|
مأساة الزهراء عليها السلام ج 1 - العلامة
السيد جعفر مرتضى العاملي - ص
157 |
|
الفصل الرابع : ماذا يقول المفيد ( ره )
--------------------------------------- ص 158
-----------------------------------------
. . .
--------------------------------------- ص 159
-----------------------------------------
توطئة وبداية : هناك من يحاول إثارة الشك
بكل ما جرى على الزهراء عليها السلام ، باستثناء
التهديد بإحراق البيت وغصب فدك . وحتى هذا التهديد ،
فإنه يحاول أو يخفف من وقعه ، ويجعله صوريا بدعواه : "
أن الذين جاء بهم الخليفة الثاني ليهاجموا الزهراء
عليها السلام ، كانت قلوبهم مملوءة بحبها فكيف نتصور
أن يهجموا عليها " .
هذا بالإضافة إلى أن قوله : " إن
الناس كانوا يحترمونها ويجلونها ، ولن يكون من السهل
القيام بأي عمل ضدها " . يعني : أن يصبح التهديد شكليا
، ثم يضيف قوله : إن رأس المهاجمين قد استثنى الزهراء
عليها السلام ، وأخرجها عن دائرة التهديد ، حيث فسر
كلمة : " وإن " في جواب من قال : إن فيها فاطمة ،
قائلا : " إن المراد بقوله " وإن " : لا شغل لنا
بفاطمة ، إنما جئنا لاعتقال علي " .
ثم استشهد لذلك
كله بما تقدم في الفصل السابق ، وبما سنذكره في هذا
الفصل وما يأتي بعده .
والذي نريد أن نلم به في فصلنا هذا هو ما
رأى أنه يؤيده من أقوال بعض أساطين المذهب ، ورواد
العلم ، حيث استشهد بكلام ثلاثة من هؤلاء وهم :
1 -
الإمام الشيخ المفيد قدس الله نفسه الزكية .
2 - آية
الله الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء رحمه الله .
3 - آية
الله السيد عبد الحسين شرف الدين طاب ثراه .
فنحن نورد
أولا كلام المفيد ( قدس سره ) ، ثم نوضح أنه لا ينفعه
فيما يريد إثباته ، وذلك فيما يلي من مطالب . الاستناد
إلى أقوال العلماء : قلنا : إن البعض يستشهد لتأييد تشكيكاته فيما جرى على الزهراء عليها السلام ، من
بلايا ومصائب بأقوال ينسبها إلى بعض كبار العلماء ،
كالمفيد ، وكاشف الغطاء ، وشرف الدين .
وقبل إن ندخل
في مناقشة صحة ما ينسب إليهم ، نود التذكير بأمر هام
يرتبط بالاستشهاد بأقوال العلماء بصورة عامة .
فنقول :
إن البعض قد يعتذر عن مخالفاته الكثيرة في أمور الدين
لما عليه عامة جهابذة العلم وأساطينه ، بأن فلانا
العالم يقول بهذا القول ، وأن فلانا العالم الآخر يقول
بذلك القول . . وهكذا . . وقد لا يقتصر في اعتذاره هذا
على أمور الفقه بل يتعداها إلى
العقائد ، والتاريخ : والتفسير ، وغير ذلك
، وقد يحتاج أحيانا ، قبل أن يجهر ببعض قناعاته إلى أن
يمهد لها بما يبعدها عن الإستهجان والاستغراب بأنواع
التمهيدات ، فيسرب رأيه أولا عن طريق بعض المقربين له
، ثم يعلن في مناسبات متوالية أنه لا يزال يدرس
الموضوع ، ويلمح في الوقت نفسه إلى فرص انتاج الرأي
المطلوب بطريقة أو بأخرى .
وحين لا يجد أحدا من
الفقهاء يوافقه على ما يقول ، فأنه يلجأ إلى اعتبار
الاحتياط الوجوبي بنقيض قوله إشارة بل اتجاها نحو
موافقته بالفتوى في المستقبل . فالقول بأن الأحوط هو
حرمة حلق اللحية مثلا ، يعتبره خطوة على طريق القول
بالحلية ، ويصلح للاستشهاد به لها .
ثم إنك قد تجده
يقول : أنا فلانا العالم والفقيه المعروف لدى عامة
الناس ، هو أول من قال بكذا ، فإذا راجعت الكتب
والموسوعات الفقهية ، تجد أن الأمر ليس كذلك ، بل قد
سبق هذا الفقيه إلى هذا القول كثيرون آخرون .
فقد يقال لك مثلا في العديد من المرات والمناسبات أن المرجع
الديني الكبير السيد محسن الحكيم رحمه الله هو أول من
أفتى بطهارة الكتابي ، مخالفا بذلك الإجماع ، والقصد
من هذا القول هو تبرير مخالفات الإجماع التي تصدر من
قبل من يهمه أمثال هذه التبريرات ، مع أن ابن أبي عقيل
، وابن الجنيد ، والشيخ المفيد في أحد قوليه ، وربما
نسب إلى الشيخ الطوسي أيضا القول بذلك - وجميع هؤلاء
من كبار قدماء فقهاء الإمامية - ، وقد أفتوا بطهارة
الكتابي قبل السيد الحكيم رحمه الله .
ومثال آخر نذكره
هنا ، وهو أن البعض حين يسأل عن السبب
في تحليله اللعب بآلات القمار نجده يبادر
إلى الاستشهاد بالسيد الإمام الخميني ( ره ) على أنه
قد خالف الإجماع حين حلل اللعب بالشطرنج وهو من آلات
القمار . . مع أن السيد الإمام لم يحلل الشطرنج الذي
هو من آلات القمار ، بل قال رحمه الله : " إن الشطرنج
إن كان قد خرج عن كونه من آلات القمار ، جاز اللعب به
" .
وهذه قضية تعليقية شرطية ، وصدق الشرطية لا يستلزم
صدق طرفيها . على أن من الواضحات كون الافتاء بالجواز
معلقا على شرط ، لا يعني المخالفة لمن أفتى بالحرمة
بدون ذلك الشرط . وحين تجتمع لدى البعض نوادر من
الفتاوى ، على نحو ملفت للنظر ، نجده يبرر ذلك بأن
فلانا العالم قد قال بهذه الفتوى ، وقال فلان العالم
الآخر بتلك ، وهكذا .
ولكننا لا ندري لماذا يكون الحق
في ذلك كله مع هؤلاء في خصوص المسائل التي شذوا فيها
مما وافقهم عليه ، ولكنهم يخطئون في فتاواهم والمشهور
يخطئ معهم ، في غير ذلك من فتاوى تخالفه ، فضلا عن
خطأهم فيما شذوا فيه عن المشهور ، ولم يوافقهم هذا
البعض أيضا عليه ؟ !
على أن اجتماع فتاوى شاذة كثيرة
لدى شخص واحد ، قد يؤدي إليه أن يصبح هذا الشخص خارج
دائرة المذهب الفقهي الذي ينتمون إليه . . وإن كان لا
يخلو فقيه من الموافقة في بعض فتاواه لبعض الفتاوى
الشاذة اليسيرة جدا ، والتي لا تضر ، ولا تخرجه عن
النهج العام للمذهب الذي ينتمي إليه .
وبعد هذه
المقدمة ، ندخل إلى الموضوع الذي هو محط نظرنا ، فنقول
: الإجماع على المظلومية :
=>
لمتابعة الموضوع اضغط على الصفحة التالية أدناه
|