|
مأساة الزهراء عليها السلام ج 1 - العلامة
السيد جعفر مرتضى العاملي - ص
166 |
|
مراد الشيخ المفيد في كتاب الإرشاد
يقول البعض :
يقول الشيخ المفيد ( قده ) : " وفي الشيعة من يذكر :
أن فاطمة صلوات الله عليها أسقطت بعد النبي صلى الله
عليه وآله ولدا ذكرا ، كان سماه رسول الله عليه السلام
- وهو حمل - محسنا ، فعلى قول هذه الطائفة أولاد أمير
المؤمنين عليه السلام ثمانية وعشرون . والله أعلم ( 1
) " .
وقد نقل السيد الأمين كلام الشيخ المفيد - هذا -
في كتابه : أعيان الشيعة . ونقله المجلسي في البحار
وآخرون . فإذا كان الشيخ الطوسي ينقل اتفاق الشيعة على
أن عمر ضرب على بطن فاطمة حتى أسقطت محسنا ، والرواية
بذلك
| |
( 1 ) الإرشاد : ج 1 ص 355 ( ط
مؤسسة آل البيت لإحياء التراث . سنة 1416 ه . ق .
بيروت لبنان ) والبحار : ج 42 ص 90 عنه وكشف الغمة : ج
2 ص 67 . ( * )
|
|
|
مشهورة عندهم ( 1 ) .
فالشيخ المفيد يخالف
الطوسي ، وهو معاصر له بل هو أستاذه ، وكلامه " يوحي
بأنه لا يتبنى الاسقاط من الأساس ".
والجواب :
أولا :
إن العبارة المذكورة لا تدل على مخالفة المفيد للطوسي
في هذا الأمر ، لأن كلمة " الشيعة " كانت في زمن الشيخ
المفيد تطلق على العديد من الفرق ، مثل : الزيدية ، والاسماعيلية ، والإمامية ، وغيرهم ، بل وعلى المعتزلة
أيضا الذين كانوا هم الحاكمين في بغداد ، هم الذين
سمحوا بإقامة مناسبة عاشوراء بالطريقة المعروفة
والمتداولة حتى يومنا هذا . وكان يطلق على الشيعة
الإمامية من قبل خصومهم اسم : الرافضة .
وقد تحدث النوبختي في كتابه فرق الشيعة ، والأشعري في المقالات
والفرق ، والشيخ المفيد نفسه في الفصول المختارة ،
وغيرهم عن فرق الشيعة ، ومن أراد التفصيل فليراجعها ،
وغيرها من كتب المقالات والفرق ، بل إن العلامة الفاضل
المازندراني الخواجوئي قد رد على من أدعى أن إطلاق
كلمة الشيعة على خصوص من يعتقد بإمامة علي ، وان لم
يعتقد بإمامة سائر الأئمة ، بقوله : " هذا منه غريب ،
يدل على قلة تتبعه وعدم تصفحه . فإن في كثير من
الأخبار دلالة على إطلاق الشيعة على الزيدية والواقفية
، ومن يحذو حذوهم ( 2 ) " .
بل روي عن الإمام الصادق عليه السلام : " أنه حدث عمر
بن
| |
( 1 ) تلخيص الشافي : ج
3 ص 156 . |
( 2 )
الرسائل الاعتقادية
: ص 27 . ( * ) |
|
|
يزيد في فضائل الشيعة مليا " ، ثم قال : "
إن من الشيعة بعدنا من هم شر من النصاب ، قلت : جعلت
فداك ، أليس ينتحلون حبكم ويبرؤون من عدوكم ؟ ! قال :
نعم الخ . . ( 1 ) " .
فالمفيد هنا لا يريد أن ينسب
حديث إسقاط المحسن إلى جميع الشيعة بالمعنى الأعم ، بل
إلى خصوص الإمامية منهم . ولعله رحمه الله اختار
التعبير بكلمة " الطائفة " بعد ذلك ، ليشير إلى أن
طائفة من الشيعة تروي ذلك ، وليس كل الطوائف التي يطلق
عليها اسم شيعة .
والملفت أنه رحمه الله لم يقل : " إن
بعض الشيعة يروي حديثا " بل قال : " وفي الشيعة من
يذكر : أن فاطمة صلوات الله عليها أسقطت بعد النبي الخ
. . " فلم يشر رحمه الله إلى حديث واحد أو أكثر ، ولا
أشار إلى حجم القائلين بذلك من الشيعة من حيث القلة
والكثرة . بل أشار إلى أنهم يصح وصفهم بكلمة " طائفة "
حين قال : " فعلى قول هذه الطائفة الخ . . " .
وقد لقب
الشيخ الطوسي رحمه الله " بشيخ الطائفة " ، والمقصود
هو طائفة الإمامية ، لا مطلق الشيعة .
وثانيا : لقد
كان عصر المفيد رحمه الله بالغ الحساسية ومن أصعب
العصور في تاريخ شيعة أهل البيت ( ع ) ، حيث كانت
الفتن تتجدد في كل عام في يوم الغدير ، وفي خصوص
مناسبة عاشوراء ، حيث كانت الشيعة تقيم ذكريات لا يصبر
عليها خصومهم من حنابلة بغداد المتشددين والمتعصبين
فيهاجمونهم ، وتكون المصائب
| |
( 1 ) المصدر السابق . ( * ) |
|
|
والنكبات ، والبلايا والمذابح الخطيرة ،
حسبما أوضحناه في كتابنا " صراع الحرية في عصر المفيد
" الفصل الأول ، وقد أحرقوا في بعض السنين بيوت الشيعة
في الكرخ ، فمات بسبب ذلك ثمانية عشر ألف إنسان ، وعند
ابن خلدون : عشرون ألفا بين طفل وشاب وامرأة . فكان
رحمه الله يريد أن يتعامل مع الأمور بمنتهى الحكمة
والدقة .
وكان كتابه " الإرشاد " الذي ألفه في أواخر
حياته ، قد راعى فيه أن يكون كتاب تاريخ يتوخى فيه
بالإضافة إلى الدقة والأمانة العلمية ، أن يكون مقبولا
لدى الكافة ، ويمكن للجميع أن يستفيدوا منه ، ولم يرد
له أن يتخذ صفة غير صفة تحديد الحدث بتفاصيله ، بعيدا
عن المذهبيات ، بل هو يتجاوز الحدود والتعصبات
المذهبية ليكون كتابا للناس جميعا .
فلأجل ذلك لم يذكر
فيه الأمور المثيرة والحساسة بصورة ملفتة للنظر ، حتى
أنه لم يذكر شيئا عن تفاصيل حادثة السقيفة ، وكل ما
يرتبط بشأن البيعة لأبي بكر ( 1 ) ، ويبدو أن ذلك منه
رحمه الله يدخل في نطاق سياساته المتوازنة ، التي
تراعي الظروف ، والأجواء ، وتتعامل معها بواقعية هادفة
، وبمسؤولية ووعي .
أما الشيخ الطوسي فكان كتابه دفاعا
عن خصوص الشيعة الإمامية ، لأن الشافي قد رد فيه السيد
المرتضى على القاضي عبد الجبار المعتزلي ، فلخصه
الطوسي رحمه الله .
فالطوسي إذن كالسيد المرتضى قد كتب
كتابه بصفته إماميا ، يدافع عن مذهبه ، ويثبت صحته ،
فهو يريد أن ينتهي إلى الحد المذهبي الفاصل بينه وبين
غيره ، بينما أراد الشيخ المفيد لكتابه الإرشاد أن
يتجاوز هذه الحدود ، ليكون تاريخا
| |
( 1 ) راجع كتاب الإرشاد : ج 1 ص 189 ( طبع مؤسسة آل البيت "
ع " ) . ( * ) |
|
|
للجميع ، يمكنهم الإطلاع عليه ، والاستفادة
منه دون حرج أو تهمة . . فإذا كان الإمامية فقط هم
المجمعون على ذلك دون غيرهم من فرق الشيعة ، كالاسماعيلية والزيدية الخ . . فلا يصح من المفيد نسبة
ذلك إلى غير الإمامية من الطوائف التي لم تجمع عليه .
والملاحظ : إن المفيد رحمه الله قد تجنب ذكر ما يثير
العصبيات من جهة ، ثم أشار هنا إلى أمر حساس بصورة
خفية وذكية من جهة أخرى ، حيث أثبت وجود حمل سماه
النبي ( ص ) محسنا ، وترك للقارئ حرية البحث عن دور
هذا الولد ، وعن مصيره .
ثالثا : أما القول بأن المفيد
يخالف الطوسي في هذا الأمر فسيأتي في الإجابة على
السؤال الآتي ، في العنوان التالي : أنه لا يخالفه بل
هو يوافقه فلا حاجة إلى الاستعجال بالأمر هنا .
رابعا
: لقد كان الشيخ الطوسي تلميذا للمفيد ، وكان المفيد
رحمه الله هو الرجل الأول في الشيعة آنئذ ، فلا يعقل
أن يدعي الطوسي إجماع الشيعة بهذا الجزم والحزم
والوضوح ، مع مخالفة أستاذه وأعظم رجل في الشيعة على
الإطلاق في ذلك ؟ !
وعلى الأقل كان المفترض فيه أن
يذكر لنا : أن أستاذه مخالف لهذا الإجماع ، بل إن
أستاذه ينفي هذا الإجماع ولا يقبل بأصل وجوده ! ! وهل
يستطيع الطوسي أن يقرر إجماعا ينفيه أستاذه صراحة
وينكره ، ويقول : إن بعض الشيعة فقط هم القائلون ؟ !
أم أن الطوسي لم يطلع على رأي أستاذه ؟ ! ! أو أنه
إطلاق دعواه الإجماع جزافا ، ومن دون تثبت ؟ !
أن ذلك كله مما لا يمكن قبوله ، وهذا ما
يؤكد أن مراد المفيد من كلامه في الإرشاد هو ما قلناه
، ولا يريد به ما ينقض أو يعارض الإجماع الذي تحدث عنه
الطوسي أبدا .
=>
لمتابعة الموضوع اضغط على الصفحة التالية أدناه
|