|
مأساة الزهراء عليها السلام ج 1 - العلامة
السيد جعفر مرتضى العاملي - ص
171 |
|
كتاب الاختصاص للشيخ المفيد :
تقدم أن البعض : قد جعل
التشكيك في نسبة كتاب " الاختصاص " للشيخ المفيد ( قده
) ، ذريعة لرفض الاعتماد عليه فيما يرويه عن مظالم
الزهراء عليها السلام ، ولرفض نسبة رواية ذلك إلى
المفيد رحمه الله .
ونقول : إننا بعد التأمل فيما يثار
حول كتاب " الاختصاص " للشيخ المفيد ، وجدنا أن تلك
التساؤلات لا تصلح للاعتماد عليها للطعن في صحة هذه
النسبة إلى ذلك العالم الجليل . ونحن نجيب فيما يلي
بإيجاز عن بعض الأمور التي أثيرت حول هذا الكتاب فنقول
:
1 - إن في الكتاب روايات كثيرة تبدأ هكذا : " حدثني
جعفر بن الحسين المؤمن " ، فظن البعض : أن الكتاب من
تأليف هذا الرجل .
ونقول : إن هناك روايات كثيرة وردت
في الكتاب وهي لا تبدأ باسم هذا الرجل ، بل تبدأ
بأسماء آخرين ، أو تضيف أشخاصا آخرين بواسطة واو العطف
، وهذا لا يناسب نسبة الكتاب إلى الرجل المذكور .
2 -
إن أصحاب الفهارس ، مثل النجاشي في رجاله ، والطوسي في
فهرسته ، وابن شهرآشوب في معالم العلماء ، لم يذكروا
هذا
الكتاب ، في عداد مؤلفات المفيد . ويجاب
بأن جميع هؤلاء لم يذكروا جميع مؤلفات المفيد ، بل كل
منهم قد عد جملة منها ، وليكن كتاب الاختصاص من جملة
ما لم يذكروه . وسيأتي وجه عدم ذكرهم له في عداد
مؤلفاته إن شاء الله .
3 - إن النسخ الخطية لهذا
الكتاب فيها تشويش ، فإن خطبة الكتاب في نسخة تجدها
بعد صفحات من الكتاب في نسخة أخرى . ويجاب عن ذلك بأنه
قد تكون بعض النسخ قد انفرط عقدها ، فظمها منظموها
حسبما تيسر لهم .
4 - وهنا سؤال آخر أيضا ، وهو أنه
يقول : " قال محمد بن محمد بن النعمان " فمن الذي قال
ذلك يا ترى ؟ !
والجواب : أنه من قول المؤلف نفسه ،
كما جرت عليه عادة المؤلفين القدامى ، وليس قول آخرين
نقلوا ذلك عنه رحمه الله . واحتمال أن تكون هذه
العبارة قد كتبها البعض توضيحا ، ثم أدخلها النساخ في
الأصل اشتباها لا يعتد به ، وهو يحتاج إلى إثبات .
فإن
كان اختياره للمفيد دون سواه لأجل وجود بعض مشايخ
المفيد في الكتاب ، فإنه يقال له : كما كان هؤلاء من
مشايخه فقد كانوا أيضا من مشايخ غيره .
مع أن في
الكتاب آخرين لم يعلم أنهم من مشايخ المفيد وهم ثلاثة
أضعاف أولئك ، فلماذا استفاد من ذلك العدد القليل من
المشايخ ، أن الكتاب للمفيد ، ولم ينظر إلى من تبقى
منهم ، وهم أكثر عددا ؟ !
5 - كون الكتاب أشبه بكشكول روائي قد جاء
معظمه في فضائل أهل البيت عليهم السلام ، ولا يسير
الكتاب في ترتيبه ، وفق منهج منطقي منسجم ، والمفيد
يمتاز بالدقة والإبداع .
ونقول : إن هذا ليس عيبا في
الكتاب ، إذ قد يتعلق غرض بعض المؤلفين بتأليف مجموعات
كشكولية ، روائية أو غيرها . والمفيد نفسه هو صاحب
كتاب الأمالي الذي هو كتاب حديثي كشكولي أيضا . ودقة
وأبداع الشيخ المفيد لا يجب أن تتجلى في كتبه الحديثية
كما هو ظاهر . هذا ، مع غض النظر عن حقيقة : إن الكتاب
هو اختيار وانتخاب من الشيخ المفيد لكتاب الاختصاص
لابن عمران ، كما سنرى . .
6 - توجد في هذا الكتاب
بحوث لا تنسجم مع آراء المفيد في سائر كتبه ، ولا يدل
إطار الكتاب العام على أنه من تأليف متكلم عقلي كالشيخ
المفيد ، بل هو أقرب إلى تأليف أحد المحدثين كالشيخ
الصدوق مثلا .
وقد عرف الجواب على هذا مما قدمناه آنفا
، من أن الغرض قد يتعلق بحفظ بعض الأحاديث في ضمن
مجموعة كشكولية كما هو الحال في كتب الأمالي - مثلا -
التي ألف الشيخ المفيد واحدا منها .
بالإضافة إلى أنه
قد يكون جمع هذه الأحاديث قد حصل قبل أن يصبح المفيد
إماما في العقائد والفقه وغير ذلك .
وقد لا يكون الهدف من جمعها هو أن تكون
كتابا منسقا بصورة فنية يتداوله الناس ويعتمدونه .
وهذا عدا عن أن الرأي الكلامي والعقيدي لا يمنع من
إيراد ما يعارضه ، كإيراد ما يوافقه من أحاديث ، ومن
ميزة العالم أن يتقيد بقواعد البحث الكلامي حينما
يتصدى للكلام ، وأن يلتزم أيضا بكل الضوابط ، ويراعي
كل الأصول المرعية في الحديث ، ونقله واختياره ، حينما
يتخذ لنفسه صفة المحدث ، ولأجل ذلك نجد المحدثين يروون
الأخبار المتعارضة في كتبهم ، رغم تبنيهم وقبولهم
بطائفة منها بخصوصها ، وعلى الأخص في المجال الفقهي ،
وبمراجعة كتب الكليني والصدوق وغيرهما من المحدثين
يعلم ذلك .
هذا ، وقد رأينا : أن بعض العلماء يؤلف
كتبه بأكثر من صفة ، فالفقيه يكتب بصفة المحدث كما وقع
للطوسي ( قده ) ، حيث كتب النهاية ، وهي متون أخبار .
وقد يكتب الفيلسوف بلسان العرفاء كما وقع للشيخ نصير
الدين الطوسي في بعض رسائله ، وقد يكتب المتكلم بلسان
الفيلسوف ، كما جرى للفخر الرازي ، والمتصوف بلسان
الفلاسفة كما جرى للغزالي ، وغير هؤلاء كثير .
ومن جهة
أخرى نقول : إن بعض الآراء قد تتغير على مر الزمن ،
ولا سيما إذا كان صاحب الرأي من العلماء الذين يتمتعون
بحيوية فكرية ، ويسيرون في صراط التكامل في وعيهم وفي
فكرهم ، وفي معرفتهم . وقد تختلف درجات تنبه المؤلف
إلى الحيثيات التي يلاحظها في تآليفه بين فترة زمنية
وأخرى .
مع أننا سنذكر أن هذا الكتاب هو اختيار للمفيد
من كتاب آخر .
7 - قد سجلت ملاحظة أخرى على كتاب "
الاختصاص " ، وهي وجود خلل أو عدم وضوح أحيانا في
إرجاعه بعض الضمائر فيه ، أو وجود فاصل كبير بين
الضمير وبين مرجعه .
وقد أجيب عن ذلك بأن هذا الخلل لا
ينحصر في هذا الكتاب ، بل هو موجود في مختلف الكتب
ومنها الكافي والتهذيب ، والوسائل أيضا . ولهذا الأمر
أسباب مختلفة ، منها : أن المؤلف قد يعثر على رواية
فيضعها في مكان من الكتاب ، ثم لا يلتفت إلى ضرورة
إعادة النظر في التناسق المفترض أن يكون فيما بين
الضمير ومرجعه بين روايتين قد فصل بينهما حديث جديد ،
أو كلام جديد .
8 - ومن إيراداتهم على هذا الكتاب : أن
مؤلفه قد نقل تارة من الكتب ككتب الصدوق ، وبصائر
الدرجات ، وأخرى عن المشايخ ، وإذا نظرنا إلى المشايخ
الذين نقل عنهم فسنجد أن خمسة منهم هم من مشايخ المفيد
، وثمة ستة عشر آخرون لم يعثر على رواية المفيد عنهم
في غير كتاب الاختصاص أصلا .
ومن جهة أخرى : هناك
مشايخ للمفيد لهم مكانتهم المميزة وليس في كتاب "
الاختصاص " أية رواية عنهم ، كالجعابي ، وأحمد بن محمد
بن الحسن بن الوليد ، والصيرفي ، وغيرهم .
والجواب عن
ذلك :
أولا : إن مؤلف الكتاب هو ابن عمران على الظاهر
، والمفيد قد انتخب واختار منه ما أعجبه ، فمشايخ
الكتاب هم مشايخ ابن عمران ، إذن ، لا مشايخ المفيد .
وسيأتي مزيد تأييد لهذا إن شاء الله تعالى .
ثانيا : إن من الجائز أن يكون مؤلف الكتاب
قد كتبه قبل أن يصبح له مشايخ كثيرون ، بل قد يكون
رحمه الله قد اختار كل رواياته أو بعضها من الكتب التي
توفرت لديه ، وليس في ذلك أي محذور .
ثالثا : قولهم :
إن بعض من روى عنهم مؤلف الكتاب لم نجد المفيد يروي
عنهم في سائر كتبه ، لا يصلح دليلا على نفي نسبة
الكتاب إليه ، إذ قد يروي عن شيخ له هنا شيئا ، لم
ينقله له مشايخه الآخرون ، وقد يستفيد شيوخا جددا
فيكتب عنهم ، ثم يتركهم ، ويلتزم شيوخا آخرين ، لأسباب
تتفاوت بحسب الحالات والظروف ، والأغراض عبر الأزمان .
. . وهل في علماء الحديث من يشترط في الراوي أن يروي
في كل كتاب عن كل فرد فرد من شيوخه الذين يأخذ عنهم في
كل تاريخه العلمي الطويل . ؟
وبعدما تقدم نقول : هناك
عدة نسخ لكتاب الاختصاص ، وهي التالية :
1 - النسخة
المكتوبة عن نسخة الشيخ الحر ( 1 ) وقد نسبت الكتاب
إلى الشيخ المفيد ، دون أي غموض ، حيث كتب عليها . "
كتاب الاختصاص للشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان ،
منتخب من الاختصاص لأحمد بن الحسين بن عمران " .
| |
( 1 ) وهي نسخة موجودة في الروضة الرضوية المقدسة في مدينة
مشهد في ايران ، وسنة كتابة هذه النسخة هو 1085 ه .
أو 1087 ه . ( * ) |
|
|
وكتب في آخرها : " تم كتاب الاختصاص للشيخ
المفيد قدس سره " . أما نسخة الشيخ الحر نفسه فقد كتب
عليها تملك الشيخ الحر رحمه الله في سنة 1087 ه .
وأما تاريخ كتابتها فغير معلوم ، وهي موجودة في مكتبة
آية الله الحكيم رحمه الله في النجف الأشرف .
2 - هناك
نسخة أخرى توجد في مكتبة سپه سالار طهران ، تاريخ
كتابتها هو سنة 1118 ه . وذكر ناسخها أن هذا الكتاب
هو مختصر كتاب الاختصاص لأحمد بن الحسين بن عمران .
وهذه العبارة لا تختلف مع ما كتب على نسخة الشيخ الحر
، لأن المقصود بهذه العبارة أن الاختصاص نفسه لابن
عمران ، وذلك لا ينافي أن يكون مختصره للشيخ المفيد
أيضا .
3 - هناك نسخة قديمة توجد في مكتبة الروضة الرضوية في مشهد الرضا ( ع ) ، تاريخ كتابتها سنة 1055
ه . وهي تذكر بعد عدة صفحات العبارة التالية : " كتاب
مستخرج من كتاب الاختصاص ، تصنيف أبي علي أحمد بن
الحسين بن أحمد بن عمران رحمه الله " .
ولا تنافي هذه
العبارة أيضا ما كتب على نسخة الشيخ الحر لعين ما
ذكرناه آنفا ، من أن الاختصاص نفسه من تأليف ابن عمران
، وتلخيصه للشيخ المفيد .
ويبدو أن في هذه النسخة
تقديما وتأخيرا في أوراقها ، كما يظهر من ملاحظتها ،
وهذا الأمر يحصل لأسباب مختلفة .
إذن ، لا مانع من نسبة ما في كتاب الاختصاص
المطبوع ، الموافق للنسختين الأوليين إلى الشيخ المفيد
، باعتبار أنه قد اختاره من كتاب ابن عمران وارتضى منه
ما راق له .
وقد يكون هذا الاختصار هو السبب في عدم
ذكر هذا الكتاب في جملة مؤلفاته رحمه الله ، حيث إنه
لم يبادر هو إلى تأليفه ، وإنما استخرجه واختاره من
كتاب لشخص آخر . . وعليه فهذا يدل على مدى اهتمامه
بالكتاب ، حتى أنه ليبادر إلى انتخاب ما فيه من نفائس
الآثار ، واستخراج ما تيسر له منه من درر الأخبار .
ويشهد لذلك : أن كتاب الفصول المختارة ، الذي هو
اختيار الشريف المرتضى من كتاب " العيون والمحاسن "
للمفيد ، لم يذكر في عداد مؤلفات الشريف . بل بقيت
نسبته إلى المفيد أظهر وأوضح ، ولا يزال يعد من
مؤلفاته كما هو معلوم .
|