|
مأساة الزهراء عليها السلام ج 1 - العلامة
السيد جعفر مرتضى العاملي - ص
80 |
|
. . .
------------------------------------ ص 81
--------------------------------------
الفصل الثاني : الزهراء (
ع ) والغيب
------------------------------------ ص
82
--------------------------------------
. . .
------------------------------------ ص 83
--------------------------------------
الجوانب
الغيبية في حياة الزهراء ( ع ) :
هناك من يقول : إنه
لا حاجة لنا فيما يفيض فيه التاريخ في مسألة زواج
الزهراء عليها السلام ، والجوانب الغيبية في ذلك
الزواج ، فيما احتفلت به السماء ، وغير ذلك مما يتعلق
بهذا الأمر ، كما أنه يتحفظ على الحديث الذي يقول
بوجود عناصر غيبية أو خصوصيات غير عادية في شخصية
الزهراء عليها السلام ، وماذا ينفع أو يضر - على حد
تعبيره - أن نعرف أو نجهل : أن الزهراء ( ع ) نور أو
ليست بنور ؟ فإن هذا علم لا ينفع من علمه ولا يضر من
جهله .
ويضيف على هذا قوله : ولا نجد إن هناك خصوصية
غير الظروف التي كفلت لها النمو الروحي والعقلي ،
والالتزام العملي ، بالمستوى الذي تتوازن فيه عناصر
الشخصية بشكل طبيعي في مسألة النمو الذاتي ، ولا
نستطيع إطلاق الحديث المسؤول القائل بوجود عناصر غيبية
مميزة تخرجها عن مستوى المرأة العادي ، لأن ذلك لا
يخضع لأي إثبات قطعي .
ونقول : إننا بالنسبة لضرورة الثقافة
الغيبية نسجل ما يلي :
أولا : إن إثارة الأمور بهذه
الطريقة ، التي يخشى أن تسبب بإثارة صراع داخلي ، من
حيث أنها ترمي إلى التشكيك بضرورة الثقافة الدينية
الغيبية وذلك غير مقبول ولا معقول ، لأن ذلك من
بديهيات الدين والعقيدة ، ولا شك أن إبعاد جانب مهم
جدا من قضايا الدين والإيمان عن دائرة الاهتمام ،
بطريقة التسويف أو التسخيف ، أو التقليل من أهميته ،
يعتبر تقويضا لركن مهم من أركان الدين ، وهو إرباك
حقيقي للفكر الإسلامي الرائد ، وهو يستبطن وضع علامات
استفهام على الكثير من مفردات المعارف الدينية الأخرى
، الأمر الذي سينتهي إلى أن يضعف إيمان الناس ، وأن
تنحسر معرفتهم بالله سبحانه وتعالى وبرسله وأصفيائه ،
ويتزعزع واقع اعتقادهم بحقائق الإسلام والإيمان ،
ويثير تساؤلات كثيرة حول أمور كان الأجدر أن لا يثار
حولها جدل غير منهجي ولا علمي ، حيث لا ينتج عن ذلك
إلا إرباك الحالة العامة ، وصرف إهتمامات الناس إلى
اتجاهات بعيدة عن الواقعية ، وعن التفكير الجدي في
أمور مصيرية ، تهدد مستقبلهم ووجودهم ، وتبعدهم عن
التخطيط والعمل لمواجهة الأخطار الجسام التي تنتظرهم
في حلبة الصراع مع قوى الحقد والاستكبار ، التي لا بد
من تشابك الأيدي ، وتضافر الجهود في مواجهتها . عصمنا
الله من الخطل والزلل في الفكر والقول والعمل إنه ولي
قدير ، وبالإجابة حري وجدير .
ثانيا : لا شك في أن
النصوص التي تثبت عناية إلهية ، ورعاية
غيبية للزهراء ، بل كرامات ومعجزات ( 1 ) ،
وميزات لها ، هي بدرجة من الكثرة تفقد الإقدام على
إنكارها مبررة من الناحيتين العلمية والوجدانية . وإذا
كان هذا الحجم من النصوص لا يثبت ميزة وكرامة ورعاية
غيبية ، فلا مجال بعد لإثبات أية حقيقية إسلامية أخرى
. وقد سبقه المعتزلة إلى إنكار كرامات الأولياء ، بحجة
اشتباهها بمعجزات الأنبياء ، فلا يعرف النبي من غير
النبي ( 2 ) .
ولم يلتفتوا إلى أن ظهور الكرامة إنما
هو للولي الذي يلتزم خط الإيمان بصورة يمتنع معها من
ادعائه النبوة ، وإلا فإنه ليس بولي ولا يستحق كرامة
الله ، ولن يظهر الله له هذه الكرامة يوما .
ثالثا :
قال الله سبحانه وتعالى : * (
الم *
ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى
لِّلْمُتَّقِينَ *
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ
الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ) * ( 3 ) .
ومما لا شك فيه أن
للأمور الغيبية تأثيرا قويا على الحالة الإيمانية
للإنسان المسلم ، وأن الغيب هو من الأمور الأساسية في
موضوع الإيمان ، الذي يريده الله سبحانه من عباده .
| |
( 1 ) فقد ذكر أبو الصلاح الحلبي في الكافي
: ص 102 و 103 أن المعجزات تظهر لغير الأنبياء أيضا ،
ولا يقتصر الأمر فيها على التحدي للأنبياء في نبوتهم -
كما يحاول البعض أن يدعيه - وقد مثل لذلك أبو الصلاح
بقصة آصف بن برخيا ومجيئه بعرش بلقيس قبل ارتداد الطرف
. وما ظهر لمريم من معجزات كحصولها على الرزق ومعجزات
تلاميذ عيسى ، وغير ذلك .
( 2 ) شرح عقائد النسفي
للتفتازاني : ص 177 .
( 3 ) سورة البقرة : 1 و 3 . ( *
) |
|
|
كما أن مما لا شك فيه أيضا : أنه لا يكفي في
الإيمان بالغيب أن يكون مجرد إحساس مبهم وغامض بوجود غوامض ومبهمات في بعض جوانب الحياة ، ثم شعور بالعجز
عن نيل تلك الغوامض ، ومن ثم شعور بالخوف والخشية منها
.
ولا يكفي أيضا في تحقق الإيمان ، بحد ذاته ، وبكل
حالاته ومفرداته ، غيبية كانت أو غيرها مجرد الحصول
على قناعات فكرية جافة ، ومعادلات رياضية ، تستقر في
عقل ووعي الإنسان ليرسم على أساس ذلك خريطة سلوكية ،
أو حياتية منفصلة عن الغيب ، أو غير منسجمة أو متناغمة
معه ، لا يكفي هذا ولا ذاك ، فإن الإيمان فعل اختياري
، يتجدد ، ويستمر حيث إن الله سبحانه قال : * (
يُؤْمِنُونَ
) * ولم يقل آمنوا ، ليفيد بالفعل المضارع التجدد ،
والاستمرار أي أنهم يختارون هذا الإيمان ، ويحدثونه ، ويوجدونه ، ويجسدونه باستمرار .
وإذا كان من الواضح
أيضا : أن الخشية من المجهول ، والإحساس المبهم
بالأمور الغائبة عن حواسنا ليس إيمانا ، بل هو ينافي
الإيمان الذي هو عقد القلب على أمر ، واحتضانه له بعطف
وحنان ، ومحبة وتفهم ، ثم سكون هذا القلب إلى ما
يحتضنه ، واطمئنانه إليه ، ومعه ، ورضاه به ، * (
أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) * و * (
يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ
*
ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ) * .
إذا كان
الأمر كذلك : وحيث لا يمكن احتضان الفراغ ولا السكون
إليه ، أو الرضا به فلا بد من توفر الدلالة القريبة
على ذلك الغامض ، والتجسيد له في وعي الإنسان ، لكي
يخرج عن حالته الغيبية في الواقع الإيماني والشعوري ،
ويصبح شهودا إيمانيا ، وإن كان في واقعه وكينونته لا
يلتقي مع الحس ، ولا يظهر عليه ، بل يبقى
منفصلا وغائبا عنه .
ومن هنا : تبرز ضرورة ربط هذا
الغيب بالواقع الموضوعي ، ليصبح بذلك أشد تأثيرا في
الوعي ، وأكثر رسوخا وتجذرا في الإيمان ، حيث تخرجه
تلك المفردات المعبرة عنه والمشيرة إليه ، عن أن يكون
مجرد حالة غائمة وهائمة ، ليصبح أكثر تركيزا وتحديدا
إلى درجة التجسيد الحقيقي للمعنى الغيبي ، الذي يهيئ
للإنسان أن يعقد قلبه عليه ، ليكون ذلك المسلم المؤمن
بالغيب ، وفق ما يريده الله سبحانه ، وعلى أساس الخطة
الإلهية لتحقيق ذلك ، وبذلك نستطيع أن نفهم بعمق مغزى
قول علي عليه الصلاة والسلام : " لو كشف لي الغطاء ،
ما ازددت يقينا " ( 1 ) .
وحين سئل عليه السلام عن أنه
كيف يعبد ربا لم يره ، أجاب : ما كنت لأعبد ربا لم أره
، لم تره العيون بمشاهدة الأبصار ، وإنما رأته القلوب
بحقائق الإيمان ( 2 ) .
ولأجل ذلك : أيضا تطمئن القلوب
بذكر الله سبحانه * (
أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ
تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) *
فإن القلب لا ينال حقيقة الذات الإلهية نفسها ، بل
ينال آثارها وأفعالها ويطمئن بذكر الله سبحانه ، وقد
قال الله سبحانه : * ( وَلِلّهِ
الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا
) * ( 3 ) ، و * ( اقْرَأْ
بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ) * ( 4 ) ،
و * ( بسم الله الرحمن الرحيم
) * .
| |
( 1 ) البحار : ج 40 ص 153 و ج 46 ص 135 .
( 2 ) البحار :
ج 4 ص 27 و 32 و 33 و 44 و 52 و 54 و 304 و ج 10 ص 118
و ج 36 ص 406 .
( 3 ) سورة الأعراف : 180 .
( 4 ) سورة
العلق : 1 . ( * ) |
|
|
فيتضح من جميع ما تقدم : أن الإسلام حين
ألزم بالإيمان بالغيب ، فإنه لم يرده غيبا هائما ،
وخاويا ومبهما ، بل أراده الغيب الهادف والواعي ، الذي
يتجسد على صفحة القلب والنفس ، ويزيد وضوحا وتجذرا
ورسوخا ، من خلال الوسائل التي أراد الله سبحانه أن
ينقل بواسطتها العنصر الغيبي إلى وعينا ليستقر فيه
مقترنا بها ، ومعتمدا عليها ، ومستندا إليها .
فالثقافة الغيبية إذن ، من شأنها أن تبعد الإيمان
بالغيب ، عن أن يكون حالة خوف من المجهول ، ليكون
الغيب شهودا قلبيا حقيقيا ، يعقد عليه القلب ، ويتقوم
به الإيمان ، وتخضع له المشاعر ، وينطلق ليصبح حياة في
الوجدان ، ويقظة في الضمير ، وليكون موقفا ، وحركة
وسلوكا ، وسجية وبادرة عفوية صريحة وخالصة .
مع أنه في
الوقت نفسه لا يزال هذا الغيب منفصلا على إحساس الحواس
، حيث لا يمكنها أن تناله ، وتبقى عاجزة حياله ، إذ هو
متصل بما هو أسمى منها ، ويغنيه عنها ، مستمسك بأسبابه
، ومنطلق في رحابه .
وبنظرة إجمالية على الوسائل
والدلائل التي تجسد هذا الغيب في قلب الإنسان ، وتحوله
إلى عنصر إيماني مؤثر وفاعل . . . نجد : أن الإسلام في
تعاطيه التربوي مع هذه الناحية الحساسة ، قد أراد
للغيب أن ينطلق من بوتقة الفكر والوعي ليستقر في القلب
، وليحتضنه هذا القلب بحنان ليجد معه الرضا والسكينة ، وليهوم - من ثم - في رحاب الروح ، في تفاعل مشاعري ،
وعاطفي متوهج وعارم .
ثم هو لا يزال يسري في كل كيان
الإنسان ، ليصوغ أحاسيسه ، ومشاعره ، وليصبح من ثم
سمعه وبصره ، وفكره ، وبسمته ،
ولغته ولفتته العفوية ، وسلوكه ، وموقفه ،
بل كل شئ في حياته . ولأجل ذلك كله ، كان لا بد أن
يمتزج الفكر بالعاطفة ، لتصبح مأساة الزهراء ، وذكرى
الحسين ( ع ) في عاشوراء ، ومأساة طفله الرضيع و . . .
جزءا من الحقيقة الإيمانية ، وهكذا يصبح كل ما قاله
الرسول ( ص ) والأئمة الطاهرون عليهم السلام يمثل
ضرورة ثقافية لاستكمال الإيمان بحقائق الإسلام ، ومنها
الإيمان بالغيب .
فلا غرو إذن أن يتجسد هذا المعنى
الغيبي معجزة وكرامة إلهية وواقعا حيا ومؤثرا في وعي
الإنسان - يتجسد - بالحجر الأسود ، حيث أودعه الله
مواثيق الخلائق ، وبالإسراء والمعراج ، وباستقرار يونس
في بطن الحوت ، وفي حديث النملة ، حيث تبسم سليمان
ضاحكا من قولها ، وبالإتيان له بعرش بلقيس من اليمن
قبل ارتداد طرفه إليه ، وبحديث فاطمة مع أمها وهي في
بطنها ، وبأعراس السماء بمناسبة زواجها من علي ( ع ) ،
وبحديث الملك معها حتى كتب علي ( ع ) عنه " مصحف فاطمة
" .
وبأن الملائكة كانت تناديها كما تنادى مريم ابنة
عمران ، فتقول : يا فاطمة إن الله اصطفاك وطهرك الخ .
. فسميت " محدثة لأجل ذلك " ( 1 ) . ولا غرو أن يتجسد
لنا هذا الغيب في أن فاطمة نور ، وبأنها حوراء إنسية
قد خلقت من ثمر الجنة ( 2 ) ، الذي يمتاز عن ثمر
الدنيا
| |
( 1 ) كشف الغمة : ج 2 ص 94 .
ودلائل الإمامة : ص 56 وراجع :
علل الشرائع : ج 1 ص
182 و 183 وروضة المتين : ج 5 ص 345 .
( 2 ) راجع : علل الشرائع : ج 1 ص 182 و 184 ومصادر ذلك كثيرة جدا
لا مجال لتعدادها . ( * ) |
|
|
بنقائه وصفائه وخلوصه وطهره ، وقد زادته
فاطمة صفاء على صفاء ، وطهرا على طهر ، بما بذلته من
جهد موفق من خلال معرفتها بالله ، وما نالته من إشراف
على أسرار الخلق ونواميس الحياة ، ففازت بالتأييد
والتسديد واللطف الإلهي ، فكانت المرأة المعصومة التي
يرضى الله لرضاها ، ويغضب لغضبها ، حتى باتت سيدة نساء
العالمين من الأولين والآخرين ، إلى غير ذلك من أمور
دلت على أن لها ( ع ) ارتباطا وثيقا بالغيب ، ومقاما
وموقعا ، وكرامة إلهية ، لا تنالها عقولنا ، ولا تصل
إليها أفهامنا .
فيتضح مما تقدم : أنه إذا تجسد هذا
الغيب برموز معينة ، كأنبياء الله ، وأصفيائه ،
وأوليائه وأصحاب كراماته ، وبما لهم من مآثر وكرامات ،
وبرموز كثيرة أخرى ، فإن قلوبنا ستحتضنها وستحتضن معها
الغيب المودع فيها لتكون محور الإيمان ومعقد القلب
لتعيش حالة السكينة والرضا أرواحنا ، ولتحنو عليها
مشاعرنا ، فتدغدغ أحاسيسنا ، ويكون العلم بذلك كله
ينفع من علمه ، والجهل به يضر من جهله بدرجة كبيرة
وخطيرة .
وليس بالضرورة أن يستتبع اختلاف مفردات تجسيد
الغيب في الأشخاص كالأنبياء والأوصياء والأولياء
تفاضلا لهذا على ذاك أو بالعكس ، إذ قد تكون طبيعة
المرحلة ، أو ظروف معينة هي التي فرضت هذه الخصوصية
الغيبية هنا وتلك هناك .
أما التفاضل فله معاييره
الخاصة به ، التي نطق بها القرآن العظيم ، والرسول
الكريم ( 1 ) ، وليس هذا منها فكل هذه الغيوب
| |
( 1 ) فإن مقامات الأنبياء والأوصياء درجات ، بحسب
درجات معرفتهم التي تستتبع مزيدا من الخلوص والخشية ،
والجهد ، والقرب إلى الله ، ونيل درجات ، والرضا والزلفى . ( * ) |
|
|
المرتبطة بالزهراء عليها السلام وبغيرها هي
جزء من هذا الدين ، ولها أهميتها البالغة في صياغة
الشخصية الإيمانية ، والإنسانية ، والرسالية ، بما لها
من خصائص تحقق للإنسان وجوده ، وتخصصه ، وتميزه ،
وتجعله على درجة عالية من الصفاء والنقاء والطهر ، كما
أنها تحقق درجة من الارتباط الوجداني بأولياء الله
وأصفيائه ، والمزيد من الحب لهم وبهم ، والتفاعل
الضميري والوجداني مع كل ما يقولون وما يفعلون .
وقد
أخبر الأئمة ( ع ) بعض الخلص من أصحابهم ببعض الغيوب ،
من أمثال ميثم التمار ، وزرارة ، ومحمد بن مسلم ،
وغيرهم ، فما أنفع الغيوب لمن علمها وتعلمها ، وما
أروع هذه الكرامات ، وما أجلها وأشد تأثيرها ، وما
أعظم الحاجة إليها ، وما أروع القرآن العظيم ، وهو
يركز على كثير من المفردات التي تدخل في هذا السياق ،
معلنا بذلك أهميتها البالغة ، في بناء الشخصية
الإنسانية والإيمانية والرسالية .
الارتباط الفكري لا
يكفي : فلا يصح إذن ما يردده البعض من أن المطلوب هو
مجرد الارتباط الفكري بهم ( ع ) من خلال معرفتنا
بسياساتهم ، وأنماط سلوكهم الشخصي ، وبأنشطتهم
الاجتماعية ليكونوا لنا أسوة وقدوة على طريقة التقليد
والمحاكاة ، وليثير ذلك فينا حالة من الزهو والإعجاب
بهم كأشخاص ، كإعجابنا بغيرهم من العباقرة والمفكرين ،
مثل أديسون أو ابن سينا .
إذ أن المطلوب هو الارتباط
الفكري ، والضميري ، والوجداني الذي تشارك فيه المشاعر
، وتستجيب له الأحاسيس بعفوية وانقياد ،
ويهتز له كل كيان الإنسان وعمق وجوده
بطواعية واستسلام . المطلوب هو أن يدخل هؤلاء الأصفياء
إلى قلوبنا ليكونوا حياة لها ، وإلى أرواحنا لتكون
أكثر توهجا وتألقا ، وإلى نفوسنا لتصبح أكثر صفاء
ونقاء وخلوصا .
المطلوب هو أن يكون لهم الحظ الأوفر في
صياغة شخصيتنا الإيمانية وأن يسهموا في صنع مشاعرنا
وتكوين أحاسيسنا . ولنستبعد نهائيا إذن مقولة : هذا
علم لا ينفع من علمه ، ولا يضر من جهله ، فإنها مقولة
مضرة بالتأكيد لا تجلب لنا إلا الخسران ، والبوار
والخيبة .
ولو غضضنا النظر عن ذلك كله ، فإن ميزان
النفع والضرر الذي يتحدثون عنه غير واضح المعالم ، فهو
يختلف في حالاته وموارده ، فقد يكون الحديث عن الطب
غير نافع للنجار في مهنته ، والحديث عن الفلك غير نافع
للحداد ، أو الحائك في حرفته ، أو للإداري في دائرة
عمله . . لكن الأمر بالنسبة لقضايا الإيمان والسلوك
ليس بالضرورة من هذا القبيل وإن كانت درجات المعرفة
ومقتضياتها تختلف من شخص لآخر على قاعدة : أمرنا أن
نحدث الناس على قدر عقولهم .
|