|
مأساة الزهراء عليها السلام ج 1 - العلامة
السيد جعفر مرتضى العاملي - ص
135 |
|
خلفيات صرحت بها الكلمات
وقضية الزهراء أيضا ، وما
جرى عليها بعد رسول الله ( ص ) سيكون حدثا تاريخيا
مفيدا جدا من حيث دلالاته الالتزامية ، إذ فرق بين أن
يقال لك : إن الذين اغتصبوا الخلافة قد ضربوا الزهراء
( ع ) فور وفاة أبيها إلى درجة أنهم أسقطوا جنينها ،
وكسروا ضلعها الشريف ، إلى غير ذلك مما هو معروف ،
وبين أن يقال لك كما يقول البعض : إنهم ما زادوا على
التهديد بإحراق بيتها .
ثم يقال لك : إنهم كانوا
يحترمونها ، ويجلونها ، أو على الأقل يخشون من الإساءة
إليها بسبب موقعها واحترام الناس لها ، الأمر الذي
يعني إن تهديدهم لها صوري لا حقيقة له ، ثم يتسع
المجال لمن
يريد أن يقول لك بعدها : إنهم في أمر
الخلافة ، قد اجتهدوا فأخطأوا .
ثم هو يقول لك مرة
أخرى ، لكي يمهد لإقناعك بأنهم مأجورون على غصب
الخلافة : " إن النبي ( ص ) نص على علي عليه السلام ،
لكن الصحابة قد فهموا ذلك بطريقة أخرى " .
أي أن
القضية لم تكن عدوانا ، ولا هي غصب حق معلوم ، وإنما
كانت مجرد سوء فهم لكلام الرسول ( ص ) ، ولم يكن سوء
الفهم هذا منحصرا بالمعتدين ، والغاصبين ، بل الصحابة
كلهم قد فهموا نفس ما فهمه الغاصبون حيث يقال لك في
مورد آخر : إن النبي ( ص ) قد نص على علي عليه السلام
يوم الغدير ، لكن طبيعة الكلام الذي قاله النبي تجعل
الناس في شك .
إذن ، هم يريدون منك أن تقول " ألف "
لكي تقول " باء " ، ثم ينتزعون منك " التاء " وهكذا
إلى " الياء " . .
العقبة الكؤود : وأعظم عقبة تواجه
هؤلاء هي ضرب الزهراء ( ع ) ، وإسقاط جنينها ، وإحراق
بيتها ، واقتحامه بالعنف والقسوة البالغة ، دونما مبرر
مقبول أو معقول .
ولو أن عليا هو الذي كان قد واجه
القوم لأمكن أن تحل العقدة ، باتهامه بأنه هو المعتدي
على المهاجمين ( ! ! ) .
ويزيد الأمر تعقيدا ما قاله
النبي ( ص ) في حق فاطمة عليها السلام ، وكون هذه
الأمور قد حصلت فور وفاته صلى الله عليه وآله ،
وفي بيت الزهراء بالذات ، وبطريقة لا يمكن
الدفاع عنها أو توجيهها .
فإن ما فعلوه مخالف للشرع
والدين من جهة ، ومخالف للأخلاق الإنسانية وللوفاء
لهذا النبي الذي أخرجهم من الظلمات إلى النور ، وكانوا
على شفا حفرة من النار فأنقذهم منها من جهة أخرى .
ثم
هو يصادم المشاعر النبيلة والعواطف والأحاسيس
الإنسانية ، وهو يصادم الوجدان ، والضمير أيضا ، وكل
الأعراف وكل السجايا وحتى العادات ، من جهة ثالثة .
ويراد لمرتكب هذه الأمور العظيمة أن يجعل إماما للأمة
، وفي موقع رسول الله ( ص ) ، وأن يؤتمن على الدين ،
وعلى الإنسان ، وعلى الأخلاق ، والقيم ، وعلى أموال
الناس ، وأعراضهم وأن يوفر لهم الأمن والكرامة والعزة
، وأن يربي الناس على الفضيلة والدين والأخلاق .
فإذا
كان نفس هذا الشخص يرتكب ما يدل على أنه غير مؤهل لذلك
كله ، لأن ما صدر منه قد لامس كل ذلك بصورة سلبية
صريحة ، فإن ذلك يعني أن معرفة هذه العظائم تصبح
ضرورية لكل الناس الذين يجدون لهذا الشخص أثرا في كل
الواقع الفكري ، والسياسي والمذهبي الذي يعيشونه ، وله
دور حساس في كل مفاهيمهم وفي كل واقعهم الديني ،
والإيماني ، بل وحتى على مستوى المشاعر والأحاسيس .
إذن ، فإن ما صدر عن هذا الشخص ليس أمورا شخصية تعنيه
هو دوننا ، إذ أن ما ارتكبه لم يكن مجرد نزوة عارضة ،
أو شهوة جامحة ، بل هو يعبر عن روحيته ، وعن نظرته
لتعاليم الدين ، وعن قيمة رسول الله ( ص ) في نفسه ،
وعن قسوته وعن حقيقة مشاعره
الإنسانية ، وأحاسيسه البشرية ، وعن
أخلاقياته ، وعن قيمه ، وليست القضية هي أنه اجتهد
فأخطأ فله أجر ، أو أصاب فله أجران ( 1 ) ، كما رواه
لنا أتباع مدرسة الخلفاء ، وأخذناه عنهم ، وصرنا نردده
من دون تثبت ، ثم إنهم بنفس هذه القاعدة ( ! ! ) برروا
لنا قتال عائشة ومعاوية لعلي عليه السلام ، وثبت لهما
الآجر الواحد بقتاله ، وبقتل عشرات الألوف من المؤمنين
والمسلمين .
بل قد ادعوا : أن عبد الرحمان بن ملجم قد
اجتهد فأخطأ في قتل علي ، فهو مأجور أجرا واحدا على
جريمته ( 2 ) وأبو الغادية قاتل عمار بن ياسر أيضا قد
اجتهد فأخطأ ، فهو مأجور أجرا واحدا على قتل عمار ( 3
) .
فقضية الزهراء إذن أساسية في حياتنا الفكرية
والإيمانية ، ولها ارتباط بأمر أساسي في هذا الدين ،
فلا ينبغي الاستهانة بها ، أو التقليل من أهميتها .
اجتهد فأخطأ ؟ ! .
وبعد : فإن أول من طرح مقولة
الاجتهاد ، والخطأ في الاجتهاد ، لتبرير جرائم ارتكبها
الآخرون هو - فيما نعلم - الخليفة الأول ، حينما طالبه
الخليفة الثاني بإصرار بمعاقبة خالد بن الوليد لقتله
الصحابي
| |
( 1 ) هذه الرواية رويت من غير طرق الشيعة في الأكثر .
.
( 2 ) المحلى : ج 10 ص 484 .
والجوهر النقي : ( مطبوع بهامش سنن البيهقي ) ، ج 8 ص
58 عن الطبري في التهذيب .
( 3 ) الفصل : ج 4 ص 161 .
( * ) |
|
|
المعروف مالك بن نويرة ، حينما امتنع عن
الاعتراف بشرعية الحكم الجديد ، وأصر على الالتزام
بالوفاء للخليفة الذي أقصي عن موقعه ، ثم نزا على
امرأة ذلك القتيل في الليلة التي قتله فيها بالذات ،
فإن أبا بكر أطلق في هذه المناسبة بالذات كلمته
المعروفة : " تأول فأخطأ " أو " اجتهد فأخطأ " ( 1 ) .
ثم جاء من روى حديثا يجعل لمن أصاب في اجتهاده أجرين ،
وللمخطئ أجرا واحدا ، كما رواه عمرو بن العاص ، وأبو
هريرة ، وعمر بن الخطاب ( 2 ) .
وكانت هذه المقولة
بمثابة " الاكسير " الذي يحول التراب إلى ذهب ، بل هي
أعظم من الاكسير ، فقد بررت أفظع الجرائم وأبشعها ،
حتى جريمة قتل الأبرياء في الجمل ، وصفين ، وقتل علي
بن أبي طالب ، وعمار بن ياسر كما قدمنا ، ثم بررت
جريمة لعن علي ( ع ) على ألوف المنابر ألف شهر ، ثم
جريمة قتل الحسين ( ع ) وذبح أطفاله ، وسبي عقائل بيت
الوحي وسوقهن من بلد إلى بلد . . إلى غير ذلك مما لا
مجال لتتبعه واستقصائه . . ومن أجل تتميم الفائدة
وتعميمها ، فقد منح جيل من الناس
| |
( 1 ) وفيات الأعيان : ج 6 ص 15 والمختصر في أخبار البشر
: ج
1 ص 158 وروضة المناظر ، لمحمد بن الشحنة ( مطبوع
بهامش الكامل في التاريخ ) : ج 7 ص 167 والكامل في
التاريخ : ج 3 ص 49 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي : ج 1 ص
179 ، وتاريخ الطبري ط ليدن : ج 4 ص 1410 .
( 2 ) راجع
: مسند أحمد ج 4 ص 198 و 204 وراجع : ص 205 وراجع : ج
2 ص 187 وراجع : صحيح البخاري ج 4 ص 171 ، وصحيح مسلم
: ط دار إحياء التراث العربي ، ج 3 ص 1342 وسنن أبي
داود : ج 3 ص 299 والجامع الصحيح للترمذي : ج 3 ص 615
والمحلى : ج 1 ص 69 / 70 . ( * ) |
|
|
بأكمله وسام الاجتهاد ( 1 ) ، الذي يبرر له
كل أخطائه ، مع أن فيهم مرتكب الزنا ، وشرب الخمر ،
والقتل ، والسرقة ، وغير ذلك فضلا عن الخروج على إمام
زمانه ، ثم فيهم العالم والجاهل إلى درجة أنه لا يحسن
أن يتوضأ ، أو أن يطلق امرأته . بل لقد قالوا : إن ما
فعلوه كان بالاجتهاد والعمل به واجب ، ولا تفسيق بواجب
( 2 ) .
بل قال البعض : يجوز للصحابة العمل بالرأي في
موضع النص ، وهذا من الأمور الخاصة بهم دون غيرهم ( 3
) .
إلى أمور ومقولات كثيرة تحدثنا عنها في كتابنا "
الصحيح من سيرة النبي ( ص ) " في الجزء الأول منه ،
فراجع .
| |
( 1 ) راجع : التراتيب
الإدارية : ج 2 ص 364 / 366 .
( 2 ) راجع : فواتح الرحموت في شرح مسلم الثبوت : ج 2 ص 158 و 156 وسلم
الوصول : ( مطبوع مع نهاية السول ) ج 3 ص 176 و 177
والسنة قبل التدوين : هامش ص 396 و 404 و 405 . وحول
ثبوت الأجر للمشتركين في الفتنة ، راجع :
اختصار علوم
الحديث ( الباعث الحثيث ) : ص 182 . وإرشاد الفحول :
69 .
( 3 ) أصول السرخسي : ج 2 ص 134 و 135 . ثم ناقش
هذه المقولة وردها . ( * ) |
|
|
|