|
مأساة الزهراء عليها السلام ج 1 - العلامة
السيد جعفر مرتضى العاملي - ص 59 |
|
الزهراء أم أبيها
ومن أغرب ما سمعناه
مقولة أطلقها البعض مفادها : إن الزهراء عليها السلام
قد عوضت النبي ( ص ) عن عطف الأم ، حيث إن أمه ماتت ،
وهو لا يزال طفلا ، فلأجل ذلك أطلق عليها لقب : أم
أبيها . إنه يقول بالحرف الواحد : " . . بدأ النبي
حياته وهو يشكو فقد
حنان الأم ، لأن حنان الأم ليس شيئا يمكن أن تتكفله مرضعة أو مربية . . . إلى أن قال : ولذلك أعطته
أمومتها باحتضانها له . وقالها رسول الله ، وهو يشعر :
أن ذلك الفراغ الذي فقده بفقدان أمه استطاع أن يملأه
من خلال ابنته ( 1 ) " .
ونقول : إن هذا الكلام لا
يمكن قبوله إذ لا يمكننا قبول مقولة : أن النبي ( ص )
كان يعاني من عقدة نقص ، نشأت عن فقده أمه ، فاحتاج
إلى من يعوضه ما فقده . . بل معنى هذه الكلمة : أن
الزهراء كانت تهتم بأبيها ، كما تهتم الأم بولدها ،
وهذا لا يعني : أن ذلك سيعوض النبي عن عاطفة فقدها ،
أو سيكمل نقصا يعاني منه .
وبعد ، فهل يمكن أن يقبل
هذا البعض أن غير الزهراء عليها الصلاة والسلام كان
بإمكانها أن تملأ هذا الفراغ . لو حدبت على رسول الله
( ص ) ، ومنحته قسطا من العاطفة التي هو بحاجة إليها ؟
!
إن الكلمة المذكورة : " أم أبيها " تريد أن تبين لنا
حقيقة وأبعاد تعامل السيدة الزهراء ، مع أبيها ، ولا
تريد أن تتحدث عن ملء فراغات أو حل عقد نقص في الشخصية
النبوية المقدسة ، والعياذ بالله .
العصمة جبرية في
اجتناب المعاصي ؟ ! !
1 - يتحدث البعض : عن أن
العصمة التي تجلت في الزهراء
| |
( 1 ) كتاب الندوة : ص
58 . ( * ) |
|
|
عليها السلام قد أنتجتها البيئة والمحيط الايماني الذي عاشت وترعرعت فيه ، لأنها كانت بيئة
الإيمان والطهر والفضيلة والصلاح .
ومن الواضح : إن
هذه المقولة فيما تستبطنه تستدعي سؤالا حساسا وجريئا ،
وهو : ماذا لو عاشت الزهراء في غير هذه البيئة ، وفي
محيط ملوث بالرذيلة والموبقات ؟ !
وماذا لو عاش غير
الزهراء في هذه البيئة بالذات ؟
هل سوف تكون النتيجة
هي ذاتها ؟ !
وقد عاش البعض فعلا في هذه البيئة بالذات
، فلماذا لم يكن الأمر كذلك ؟
2 - ومع كل ذلك نرى هذا
البعض نفسه يتحدث عن تكوينية العصمة ، الأمر الذي
يستبطن مقولة " الجبر " الإلهي ، التي ثبت بطلانها ،
ونفاها أهل البيت ( ع ) ، بقولهم : لا جبر ولا تفويض
بل أمر بين الأمرين .
ونقول : إن ذلك يثير أكثر من
سؤال جرئ وحساس أيضا . وهو أنه لو كانت البيئة هي
المؤثرة ، فما معنى كون العصمة تكوينية ؟ !
وممنوحة
بالفيض الإلهي المباشر ، وبلا وساطة شئ ، من محيط أو
غيره ؟ !
ثم هناك سؤال آخر عن : السبب في تخصيص هؤلاء
بهذه العصمة الاجبارية التكوينية ؟
ولماذا لم ينلها
غيرهم معهم من سائر بني الإنسان ؟ ! !
ولماذا نحن نتعب ونشقى ، ونحصل على القليل ،
وتكون لهم هم الدرجات العالية ، مع أنهم لم يتعبوا ولم
يجاهدوا أنفسهم مثلنا ؟ !
وسؤال آخر ، وهو : ألا يكون
الشخص الذي يقوم بالامتناع - من تلقاء نفسه - عن سيئة
واحدة ، أو المبادرة إلى عمل حسنة واحدة في حياته ،
يجاهد بها نفسه وغرائزه، أفضل من جميع النبيين
والأوصياء المعصومين بالتكوين والاجبار ؟
يضاف إلى
ذلك سؤال آخر وهو : ألا يعني ذلك أن لا يستحق المعصوم
مدحا ولا أجرا على عباداته ، ولا على أي شئ من طاعاته
للأوامر والزواجر الإلهية ؟ ! ( 1 ) . إلى غير ذلك من
علامات استفهام لا يمكن استيفاؤها عرضا وردا في هذا
البحث المقتضب .
3 - ولعله من أجل دفع غائلة هذا السؤال الأخير ،
عاد هذا البعض ليقول : إن العصمة التكوينية إنما هي في
الاجتناب عن المعاصي ، حيث لا يقدر المعصوم على
اقترافها .
أما الطاعات فالاختيار فيها باق له على حاله ، وليس
ثمة جبر إلهي عليها . . وهذه نفس مقولة الأشاعرة الذين
فسروا العصمة بأنها " القدرة على الطاعة ، وعدم القدرة
على المعصية " ( 2 ) .
ونقول : إننا لا نريد أن
نناقش هذا التفصيل ( بين الطاعات وبين
| |
( 1 ) هذا السؤال قد سأله علماؤنا رضوان الله تعالى
عليهم لأولئك القائلين بعدم قدرة المعصوم على المعصية
. راجع اللوامع الإلهية
: ص 169 .
( 2 ) راجع اللوامع الإلهية
: ص 169 . ( * ) |
|
|
المعاصي ) ! ! بإسهاب ، بل نكتفي بالإلماح
إلى ما يلي :
أولا : إن ترك الطاعات أيضا معصية ، فهو
إذن لا يقدر على هذا الترك تكوينا فكيف يكون مختارا في
فعلها ، وما معنى كونه مختارا في خصوص الطاعات ؟ ! .
ثانيا : إن هذا التفصيل لا دليل عليه ، ولا توجيه له
بل هو تحكم محض فلماذا لا تكون القضية معكوسة ، فيكون
مختارا في ترك المعاصي مكرها على فعل الطاعات . .
والملفت للنظر هنا : أنه حين واجهته هذه الأسئلة التجأ
تارة إلى مقولة البلخي بأن الثواب على الطاعة إنما هو
بالتفضل ، لا باستحقاق العبد .
وتارة أخرى إلى ما
يتحدث عنه البعض بزعمه من أن الاستحقاق بالتفضل وهي
مقالة كمقالة البلخي لا يلتفت إليها لقيام الدليل على
أن الطاعة بالاستحقاق لا بالتفضل .
وهذا الدليل هو :
أن الطاعة مشقة ألزم الله العبد بها ، فإن لم يكن لغرض
كان ظلما وعبثا ، وهو قبيح لا يصدر من الحكيم .
وإن
كان لغرض ، فإن كان عائدا إليه تعالى فهو باطل لغناه
وإن كان عائدا إلى المكلف ، فإن كان هذا الغرض هو
الإضرار به كان ظلما قبيحا ، وإن كان هو النفع له فإن
كان يصح أن يبتدئ الله به العبد ، فيكون التكليف حينئذ
عبثا ، وإن كان لا يصح الابتداء به بل يحتاج إلى تكليف
ليستحق أن يحصل على ذلك النفع فهو المطلوب . فالنتيجة
إذن هي : أن الثواب بالاستحقاق لا بالتفضل .
وأما قول البلخي فهو باطل من الأساس ، لأنه يستند فيما ذهب إليه
إلى أن التكاليف إنما وجبت شكرا للنعمة ، فلا يستحق
بسببها
مثوبة ، فالثواب تفضل منه تعالى . ولا شك في
عدم صحة هذا القول ، إذ أن الكلام إنما هو في مرحلة
الحسن والقبح ، ويقبح عند العقلاء أن ينعم شخص على
غيره ، ثم يكلفه ويوجب عليه شكرها من دون إيصال ثواب
على هذا التكليف ، فإنهم يعدون ذلك نقصا ، وينسبونه
إلى حب الجاه والرياسة ونحو ذلك من المعاني القبيحة
التي لا تصدر من الحكيم ، فوجب القول باستحقاق الثواب
.
غاية ما هناك أنه يمكن أن يقال ، وإن كان ذلك لا يلائم كلام البلخي أيضا بل هو أيضا ينقضه ويدفعه : أنه
وإن كانت مالكية الله سبحانه لكل شئ تجعله ، متفضلا في
تقرير أصل المثوبة لمملوكيه على أفعالهم ، ولكنه بعد
أن قرر لهم ذلك بعنوان الجزاء ، وتفضل عليهم في زيادة
مقاديره ، حتى لقد جعل الحسنة بعشرة أمثالها ، أو بسبع
مئة ضعف ، والله يضاعف لمن يشاء وبعد أن دخل ذلك في
دائرة القرار ، وأصبح قانونا إلهيا مجعولا ، فقد دخل
في دائرة الاستحقاق بعد أن لم يكن .
ولأجل ذلك لم يجز
في حكم العقل أن يعطي الله العاصي ، ويمنع المطيع ،
ولو كانت المثوبة من باب التفضل لجاز ذلك ، وهذا نظير
ما لو قرر رجل أن يجعل لولده جائزة على نجاحه في
الامتحان في مدرسته ، فإذا نجح الولد ، فسيطالب أباه
بالجائزة ، ويرى أنه مظلوم ومهان لو لم يعطه إياها ،
فضلا عن أن يعطيها لأخيه الراسب .
|