|
مأساة الزهراء عليها السلام ج 1 - العلامة
السيد جعفر مرتضى العاملي - ص 65 |
|
هل للمحيط والبيئة تأثير في العصمة :
وأما
بالنسبة لما قيل عن تأثير البيئة والمحيط الإيماني في
شخصية الزهراء عليها السلام : فإننا نقول فيه : إن
الزهراء النور التي خلقت من ثمر الجنة ، وكانت تحدث
أمها وهي في بطنها ، قبل أن تولد .
هي خيرة الله
سبحانه ، قد اصطفاها لتكون المعصومة ( 1 ) الطاهرة ،
والصفوة الزاكية ، قبل دخولها في هذه البيئة التي
يتحدث البعض عنها على أنها هي السبب الرئيسي في ما
للزهراء من مقامات وكرامات .
وحديثه هذا يستبطن : أن
الزهراء نفسها عليه السلام لو عاشت في بيئة أخرى ليست
بيئة صلاح وخير وإيمان ، فلسوف تطبعها بطابعها الخاص ،
فتكون المرأة الشريرة والمنحرفة ، والعياذ بالله ! !
فهل هذا مقبول أو معقول ؟ ! . . إننا نصر على أن
المحيط الذي عاشت فيه الزهراء عليها السلام ،
| |
( 1 ) العصمة في الأنبياء والأوصياء ثابتة بدليل العقل
، لاقتضاء مقام النبوة والإمامة لها . ويؤيدها النقل ،
وقد يتعرض النقل أيضا لبيان حدودها وآفاقها ، وغير ذلك
من خصوصيات . . أما عصمة الزهراء عليها السلام ، فهي
ثابتة بالنقل الصحيح الثابت عن الرسول ( ص ) ، وبنص
القرآن الكريم ، وهي من ضروريات المذهب وثوابته .
وبديهي أن لا تعرف العصمة إلا بالنقل ، لأن الأوامر والزواجر الإلهية لا تنحصر بأعمال الجوارح
الظاهرية ، بل تتعداها إلى القلب والنفس والروح ، وإلى
صياغة مواصفات الإنسان ، ومشاعره وأحاسيسه ، مثل
الشجاعة والكرم والحسد ، والحب والبغض ، والإيمان
والنفاق ، والنوايا وغير ذلك مما لا سبيل لنا للاطلاع
عليه بغير النقل عن المعصوم . ( * ) |
|
|
لم يكن هو محض السبب في وصول الزهراء إلى
مقام الكرامة والزلفى ، ولا كان هو الذي صاغ وبلور
شخصيتها الإيمانية ، وحقق عصمتها ، وكمالها الإنساني ،
بل إن فطرتها السليمة ، وروحها الصافية ، وعقلها
الراجح ، وتوازنها في خصائصها وكمالاتها الإنسانية ،
ثم رعاية الله سبحانه لها ، ومزيد لطفه بها ، وتسديده
وتوفيقه ، وسعيها باختيارها إلى الحصول على المزيد من
الخلوص والصفاء ، والطهر ، والوصول إلى درجات القرب
والرضا ، إن ذلك كله هو الذي أنتج شخصية الزهراء
المعصومة والمطهرة .
فالعصمة لا تعني العجز عن فعل شئ
، وإنما تعني القدرة والمعرفة ، والاختيار الصالح ،
والإرادة القوية الفاعلة مع العقل الكبير ، واللطف
والرعاية والتسديد الإلهي .
أما كبر السن أو صغره ، أو
مقدار النمو الجسدي ، فليس هو المعيار في صفاء الروح ،
أو كمال الملكات ، والخصال الإنسانية ، ولا في فعلية
التعقل ، أو قوة العقل والإدراك ، ولا في سعة المعرفة
، واستحقاق منازل الكرامة ، فقد آتى الله يحيى عليه
السلام الحكم صبيا ، كما أن عيسى عليه السلام قد تكلم
في المهد : * ( قَالَ إِنِّي
عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي
نَبِيًّا *
وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي
بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا
*
وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا
شَقِيًّا ) * ( 1 ) .
ولم تكن الزهراء (
عليها السلام ) في أي وقت من الأوقات بعقلية طفل ، ولا
بمستوى ملكات وإدراكات وطموحات وليد . وقد تكلم علي ،
والزهراء عليهما السلام حين ولادتهما ، وحدثت الزهراء
أمها قبل أن تولد .
| |
( 1 ) سورة مريم : 20 /
22 . ( * ) |
|
|
وقد ذكرت لنا الروايات وكتب التاريخ وغيرها
من مصادر الفريقين كثيرا من هذا وأمثاله مما يتعلق
بأهل البيت عليهم السلام . مما يدل على هذه الحقيقة
فيهم وفيما صلوات الله وسلامه عليهم وعليها ، وعلى
شيعتها ومحبيها إلى يوم الدين .
إمكانية التمرد على
البيئة والمحيط : أما فيما يرتبط بالمحيط والبيئة ،
فلسنا ننكر ما له من تأثير على روح الإنسان وسلوكه
وأخلاقياته ونفسيته .
ولكننا نقول : إن ذلك ليس مطردا
في جميع الناس ، ولا هو حتمي الحصول ، إلى درجة أن
يفقد الإنسان معه إرادته ، ويأسره ، ويمنعه من
الاختيار ويقيده عن الحركة باتجاه الخير ، والصلاح ،
والنجاح والفلاح .
وقد أوضح القرآن الكريم لنا ذلك بما
لا يدع مجالا للشك حينما تحدث عن نساء جعلهن مثلا يحتذى كمريم بنت عمران ، وآسية بنت مزاحم ثم تحدث عن
أخريات مثلا للعبرة والحذر كامرأة نوح ولوط .
فقد قال
سبحانه وهو يتحدث عن إحدى زوجات النبي ( ص ) ، كان
النبي ( ص ) قد أسر إليها حديثا هاما جدا فأفشته وزادت
فيه : * (
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا
اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ
عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ
فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ
اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ
الدَّاخِلِينَ
* وَضَرَبَ
اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ
فِرْعَوْنَ إِذْ
قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي
الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ
وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
*
وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ
فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا
وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ
وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ
) * ( 1 ) . فنجده سبحانه قد ضرب
مثلا للذين آمنوا - وليس لخصوص النساء المؤمنات -
بآسية بنت مزاحم ، ومريم بنت عمران .
وضرب مثلا للذين
كفروا - وليس لخصوص النساء الكافرات . بزوجتي نوح ولوط
- ولتوضيح ذلك نقول :
ألف : زوجتا النبي نوح والنبي
لوط ( ع ) : إن الذي يساعد على وضوح ما نريد بيانه في
معنى الآيات ، هو ملاحظة الأمور التالية :
1 - أشار في
الآية إلى وقوف امرأة في مقابل رجل ، ولعل البعض يرى
للرجال على النساء تميزا في جهات معينة ، تعطي للرجل
الأفضلية والأولوية في أمور كثيرة .
2 - إن هذين
الرجلين هما في موقع الزوجية ، وللزوج موقعه القوي في
داخل بيت الزوجية على الأقل .
3 - ومع صرف النظر عما
تقدم ، فإن الزوج عادة هو أعرف الناس حتى من الأم
والأب ، بأحوال زوجته ، وبطبائعها ، وبنقاط ضعفها
وقوتها ، لأنه على احتكاك عملي مستمر معها ، وهي تعيش
معه
| |
( 1 ) سورة التحريم : 10
/ 12 . ( * ) |
|
|
- عادة - الوضوح بأقصى حالاته وأرفع درجاته
.
4 - وهذا الرجل يملك من صفات الكمال الإنساني كل
أسباب القوة خصوصا في وعيه ، وتدبيره ، وعقله وحكمته ،
ومن حيث مستواه الفكري ، وسلامة هذا الفكر ، ومن حيث
قدراته الاقناعية ، فضلا عما سوى ذلك ، بل هو القمة في
ذلك كله ، حتى استحق أن يكون نبيا ، بل رسولا ، بل إن
أحدهما وهو نوح ، من أولي العزم الذين يملكون أعلى
درجات الثبات والحصانة والقوة . وهل هناك أعرف من
النبي الرسول بأساليب الإقناع ووسائله وأدواته ؟ أم
هناك أكثر منه استجماعا للمفردات الفكرية وغيرها مما
يحتاج إليه في ذلك ؟ ! .
5 - كما أن هذه المرأة تعيش
في محيط هدى ، وفي أجواء الطهر ، والصفاء ، والاستقامة
، والفضيلة ، والإيمان ، والخير ، والصلاح ، حيث يتجسد
ذلك كله واقعا تتلمسه بصورة مباشرة ، وليس مجرد نظريات
. أما الانحراف والسوء والشرك فلن يكون في هذا المحيط
إلا غريبا ، مرفوضا ، ومنبوذا ، لا يجد حرية الحركة ،
ولن ينعم بالقبول والرضا أبدا .
6 - إن هذين الرجلين
النبيين ، وأحدهما من أولي العزم ، يتحملان مسؤولية
هداية الأمة ، والذب عنها ، وإبعادها عن مزالق
الانحراف وآفاته . بل إن هذه الهداية هي مسؤوليتهما
الأولى والأساس ، وهي كل شئ في حياتهما الرسالية
الهادية . وليست أمرا عارضا ، كالمال
الذي يمكن تعويضه ، أو الجاه الذي يمكن
العيش بدونه ، ولا هي من قبيل السلطة ، والنفوذ ،
وإدارة البيت ولا هي مصلحة مادية ، ولا أي شأن من شؤون
الحياة ، مما يمكن التغاضي عنه . بل المساس بها مساس
بالمصير ، وبالوجود ، وبالمستقبل ، وبالآخرة والدنيا .
إنه ينظر إلى هذه المهمة ويتعامل معها من موقع التقديس
، ومن موقع التعبد والتدين . وتتحداه زوجته التي لا
تدانيه في شئ مما ذكرناه ، وتتمرد عليه في صميم
مسؤوليته ، وفي أعز وأغلى وأقدس شئ لديه .
7 - وهذا
التحدي هو للمحيط وللبيئة ، لأنه ينبع من داخل بيئة
الصلاح ، والإيمان والخير ، والهدى .
8 - ويزيد في
الألم والمرارة ، أنها تتحداه في شئ يندفع إليه بفطرته
، ويرتبط به بقلبه ووجدانه ، وبأحاسيسه ، وبعمق مشاعره
، وبهيمنات روحه ، وبكل وجوده .
والأكثر مرارة في هذا
الأمر ، أنها تريد أن تكون النقيض الذي لا يقتصر على
مجرد الانحراف ، بل هي تعمل على تقويض وهدم ما يبنيه ،
مستفيدة من المحيط المنحرف الذي قد يعينها على تحقيق
ما تعمل من أجله ، ويعطيها نفحة قوة ، وفضل عزيمة .
ومن جهة أخرى : فإن هذا الأمر لا يختص بمورد واحد يمكن
اعتباره حالة عفوية أو استثناء أو حالة شاذة ، فقد
تكررت القضية ذاتها وشملت نوحا ولوطا عليهما السلام
اللذين ضرب الله المثل بما جرى لهما .
ب : زوجة فرعون : وفي الجهة المقابلة تقف
المرأة المجاهدة الصابرة آسية بنت مزاحم الشهيدة .
ونوضح ما نرمي إليه في حديثنا عنها فيما يلي من نقاط :
1 - إن آسية بنت مزاحم امرأة في مقابل رجل ، هو فرعون
بالذات .
2 - وفرعون هذا هو الزوج المهيمن والقوي ،
وهو يتعامل مع هذه المرأة الصالحة من موقع الزوجية .
3
- وفرعون الرجل والزوج ، لا يملك شيئا من المثل والقيم
الإنسانية والرسالية ، ولا يردعه رادع عن فعل أي شئ ،
وفي أي موقع من مواقع حياته ، فهو يسترسل مع شهواته ،
وطموحاته ، ومصالحه ، بلا حدود ولا قيود ، ودونما وازع
أو رادع . أما آسية فعلى النقيض من ذلك ، ترى نفسها
محكومة لضوابط الدين والقيم والمثل ، وهي تهيمن على كل
وجودها فلا تستطيع أن تسترسل في حركتها ، ولا يمكنها
أن تتوسل بكل ما يحلو لها .
4 - وفرعون يمثل أقصى
حالات الاستكبار في عمق وجوده ، وذاته ، حتى ليدعي
الربوبية ، ويقول للناس : " أنا ربكم الأعلى " ، فلا
يرى أن أحدا قادر على أن يخضعه ، أو أن يملي عليه رأيه
وإرادته ، بل تراه يحمل في داخله الدوافع القوية لسحق
كل من يعترض سبيل أهوائه وطموحاته .
فرعون هذا تتحداه
امرأته ! ! في صميم كبريائه ، وفي رمز استكباره وعلوه
، وعنفوانه ، وعمق طموحاته ، في ادعائه الربوبية ، وفي
كل ما يرتكبه من موبقات ، وما يمثله من
انحراف .
5 - وفرعون ملك لديه الجاه العريض ، وغرور
السلطان ، وعنجهيته ، وجاذبيته ، وعنفوانه ، وزهوه .
وما أحب تلك المظاهر الخادعة إلى قلب المرأة ، وما
أولعها بها . وإذا كانت المرأة تميل إلى الزهو ، فإنها
إلى زهو الملك العريض أميل ، وإذا كان الجاه العريض
يستثيرها ، فهل ثمة جاه كجاه السلطان ، فكيف وهو يدعي
الربوبية لنفسه ؟ !
6 - أما المغريات فهي بكل صنوفها ،
وفي أعلى درجات الإغراء فيها ، متوفرة لفرعون ، فلديه
الدور والقصور ، والبساتين ، والحدائق الغناء ، ولديه اللذائذ والأموال ، والخدم والحشم ، ولديه الزبارج
والبهارج وزينة الحياة الدنيا . وهل ثمة أحب إلى قلب
المرأة من القصر الشاهق ، ومن الأثاث الفاخر ، واللائق
، ومن وصائف كالحور ، وغير ذلك من بواعث البهجة
والسرور ؟ !
7 - وعند فرعون الرجال والسلاح ، وكل قوى
القهر ، والتسلط ، والجبروت ، والهيمنة ، ولذلك أثره
في بث الرهبة ، والرعب في قلب كل من تحدثه نفسه
بالتمرد ، والخلاف .
8 - وعند فرعون أيضا المتزلفون ،
والطامعون ، والطامحون ، الذين هم وسائله وأدواته
الطيعة ، التي تحقق رغباته ، وتلبي طلباته ، مهما كانت
، وفي أي اتجاه تحركت .
9 - وهناك الواقع المنحرف الذي
تهيمن عليه المفاهيم الجاهلية . والجهل الذريع ،
والافتتان الطاغي بالحياة الدنيا ، هذا الواقع الذي
تفوح
منه الروائح الكريهة للشهوات البهيمية ،
وتنبعث فيه الأهواء ، وتضج فيه الجرائم .
10 - وفي
محيط فرعون ، تريد امرأة فرعون أن تتخلى عن لذات
محسوسة وحاضرة من أجل لذة غائبة عنها ، مع أن الإنسان
كثيرا ما يرتبط بما يحس ويشعر به ، أكثر ما يرتبط بما
يتخيله أو يسمع به ، بل هو يستصعب الانتقال من لذة
محسوسة إلى لذة أخرى مماثلة لها ، فكيف يؤثر الانتقال
إلى ما هو غائب عنه ، ولا يعيشه إلا في نطاق التصور
والأمل بحصوله في المستقبل ، ثقة بالوعد الإلهي له .
بل إنها عليها السلام تريد أن تستبدل لذة وسعادة
ونعيما حاضرا بألم وشقاء ، وبلاء ، بل بموت محتم لقاء
لذة موعودة .
11 - وبعد ذلك كله ، إن هذه المرأة لا
تواجه رجلا كسائر الرجال ، بل تواجه رجلا عرف بالحنكة
، والدهاء ، والذكاء . فكما كان عليها أن تواجه
استكباره ، وسلطانه ، وبغيه ، وكل إرهابه ، وإغراءه ،
فقد كان عليها أيضا أن تواجه مكره ، وأحابيله ،
وتزويره ، وأساليبه الذكية الخداعة ، وهو الذي استخف
قومه فأطاعوه . وقد ظهرت بعض فصول هذا الكيد والمكر في
الحوار الذي سجله الله سبحانه له مع موسى ، ومع السحرة
الذين جاء بهم هو ، فآمنوا بإله موسى ( 1 ) .
| |
( 1 ) إن حنكة فرعون كانت عالية إلى درجة أنه - كما
قال القرآن الكريم - استخف قومه فأطاعوه ، أي أنه قد
تسبب في التأثير على مستوى تفكيرهم ، وخفف من مستوى
وعيهم للأمور . . كما أننا حين نقرأ ما جرى بينه وبين
موسى والسحرة ، نجده أيضا في غاية الفطنة والدهاء ،
فقد قال تعالى :
=> |
|
|
..................
| |
=> . . * ( . .
قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ
الْعَالَمِينَ *
قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا
بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ
*
قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ
*
قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ
*
قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ
لَمَجْنُونٌ ) * . سورة الشعراء ، الآيات 23 - 27 .
فيلاحظ
: إنه حاول في بادئ الأمر أنه يسفه ما جاء به موسى
بطريقة إظهار التعجب والاستهجان . فلما رأى إصرار موسى
على مواصلة الاعلان بما جاء به لجأ إلى اتهامه بالجنون
.
ولكنه أيضا وجد أن موسى يواصل بعزم ثابت ، وإصرار
أكيد ، إعلانه المخيف لفرعون فالتجأ إلى استعمال أسلوب
القهر والقمع ، فقال لموسى : * (
قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ
إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ
) * .
فواجهه موسى ( ع )
بإبطال كيده هذا ، وجرده من هذا السلاح ، حيث قال له :
* ( أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ
مُّبِينٍ ) * فاضطره أمام الناس إلى
الرضوخ لذلك فقال : * ( فَأْتِ
بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) *
فأظهر موسى المعجزة التي جردته من سلاح المنطق والحجة
.
ولكنه مع ذلك لم يستسلم بل التجأ إلى سلاح آخر ،
يدلل على حنكته البالغة ودهائه العظيم وعلى درجة عالية
من الذكاء ، حيث نقل المعركة فورا من ساحته هذه إلى
ساحة الآخرين ، وأخرج نفسه عن دائرتها ، وجعل من نفسه
إنسانا غيورا على مصلحة الناس ، يريد أن يدفع الشر
عنهم ، وأن يحفظ لهم مواقعهم فأظهر أن ما جاء به موسى
( ع ) لا يعنيه هو ولا يهدد موقعه ، وإنما هو يستهدفهم
دونه فالقضية إذن هي قضيتهم ، فلا بد أن يبادر كل منهم
لمواجهتها ، وليست هي قضية يمكن التفريط في شأنها ،
ولا هي تسمح لهم باللامبالاة ، أو التأجيل ، أو
التواكل ، مستفيدا من طبيعة المعجزة عنصر التمويه
عليهم والتشويه للحقيقة ، حيث اعتبر إن انقلاب العصا
إلى ثعبان وخروج اليد بيضاء ، سحرا يريد موسى أن يتوسل
به إلى إخراجهم من أرضهم ، فهو قد حول المعجزة القاهرة
إلى دليل له ، يبطل به دعوى موسى التي جاءت المعجزة
لإثباتها وتأكيدها ، ثم ألقى الكرة في ملعبهم ، وجعل
القرار لهم . واستطاع من خلال ذلك أن يقتنص فرصة جديدة
يستدرك بها شيئا من القوة لمواجهة موسى . . وهذا هو ما
أوضحته الآيات التالية :
=>
|
|
|
خلاصة :
كانت تلك بعض لمحات الواقع الذي
واجهته امرأة فرعون ، التي هي من جنس البشر ، ومن لحم
ودم ، لها ميولها ، وغرائزها ، وطموحاتها ، ومشاعرها ،
وأحاسيسها . وقد واجهت رحمها الله كل هذا الواقع الصعب
بصبر وثبات ، ولم تكن تملك إلا نفسها ، وقوى إرادتها ،
وقويم وعيها ، الذي جعلها تدرك : أن ما يجري حولها هو
خطأ ، وجريمة ، وانحراف وخزي ،
| |
=>
* ( قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن
كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
*
فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ
*
وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ
*
قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ
عَلِيمٌ *
يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ
فَمَاذَا تَأْمُرُونَ *
قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي
الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ) * سورة الشعراء : 28 و 36 وراجع سورة
طه : 47 / 57 .
فكل ذلك يشير إلى أن فرعون لم يكن رجلا
عاديا ، بل كان على درجة عالية من الذكاء والمكر
والدهاء ، وأنه في حين كان قد استخدم كل قدراته من مال
وجاه وجيوش ، وقمع وقهر ، في سبيل الوصول إلى مبتغاه ،
فإنه أيضا قد استخدم ذكاءه وأساليبه المماكرة في سبيل
ذلك ، حتى * ( فَاسْتَخَفَّ
قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ) * سورة الزخرف :
54 .
ولننظر بدقة إلى قوله تعالى * (
وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي
أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ
أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي
الْأَرْضِ الْفَسَادَ ) * سورة غافر : 26 .
ولنتأمل في موقف فرعون من السحرة ، وطريقة مواجهته
للصدمة التي نتجت عن إيمانهم بما جاء به موسى ، فإنه
هو الآخر ، دليل آخر يضاف إلى ما تقدم على حنكته
وذكائه ، وطبيعة أساليبه الماكرة والفاجرة .
ولسنا هنا
بصدد التوسع في هذا الموضوع ، ولم نرد إلا التنويه
والإشارة لندلل من خلال ذلك على عظمة الانجاز ، وقيمة
النصر الذي حققه نبي الله موسى ( ع ) على هذه الطاغية
المستكبر والماكر . ( * ) |
|
|
فرفضت ذلك كله من موقع البصيرة والإيمان ،
وواجهت كل وسائل الإغراء والقهر ، ولم تبال بحشود
فرعون ، ولا بأمواله ، ولا بجاهه العريض ، ولا بزينته
ومغرياته ، ولا بمكره وحيله وحبائله . . وطلبت من الله
سبحانه وتعالى أن يهيئ لها سبل النجاة من فرعونية
فرعون ، ومن أعمال فرعون ، ومن محيط القوم الظالمين .
ولم يؤثر شئ من ذلك كله ، من البيئة والمحيط وغير ذلك
، في زعزعة ثقتها بدينها وربها ، أو في سلب إرادتها ،
أو في سلامة وصحة خيارها واختيارها . وكان دعائها : "
رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ، ونجني من فرعون وعمله
، ونجني من القوم الظالمين " . فهي تعتبر الابتعاد عن
فرعون ، وعن ممارسات فرعون نجاة ، وتعتبر الابتعاد عن
دنس الإنحراف والخروج من البيئة الظالمة نجاة أيضا . .
وهي لا تريد من الله قصورا ولا زينة ، ولا ذهبا ولا
جاها ، بل تريد أن تفوز بنعمة القرب منه تعالى . (
عندك ) ، وبمقام الرضا ، على قاعدة : ( رضا الله رضانا
أهل البيت ) .
ج : مريم ( ع ) في مواجهة التحدي : أما
التحدي في قضية مريم عليها السلام فهو الآخر قاس ومرير
، إنه تخد في أمر يمس شخصيتها وكيانها ، وهو من أكثر
الأمور حساسية بالنسبة إليها كأنثى ، تعتبر نفسها أمام
قومها رائدة الطهر والفضيلة ، وتنعى عليهم رجسهم
وانحرافهم ، إنه التحدي في أمر العفة والطهر ،
وقد جاء بطريقة تفقد معها كل وسائل الدفاع
عن نفسها ، إذ كيف يمكن لامرأة أن تأتي قومها بمولود
لها ، ثم تزعم لهم أنها لم تقارف إثما ، ولا علاقة لها
برجل .
إنها تزعم : أنها قد حملت بطفل ولم يمسسها بشر
، وتصر على أنها تحتفظ بمعنى العفة والطهارة بالمعنى
الدقيق للكلمة ، بل هي لا تقبل أي تأويل في هذا المجال
، ولو كان من قبيل حالات العنف التي تعذر فيها المرأة
.
بل وحتى المرأة ، المتزوجة حين تلد فإنها في الأيام
الأولى تكون خجلى الى درجة كبيرة ، لا سيما أمام من
عرفوها وعرفتهم وألفوها وألفتهم .
فكيف إذا كانت تأتي
قومها بطفل تحمله ، وقد ولدته ولم تكن قد تزوجت ، ثم
هي تصر على أنها لم يمسسها بشر ! ! أو لا ترضى منهم أن
يعتقدوا أو حتى أن يتوهموا غير ذلك .
ولم يهتز إيمان
مريم ، ولم تتراجع ، ولم تبادر إلى إخفاء هذا الطفل ،
ولا إلى إبعاده ولا إلى التبرء منه ، بل قبلت ، ورضيت
، وصبرت ، وتحملت في سبيل رضا الله سبحانه ، فكانت
سيدة نساء زمانها بحق ، وبجدارة فائقة ، لأنها صدقت
بكلمات الله ، وكانت من القانتين .
أما الصديقة
الطاهرة فاطمة الزهراء صلوات الله وسلامه عليها ، فقد
أخبر الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنها أفضل
من جميع نساء العالمين من الأولين والآخرين بمن فيهم
مريم وآسية وسواهما ، رغم كل ما قاسوه وما واجهوه مما ينبؤك عن عظيم مكانتها
وبلائها لقوله ( ع ) : إن أشد الناس بلاء هم
الأنبياء ثم الذين يلونهم ثم الأمثل فالأمثل ( 1 ) .
من نتائج ما تقدم :
ونستخلص مما تقدم نتائج كثيرة ،
نذكر منها هنا ما يلي :
1 - قد ظهر مما تقدم من خلال
عرض ما ضربه الله مثلا : أن البيئة والمحيط ليس هو
الذي يصنع شخصية الإنسان ، وإن كان ربما يؤثر فيها
أحيانا ، إذا فقدت الرقابة الواعية ، حيث يستسلم
الإنسان للخضوع والخنوع .
فلا مجال إذن لقول هذا البعض
: إن شخصية الزهراء عليها السلام ، هي من نتاج المحيط
والبيئة التي عاشتها ، ولن نقبل أن يقال : إنها عليها
السلام لو عاشت في محيط آخر - فاسد مثلا - لكانت قد
عاشت واقع محيطها الفاسد أيضا .
2 - إن مواجهة مريم
لضغوطات محيط الانحراف ، في أشد الأمور حساسية وأهمية
بالنسبة إليها ، وهي لا تملك أي وسيلة مألوفة للدفاع
عن نفسها ، سوى هذا الإيمان الصافي ، والثقة الكبيرة
بالله تعالى .
ثم تحرك آسية بنت مزاحم في عمق وكر
الانحراف والشرك ، وفي صميم محيطه ، وبيئته ، لمواجهة أعتى القوى ، وأكثرها استجماعا لوسائل القهر ،
والاغراء ، والتحدي ، وأشدها بغيا ، وظلما ، واستكبارا
. .
| |
( 1 ) راجع البحار : ج 64 ص 200 . (
* ) |
|
|
إن هذا وذاك يدل على أنه لا مجال لتبرير
الانحراف بضغوطات المحيط ، والبيئة ، أو السلطة ، أو
الخضوع لإرادة الزوج ، وما إلى ذلك .
3 - قد ظهر مما
تقدم : أن للمرأة كما للرجل ، قوة حقيقية ، وقدرة على
التحكم بالقرار النهائي في أية قضية ترتبط بها ، وأنها
في مستوى الخطاب الإلهي ، وتستطيع أن تصل إلى أرقى
الدرجات التي تؤهلها لأسمى المقامات ، في نطاق الكرامة
والرعاية الإلهية .
4 - إن الاندفاع نحو إحقاق الحق ،
وإقامة شرائع الله ، والعمل بأحكامه ، والتزام طريق
الهدى والخير أمر موافق للفطرة والعقل دون ريب ، وإن
الانحراف عن ذلك ما هو إلا تخلف عن مقتضيات الفطرة ،
واستخفاف بأحكام العقل ، وتفريط بمعاني الإنسانية
والسداد والرشاد .
|