|
مأساة الزهراء عليها السلام ج 1 - العلامة
السيد جعفر مرتضى العاملي - ص
171 |
|
المفيد لم يذكر ما ذكره الطوسي :
يقول البعض : " إذا
كان الشيخ الطوسي ينقل اتفاق الشيعة على ضرب وإسقاط
جنين الزهراء ، فإن الشيخ المفيد الرجل الشيعي الصلب
في حجاجه مع مخالفيه في المذهب معاصر للطوسي ، وهو لم
يذكر في كتبه ما عدا الاختصاص - الذي يشك في نسبته
إليه - قضية كسر الضلع وغيرها مما يقال في هذا المجال
أبدا " .
ويزيد هذا البعض فيقول : " لقد تتبعت الموارد
التي ذكرت فيها الزهراء في كتبه - أي في كتب الشيخ
المفيد - فلم أجد حديثا عن كسر الضلع ، وإسقاط الجنين
، ونحو ذلك . . ولا أدري إذا كان تتبعي دقيقا " .
والجواب : إننا قبل كل شئ نود أن نسجل هنا الملاحظة
التالية : وهي : أن هذا البعض يصر هنا على التصريح
بكسر الضلع مع أن نقضه لكلام الطوسي بكلام المفيد في
عبارته الأولى ، يدل على أنه بصدد إنكار كل ما ذكره
الطوسي من ضرب الزهراء وإسقاط المحسن .
ولم يتحدث
الطوسي عن كسر الضلع في تقريره للاجماع ، وتقريره
لتضافر الروايات به : فما المبرر لإقحام كسر الضلع في
هذا المورد ؟ ! .
وبعد هذه الملاحظة نقول : إن الشيخ المفيد
قد ذكر مظلومية الزهراء ، وكثيرا مما جرى عليها في
كتبه . وفي مجال مناقشة ما قاله ذلك البعض حول هذا
الأمر نقول :
أولا : لم نفهم المقصود بالأمور التي
أشار إليها هذا المتحدث بكلمة " وغيرها " التي عطفها
على " كسر الضلع " فهل المقصود هو ضربها عليها السلام
؟ أو إسقاط جنينها ؟ أو إحراق بيتها ، حتى أخذت النار
في خشب الباب ؟ !
ثانيا : إن عدم ذكر المفيد لشئ من
ذلك في كتبه - لو سلمنا صحته - لا يدل على أنه ينكره ،
لأن السكوت وعدم ذكر شئ لا يدل على إنكاره من الأساس .
بل قد قلنا : إن تقرير الطوسي الذي هو تلميذ المفيد ،
للإجماع ، وإرساله ذلك إرسال المسلمات ، يدل على أن
أستاذه كان على رأس القائلين به ، والمتحمسين له ، إذ
لا يصح من الشيخ الطوسي ذكر هذا الأمر بهذا الجزم
والحزم والوضوح التام ، إذا كان أحد أساتذته الذين لا
يشك أحد ، من موافقيه ومخالفيه ، في تضلعه في هذه
القضايا يخالف في هذا الأمر وينكر وجود الإجماع من
الأساس .
أما إذا كان هذا الأستاذ - الذي هو المفيد
بالذات - يقول بأن أفرادا قليلين قد قالوا بهذا القول
، فإن القضية - أعني دعوى الإجماع - تصبح أكثر إشكالا
، لأن دعوى الطوسي للإجماع في هذه الحالة . . ، ستكون
من أوضح مصاديق الكذب والافتراء منه على شيوخ المذهب
ورموزه ، والطوسي أجل من أن يتوهم في حقه ذلك .
ثالثا
: إن المفيد حين يريد أن يخاطب الشيعة ، ويؤلف كتابا
لهذه
الطائفة ، فإنه لا يتوانى عن الجهر
والتصريح بتفاصيل ما جرى على الصديقة الطاهرة عليها
السلام .
فقد روى في " الاختصاص " ، عن عبد الله بن
سنان عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال : إن أبا
بكر كتب للسيدة الزهراء عليها السلام كتابا برد فدك ،
فخرجت والكتاب معها ، فلقيها عمر . فقال : يا بنت محمد
ما هذا الكتاب الذي معك ؟ فقالت : كتاب كتب لي أبو بكر
برد فدك . فقال : هلميه إلي . فأبت أن تدفعه إليه ،
فرفسها برجله ، وكانت حاملة بابن اسمه " المحسن "
فأسقطت المحسن من بطنها ، ثم لطمها ، فكأني أنظر إلى
قرط في أذنها حين نقفت ( 1 ) .
ثم أخذ الكتاب فخرقه .
فمضت ومكثت خمسة وسبعين يوما مريضة مما ضربها عمر ، ثم
قبضت ( 2 ) .
وروى أيضا رحمه الله في ذلك الكتاب -
أعني الاختصاص - رواية ثانية ذكرت : أن " الثاني " قد
ضرب الباب برجله فكسره ، وأنه رفس فاطمة برجله ،
فأسقطت المحسن ( 3 ) .
| |
( 1 ) نقفت : كسرت
.
( 2 ) الاختصاص : ص 185 والبحار : ج 29 ص 192 .
( 3
) راجع الاختصاص : ص 344 . والبحار : ج 29 ص 192 ، و ج
28 ص 227 و ج 7 ص 270 . ( * ) |
|
|
وروى أيضا حديثا آخر في الكتاب نفسه ، جاء
فيه : عن أبي عبد الله ( ع ) قوله : " وقاتل أمير
المؤمنين ، وقاتل فاطمة ، وقاتل المحسن ، وقاتل الحسن
والحسين " ( 1 ) .
وأما عن صحة نسبة كتاب الاختصاص
للشيخ المفيد ، فقد قلنا في الإجابة على سؤال يأتي :
إن التشكيك في صحة نسبته للشيخ المفيد في غير محله ،
وبلا مبرر مقبول أو معقول ، وقلنا أيضا : إنه يظهر أن
المفيد قد اختار هذا الكتاب من كتاب الاختصاص ، لابن
عمران ، وبناء على هذا يصبح اختياره رحمه الله لهذا
الحديث بالذات ، لأجل مزية رآها فيه رجحته على غيره .
رابعا : قد تحدث الشيخ المفيد رحمه الله عما جرى على
الزهراء في أكثر من مورد في كتبه الأخرى أيضا .
فلاحظ
ما يلي :
1 - قال الكنجي الشافعي عن الشيخ المفيد رحمه
الله : " إنه قد زاد على الجمهور : إن فاطمة عليها
السلام أسقطت بعد النبي ذكرا ، وكان سماه رسول الله (
ص ) محسنا ، وهذا شئ لم يوجد عند أحد من أهل النقل إلا
عند ابن قتيبة ( 2 ) " .
فالكنجي إذن ، ينسب القول
بإسقاط المحسن إلى المفيد رحمه الله بالذات ، إلا أن
يكون مراده الإشارة إلى نفس ما ذكره رحمه الله في
الإرشاد . مع الاحتمال القوي بأن يكون قد أشار إلى ما
ورد في
| |
( 1 ) الاختصاص : ص 344 ، وكامل
الزيارات : ص 327 بسند آخر ، والبحار : ج 7 ص 270 و ج
8 ص 213 . ونقل أيضا عن بصائر الدرجات للصفار .
( 2 )
كفاية الطالب : ص 413 . ( * ) |
|
|
الاختصاص .
غير أننا نقول للكنجي هنا : إن
مراجعة بسيطة للنصوص المنقولة عن أهل النقل ، تظهر أن
كثيرين غير ابن قتيبة قد نقلوا ذلك أيضا ، وسنذكر إن
شاء الله شطرا كبيرا من هذه النصوص في بعض فصول الكتاب
.
2 - لقد ذكر الشيخ المفيد في كتابه " المقنعة " الذي
هو كتاب في الفقه الشيعي ، وكذا في كتاب " المزار "
زيارة الصديقة الطاهرة ، التي تنص على أنها عليها
السلام قد كانت شهيدة ، فقد جاء فيها : " السلام عليك
أيتها البتول الشهيدة الطاهرة " ( 1 ) . فهل هناك من
سبب لاستشهادها عليها السلام سوى ما جرى عليها من
هؤلاء القوم ؟ فهل استشهدت عليها السلام بمرض ألم بها
! ! أم بحادث عرض لها ، كسقوطها عن سطح منزلها ! ! أو
أنها تعرضت لحادث اغتيال من مجهول ؟ ! ! وستأتي النصوص
التي أوردها المفيد رحمه الله ، في مواضعها في قسم
النصوص إن شاء الله .
3 - قد ذكر المفيد قدس الله سره
الشريف محاولات إحراق بيت الزهراء في كتابه " الأمالي
" : عن الجعابي ، عن العباس بن المغيرة ، عن أحمد بن
منصور الرمادي ، عن سعيد بن عفير ، عن ابن لهيعة ، عن
خالد بن يزيد ، عن أبي هلال ، عن مروان بن عثمان ، قال
: " لما بايع الناس أبا بكر دخل علي عليه السلام
والزبير ، والمقداد ، بيت فاطمة عليها السلام ، وأبوا
أن يخرجوا . فقال عمر بن الخطاب : أضرموا
| |
( 1 ) المقنعة : ص 459 ، وراجع
البحار : ج 97 ص 195 .
والبلد الأمين : ص 198 . ( * ) |
|
|
عليهم البيت نارا ، فخرج الزبير ، ومعه
سيفه . . إلى أن قال : وخرج علي بن أبي طالب عليه
السلام نحو العالية ، فلقيه ثابت بن قيس بن شماس ،
فقال ما شأنك يا أبا الحسن ؟ ! . فقال : أرادوا أن
يحرقوا علي بيتي ، وأبو بكر على المنبر يبايع له ولا
يدفع عن ذلك ولا ينكره الخ . . . فقال له ثابت : لا
تفارق كفي يدك حتى أقتل دونك . فانطلقا جميعا حتى عادا
إلى المدينة ، فإذا فاطمة عليها السلام واقفة على
بابها ، وقد خلت دارها من أحد من القوم ، وهي تقول :
لا عهد لي بقوم أسوأ محضرا منكم ، تركتم رسول صلى الله
عليه وآله وسلم جنازة بين أيدينا وقطعتم أمركم بينكم
لم تستأمرونا ، وصنعتم بنا ما صنعتم ، ولم تروا لنا
حقا ( 1 ) " .
وهذا الحديث صريح بمحاولة اقتحام البيت
، وبأنهم قد اعتدوا على أهله ، وذلك لقوله ( ع ) : "
وأبو بكر على المنبر يبايع له ، ولا يدفع عن ذلك ولا
ينكره " ، فقد كان هناك هجوم يحتاج إلى دفع ، واعتداء
يحتاج إلى إنكار . كما أن التعبير ب " أرادوا أن
يحرقوا " يستبطن أنهم قد بذلوا المحاولة ، وجمعوا
الحطب مثلا .
خصوصا مع قوله عن أبي بكر : " لا يدفع
ذلك ولا ينكره " ، أي لا ينكر ولا يدفع ما أرادوا أن
يفعلوه من إحراق بيته . إذن فلم تكن القضية مجرد تهديد
بالقول . ويؤيد ذلك أيضا أنه قال : " أرادوا " حيث لم
يقل : " هددوا
| |
( 1 ) الأمالي للمفيد : ص
59 / 50 . ( * ) |
|
|
بإحراق بيتي " .
كما أن هذه الرواية صريحة
في أن البيت الذي هم بصدد مهاجمته قد كان في داخل
المسجد ، في مقابل منبر رسول الله صلى الله عليه وآله
، حيث كان أبو بكر جالسا على المنبر يبايع له هناك ،
بعد أن عاد من السقيفة مع أصحابه يزفونه إلى المسجد ،
ويجبرون الناس على البيعة له ، ثم جرى أمامه ما جرى
ولم يدفع ذلك ولم ينكره .
ومن الواضح : أن قبر رسول
الله ( ص ) قد كان في بيت فاطمة لا في بيت عائشة كما
حققناه ( 1 ) ، فلم يراعوا حرمة القبر ، ولا المسجد ،
ولا البيت ، ولا الزهراء .
4 - وقال المفيد أيضا في
كتاب الجمل : " لما اجتمع من اجتمع إلى دار فاطمة
عليها السلام ، من بني هاشم ، وغيرهم ، للتحير على أبي
بكر ، وإظهار الخلاف عليه ، أنفذ عمر بن الخطاب قنفذا
، وقال له : أخرجهم من البيت ، فإن خرجوا ، وإلا فاجمع الأحطاب على بابه ، وأعلمهم : أنهم إن لم يخرجوا
للبيعة أضرمت البيت عليهم نارا .
ثم قام بنفسه في
جماعة منهم المغيرة بن شعبة الثقفي ، وسالم مولى أبي
حذيفة ، حتى صاروا إلى باب علي عليه السلام ، فنادى :
يا فاطمة بنت رسول الله ، أخرجي من اعتصم ببيتك ليبايع
، ويدخل فيما دخل فيه المسلمون ، وإلا - والله - أضرمت
عليهم نارا ( 2 ) ، في حديث مشهور " .
وقد تقدم ما ذكره رحمه الله في كتاب
الإرشاد ، فلا داعي للإعادة .
=>
لمتابعة الموضوع اضغط على الصفحة التالية أدناه
| |
( 1 ) راجع : كتابنا دراسات وبحوث في التاريخ والإسلام
:
ج 1 ص 169 . البحث الذي هو بعنوان : أين دفن النبي ،
في بيت عائشة أم في بيت فاطمة ( ع ) .
( 2 ) الجمل : ط
جديد ، ص 117 و 118 . ( * ) |
|
|
|