|
مأساة الزهراء عليها السلام ج 1 - العلامة
السيد جعفر مرتضى العاملي - ص
108 |
|
هل في مصحف فاطمة ( ع ) أحكام
الشرعية ؟
يزعم البعض : أن مصحف فاطمة يحوي أحكاما
شرعية ، وهو يستند في ذلك إلى رواية عن الإمام الصادق
عليه السلام ، تقول : " وعندي الجفر الأبيض ، قال :
قلت : فأي شئ فيه ؟ ! قال : زبور داود ، وتوراة موسى ،
وإنجيل عيسى ، وصحف إبراهيم عليهم السلام ، والحلال
والحرام ، ومصحف فاطمة ، ما أزعم أن فيه قرآنا ، وفيه
ما يحتاج الناس إلينا ، ولا نحتاج إلى أحد ، حتى فيه
الجلدة ونصف
الجلدة ، وربع الجلدة ، وأرش الخدش " ( 1 )
.
ونقول :
أولا : إن قوله : " وفيه ما يحتاج الناس
إلينا " ليس معطوفا على قوله : " ما أزعم أن فيه قرآنا
" ، ليكون بيانا لما يحتويه المصحف ، وإنما هو معطوف
على قوله : زبور داود ، وتوراة موسى الخ . . أي إن في
الجفر الأبيض : زبور داود ، وتوراة موسى ، ومصحف فاطمة
، وفيه الحلال والحرام ، وفيه ما يحتاج الناس إلينا .
وثمة رواية أخرى عن عنبسة بن مصعب ذكرت : أن في الجفر
سلاح رسول الله ، والكتب ، ومصحف فاطمة ( 2 ) .
ثانيا
: لقد روى الكليني عن : عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن
محمد ، عن عمر بن عبد العزيز ، عن حماد بن عثمان ، عن
الإمام الصادق عليه السلام ، حديثا ذكر فيه أنه كان
ملك بعد وفاة النبي يحدث الزهراء ، ويسلي غمها ، فشكت
ذلك إلى أمير المؤمنين ، فقال لها : إذا أحسست بذلك ،
وسمعت الصوت قولي لي ، فأعلمته ذلك ، وجعل أمير
المؤمنين ( ع ) يكتب كل ما سمع حتى أثبت من ذلك مصحفا
، ثم قال : " أما إنه ليس فيه شئ من الحلال والحرام ،
ولكن فيه علم ما يكون " ( 3 ) .
| |
( 1 ) الكافي : ج 1 ص 240 والبحار : ج 26 ص 37 باب 1 حديث 68
وبصائر الدرجات : ص 150 .
( 2 ) بصائر الدرجات : ص 154
و 156 . والبحار : ج 26 ص 45 و 42 و ج 47 ص 271 .
( 3
) الكافي : ج 1 ص 240 وبصائر الدرجات : ص 157 ، وبحار
الأنوار : ج 26 ص 44 ، و ج 43 ص 80 و ج 22 ص 45
باب 2 ، حديث 62 وعوالم العلوم
: ج 11 القسم الخاص بالزهراء . ( * ) |
|
|
وقد ناقش البعض في هذا الحديث ، فقال : "
إن المفروض في الملك أنه جاء يحدثها ، ويسلي غمها ،
ليدخل عليها السرور ، فيكف تشكو ذلك إلى أمير المؤمنين
؟ مما يدل على أنها كانت متضايقة من ذلك . كما أن
الظاهر منه أن الإمام عليه السلام لا يعلم به ، وأن
المسألة كانت سماع صوت الملك ، لا رؤيته " . انتهى .
ونقول : ليس ثمة مشكلة من حيث رؤية الملك أو سماع صوته
فقط ، ولا في أن أمير المؤمنين عليه السلام كان يعلم
ذلك أو لا يعلم . وليس هذا هو محط النظر ، وإن كان
إثباته في غاية السهولة ، لكن لا دور له في إثبات مصحف
فاطمة أو نفيه ، ولا في كونها أول مؤلفة في الإسلام أو
عدمه ، فلا داعي لطرح الكلام بهذه الكيفية .
وأما
تضايقها عليها السلام فلم يكن من حديث الملك معها ، بل
كان لأجل أن الملك كان يذكر لها أيضا ما سيجري على
ذريتها ، ففي كتاب المحتضر : أن فاطمة ( ع ) لما توفي
أبوها ( ص ) قالت لأمير المؤمنين ( ع ) : إني لأسمع من
يحدثني بأشياء ووقائع تكون في ذريتي ، قال : فإذا سمعتيه فأمليه علي ، فصارت تمليه عليه ، وهو يكتب .
وروي أنه بقدر القرآن ثلاث مرات ، ليس فيه شئ من
القرآن . فلما كمله سماه " مصحف فاطمة " لأنها كانت
محدثة
تحدثها الملائكة " ( 1 ) .
بل إن هذا
المستشكل نفسه يذكر بعد كلامه السابق مباشرة رواية أبي
عبيدة وفيها : " وكان جبرائيل يأتيها فيحسن عزاءها على
أبيها ، ويطيب نفسها ، ويخبرها عن أبيها ومكانه ،
ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها ، وكان ( ع ) يكتب
ذلك ، فهذا مصحف فاطمة ( 2 ) " . وقد وصف المجلسي
الأول هذه الرواية بأنها صحيحة ( 3 ) .
فحكم البعض على
هذه الرواية بالضعف موضع نظر وتأمل ، إذ أن الظاهر أن
المراد بأبي عبيدة هو أبو عبيدة الحذاء أي زياد بن أبي
رجاء ، وهو ثقة ، ولا ندري السبب في استظهار البعض :
أنه المدائني ! ! مع أننا لم نجد لابن رئاب رواية عن
المدائني هذا ، ولم يرو عن المدائني سوى رواية واحدة
فيما يظهر .
ولعلها من الاشتباه في النسبة من قبل
الرواة . فإذا أطلق أبو عبيدة فالمقصود هو الحذاء ، لا
سيما مع تعدد رواية ابن رئاب عنه ، ومع عدم وجود شئ ذي
بال يرويه عن المدائني ( 4 ) .
والملفت للنظر أيضا :
أن هذا البعض قد علق على هذا الحديث
| |
( 1 ) عوالم العلوم : ج 11 ص 583 ( مسند فاطمة ) عن
المحتضر : ص 132 .
( 2 ) الكافي : ج 1 ص 240 و 241 و
457 و 458 . والبحار : ج 22 ص 545 وراجع
المناقب لابن
شهر آشوب : ج 3 ص 337 ط المطبعة العلمية - قم - ايران
.
( 3 ) روضة المتقين : ج 5 ص 342 ومرآة العقول ج 3 ص
59 و ج 5 ص 314 .
( 4 ) ولا بأس بمراجعة معجم رجال
الحديث : ج 21 ص 233 / 236 . ( * ) |
|
|
بأنه " ظاهر في اختصاص العلم بما يكون في
ذريتها فقط ، بينما الرواية الأخرى تتحدث عن الأعم من
ذلك ، حتى إنها تتحدث عن ظهور الزنادقة في سنة ثمان
وعشرين ومئة ، وهو ما قرأه الإمام ( ع ) في مصحف فاطمة
" . انتهى .
ونقول : غاية ما هناك : أن الرواية قد
أثبتت أن جبرائيل ( ع ) قد حدث فاطمة بما يكون في
ذريتها ، وليس فيها ما يدل على نفي وجود إخبارات غيبية
أخرى فيه .
ومن الواضح : أن إثبات شئ لا ينفي ما عداه
. وليس في الرواية أيضا ما يدل على أنها في مقام نفي
وجود علوم وأمور أخرى في المصحف ، لكنها أرادت أن تنبه
على شئ جعل فاطمة عليها السلام تهتم له ، وتذكره لعلي
، لكونه يتعلق بما سيجري على ذريتها .
ثالثا : هناك
حديث حبيب الخثعمي ، الذي يذكر : أن المنصور كتب إلى
محمد بن خالد : أن يسأل أهل المدينة عن مسألة في
الزكاة ، ومنهم الإمام الصادق عليه السلام ، فأجاب
الإمام عليه السلام ، عن السؤال ، فقال له عبد الله بن
الحسن : من أين أخذت هذا ؟ قال : قرأت في كتاب أمك
فاطمة ( 1 ) .
وقد علق هذا البعض على هذا الحديث بقوله
: " ظاهر هذا الحديث إن كتاب فاطمة - وهو مصحف
| |
( 1 ) البحار : ج 7 ص 227 باب : 7 حديث : 17
. ( * ) |
|
|
فاطمة - يشتمل على الحلال والحرام " .
ونقول :
أولا : إن هذا الحديث ضعيف السند .
ثانيا : إن
التعبير ب : " كتاب فاطمة " قد ورد أيضا في رواية فضيل بن سكرة ، عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) ( 1
) وليس بالضرورة أن يكون المقصود به " مصحف فاطمة "
الذي هو موضع البحث ، فضلا عن الجزم بذلك ، ثم إرساله
إرسال المسلمات ، إذ قد كان لفاطمة عليها السلام كتب
أخرى غير المصحف .
1 - فقد روى الكليني في الكافي عن :
علي ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن إسحاق به عبد
العزيز ، عن زرارة ، عن أبي عبد الله عليه السلام ،
قال : جاءت فاطمة تشكو إلى رسول الله صلى الله عليه
وآله بعض أمرها ، فأعطاها رسول الله صلى الله عليه
وآله كربة ( 2 ) وقال تعلمي ما فيها ، وإذا فيها : "
من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره ، ومن
كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فليكرم ضيفه ، ومن كان
يؤمن بالله واليوم الآخر ، فليقل خيرا أو ليسكت ( 3 )
.
| |
( 1 ) الكافي : ج 1 ص 242 .
( 2 ) كرب
النخل : أصول السعف ، أمثال الكتف .
( 3 ) عوالم
العلوم : ج 11 ( الجزء الخاص بالزهراء ( ع ) : ص 187
والكافي : ج 2 ص 667 ح 6 وراجع : ص 285 ج 1 . والبحار
: ج 43 ص 51 ح 52 ، والوسائل : ج 8 ص 487 ح 3 وفي
الجنة الواقية : ص 508 قطعة منه . ( * )
|
|
|
2 - وروى في دلائل الإمامة بسنده عن ابن
مسعود ، قال : جاء رجل إلى فاطمة عليها السلام . فقال
: يا ابنة رسول الله ، هل ترك رسول الله عندك شيئا تطرفينيه ؟ فقالت : يا جارية ، هات تلك الحريرة ،
فطلبتها ، فلم تجدها . فقالت : ويحك اطلبيها ، فإنها
تعدل عندي حسنا وحسينا . فطلبتها ، فإذا هي قد قممتها
في قمامتها ، فإذا فيها : قال محمد النبي ( ص ) : ليس
من المؤمنين ، من لم يأمن جاره بوائقه ، ومن كان يؤمن
بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره ، ومن كان يؤمن
بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو يسكت . إن الله يحب
الخير الحليم المتعفف ، ويبغض الفاحش الضنين السائل
الملحف . إن الحياء من الإيمان ، والإيمان في الجنة ،
وإن الفحش من البذاء ، والبذاء في النار ( 1 ) .
وهذه
الرواية أيضا وسابقتها أيضا لا تدل على أنها ( ع ) هي
التي كتبت وألفت . بل في الرواية الأولى دلالة على عكس
ذلك ، لأنها ذكرت : أنه ( صلى الله عليه وآله وسلم )
أعطاها " كربة " مكتوبة
| |
( 1 ) دلائل
الإمامة : ص 1 وعوالم العلوم : ج 11 ص 188 و 620 و 621
. ( الجزء الخاص بالزهراء ( ع ) . وفي هامشه عن مسند
فاطمة ( ع ) : ص 113 . وراجع مستدرك الوسائل : ج 18
وسفينة البحار : ج 1 ص 229 و 231 والمعجم الكبير
للطبراني : ج 22 ص 413 مع اختلاف في اللفظ . ( * ) |
|
|
من عنده ، وقال : تعلمي ما فيها .
3 - وروى
الصدوق بسنده إلى أبي نضرة ، عن جابر ، رواية مفادها :
أنه دخل على فاطمة عليها السلام ليهنئها بمولودها
الحسين ( ع ) ، فإذا بيدها صحيفة ( 1 ) بيضاء ، درة ،
فسألها عنها ، فأخبرته : أن فيها أسماء الأئمة من
ولدها ، وأنها قد نهيت عن أن تمكن أحدا من أن يمسها
إلا نبي ، أو وصي ، أو أهل بيت نبي ، ولكنه مأذون أن
ينظر إلى باطنها من ظاهرها ، فنظر إليها ، وقرأ . . ثم
ذكر ما قرأه ( 2 ) .
| |
( 1 ) عبرت بعض النصوص الواردة في المصادر التي في
الهامش باللوح .
( 2 ) عيون أخبار الرضا
: ج 1 ص 40 و 44 و 46 . والاختصاص
ص 210 والأمالي للطوسي ج 1 ص 297 والخصال ج
2 ص 477 / 478 وكمال الدين ص 305 . 313 . ( * )
|
|
|
|