعفيت آثاره ، فالزهراء
هي نافذة النور ، وهي برهان الحق ، وهي - كما هو زوجها
. علي أمير المؤمنين ( ع ) - مرآة الإسلام التي تعكس
تعاليمه ، وأحكامه ، ومفاهيمه ، ونظرته للكون وللحياة
. فهي مع الحق يدور معها كيفما دارت وتدور معه كيفما
دار .
إنها المعيار والميزان الذي يوزن به إيمان
الناس ، ودرجة استقامتهم على طريق الهدى والخير
والخلوص والاخلاص . ونعرف به رضا الله ورسوله ، وغضب
الله ورسوله ( ص ) .
وهذا ما يشير إليه قول النبي
الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم : هي بضعة مني وهي
قلبي الذي بين جنبي ، من آذاها فقد آذاني ومن آذاني
فقد آذى الله ، أو يرضيني ما أرضاها ويسخطني ما أسخطها
، أو نحو ذلك .
والملاحظ : أنه ( ص ) قد جعل المرتكز
لمقولة يرضيني ما يرضيها أو من آذاها فقد آذاني هو
كونها بضعة منه ( ص ) ( 1 ) .
| |
( 1 ) هذا الحديث لا ريب في تواتره وصحته . وصرح
بتواتر نقله بين الفريقين الشيخ جعفر كاشف الغطاء في
كتابه المعروف كشف الغطاء : ص 12 فراجعه . وبما أن هذا
الحديث قد ذكر في مختلف المصادر التي تحدثت عن الزهراء
، فإن استقصاء مصادره متعسر لنا الآن بل متعذر ، ولا
نرى حاجة إلى ذلك ، ولذا فسوف نكتفي هنا بذكر ما تيسر
منها .
ومن أراد المزيد ، فعليه بمراجعة الكتب التي تتحدث عن
سيرة الزهراء ( ع ) أو عن كراماتها ومزاياها ، فسيجد
هذا الحديث أمامه أينما توجه . أما المصادر التي نريد
الإشارة إليها فهي التالية :
فرائد السمطين : ج 2 ص 46 ، ومجمع
الزوائد : ج 9 ص 203 ، ومقتل
الحسين للخوارزمي : ج 1 ص 52 و 53 ، وكفاية
الطالب : ص 364 و 365 ، وذخائر
العقبى : ص 37 و 38 و 39 ، وأسد
الغابة : ج 5 ص 522 ، وصحيح
البخاري ، وصحيح مسلم
، وينابيع المودة : ص
173 و 174 ، و 179 و 198 ، ونظم
درر السمطين : ص 176 ، و 177 ومستدرك
الحاكم : ج 3 ص 154 و 158 و 159 ، وتلخيصه
للذهبي مطبوع بهامشه ، وكنز
العمال : ج 13 ص 93 و 96 و ج 6 ، ص 219 ، و ج 7
ص 111 ، والغدير : ج 7 ص
231 - 236 ، وسير أعلام النبلاء
: ج 2 ص 132 والصواعق المحرقة
: ص 186 و 188 وشرح المواهب
للزرقاني : ج 4 ص 335 وغير ذلك كثير . ( * ) |
|
|
ومن الواضح : أن كونها جزءا من كيانه الجسدي
والمادي من حيث بنوتها النسبية له ، ليس هو السبب في
كون ما يرضيها يرضيه ، وذلك لأمرين :
الأول : إنه ( ص
) لا ينطلق في مواقفه من موقع العصبية للقرابة أو
للعرق أو ما إلى ذلك ، بل هو ( ص ) إنما يريد أن يكون
كل ما لديه من خصوصيات ، أو امتيازات ، أو قدرات مادية
أو معنوية في خدمة هذا الدين ، ومن أجله ، وفي سبيله .
الثاني : إن البنوة النسبية أو بالتبني لا تكفي بحسب
طبيعتها لاكتساب امتياز بهذا المستوى من الخطورة ، وإن
كانت لها أهميتها من حيث أنها تشير إلى صفاء العنصر ،
وطهارة العرق ، لأنها ( ع ) كانت نورا في الأصلاب
الشامخة ، والأرحام المطهرة ، ولكن من الواضح إن
الحفاظ على هذا الطهر بحاجة إلى جهد ، وحين لم يبذل
ابن نوح ( ع ) - الذي تحدثت بعض الروايات عن أنه ابن
له ( ع ) بالتبني لا بالولادة ( 1 ) - هذا الجهد هلك
وضل ، حتى قال الله عنه لأبيه نوح : * (
إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ
إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ) * ، ولذلك لم يكن رضا ابن نوح
رضا الله ورسوله ، ولا غضبه غضب الله ورسوله .
فالمراد بكونها ( بضعة منه ) لا بد أن يكون معنى يصلح
أن يكون مرتكزا لكون رضاها رضاه ( ص ) ، وأذاها أذاه ،
خصوصا مع علمنا بأنه ( ص ) قد قال ذلك حينما أجابت عن
سؤال : ما خير للمرأة ؟ فقالت : أن لا ترى الرجال ولا
يراها الرجال ، كما سيأتي
| |
( 1 ) فلا موقع لما يقوله البعض من أن العاطفة الأبوية
لنوح قد أثرت عليه فانساق معها حتى إنه لم يلتفت لخطاب
الله له بهذا الشأن . راجع :
البرهان في تفسير القرآن : ج 2 ص 220 . ( * ) |
|
|
إن شاء الله تعالى .
أو أنه ( ص ) قد قال
ذلك لعلي ( عليه السلام ) بحضور أولئك الذين تسببوا في
أذى فاطمة ( عليها السلام ) ، حين أخبروها بأنه قد خطب
بنت أبي جهل . فقال له علي ( ع ) : والذي بعثك بالحق
نبيا ما كان مني مما بلغها شئ ، ولا حدثت بها نفسي .
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : صدقت وصدقت .
ففرحت فاطمة عليها السلام بذلك وتبسمت حتى رأى ثغرها .
فقال أحد الرجلين لصاحبه : ما دعاه إلى ما دعانا في
هذه الساعة الخ . . . ( 1 ) فالنبي إذن أراد أن يقول
لمن أخبر فاطمة هذا الخبر الكاذب أنه آذاها وآذاه .
ومهما يكن من أمر ، فإن المراد بهذه الكلمة لا بد أن
يكون معنى منسجما مع كون أذاها أذاه . وهو أن مزاياها
من مزايا رسول الله ( ص ) وكمالها من كماله ، فالحديث
عنها بما هي جزء من كيان النبي ( ص ) ووجوده الإنساني والرسالي بكل ميزاته ، ودقائقه ، وخصوصياته التفصيلية
، كإنسان إلهي كامل ، يمثل الإنسانية والفطرة ،
والكمال والصفاء ، والحق والصدق ، بأجلى وأدق هذه
المعاني وأسماها .
وواضح أن فاطمة إنما تغضب إذا
انتقصت الإنسانية ، والقيم واعتدي عليها ، وترضى إذا
كرمت وتكاملت هذه الإنسانية والقيم وتجذرت ، فالاعتداء
عليها لا يغضبها من حيث هي شخص بل يغضبها من حيث أنه
اعتداء على الإنسانية ، وعلى الكمال الروحي والسمو
المعنوي ، ولكون ذلك محاولة للانتقاص ، من هذا
الوجود الكريم .
إن العدوان عليها عدوان على
الحق ، وعلى الفطرة وعلى الإنسانية ، وعلى الفضل ،
وذلك هو الذي يغضبها ، ويغضب الله ورسوله ، وكل عمل
يأتي على وفق الفطرة ، ويصون هذا الوجود ، فهو الذي
يرضيها ويرضي الرسول ويرضي الله .
وبذلك تصلح أن تكون
معيارا وميزانا حين ترضى ، وحين تغضب . ولنا أن نقرب
هذا المعنى بالإشارة إلى شاهد قرآني وهو قوله تعالى :
* ( مَن قَتَلَ نَفْسًا
بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ
فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ
أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا
) * ( 1 ) .
فإن الجسد الذي هو لحم وعظم لا يزال
موجودا ، والذي فقد هو إرادته ، واختياره ، وعقله ،
وخصائصه الإنسانية ، من نبل وكرم ، وعواطف ، ومشاعر ،
و . . . إن الجسد قد أفرغ من محتواه بواسطة إزهاق روحه
.
| |
( 1 ) سورة المائدة : 32
. ( * ) |
|
|
|