|
مأساة الزهراء عليها السلام ج 1 - العلامة
السيد جعفر مرتضى العاملي - ص
206 |
|
الثابت
عند السيد شرف الدين :
ينقل البعض عن العالم العلم
الحجة السيد عبد الحسين شرف الدين : أنه قال له :
الثابت عندنا أنهم جاؤا بالحطب ليحرقوا باب البيت ،
فقالوا : إن فيها فاطمة ، قال : " وإن " . . . ويضيف
هذا البعض في تأييد ذلك قوله : " ولم يذكر السيد عبد
الحسين في النص والاجتهاد ، ولا في المراجعات ، أي شئ
من هذا الذي يقال . راجعوا ! ! " .
ونقول في الجواب :
أولا : إن السيد عبد الحسين شرف الدين لم يكن في تآليفه بصدد تفصيل هذا الأمر وتحديد ما هو الثابت منه
، وما ليس بثابت ، بل إنه لو أراد أن يبحث بهذه
الطريقة فلربما كان قد أساء إلى الهدف الذي كان يسعى
له ، من وراء تآليفه تلك .
وقد قال الله سبحانه : * (
ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ
وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي
هِيَ أَحْسَنُ ) * ( 1 ) ومراعاة المشاعر ، وعدم تكدير
الخواطر من هذا القبيل ، إلا إذا كان المقام مقام وضع
النقاط على الحروف ، حتى في الأمور الحساسة حيث يخاف
من ضياع الحق ، وتمس الحاجة إلى عملية جراحية حتى في
المواضع الحساسة والخطيرة ، ولم يكن الأمر بالنسبة
| |
( 1 ) سورة النحل : 124 . ( * )
|
|
|
للسيد شرف الدين فيما تصدى له من هذا
القبيل ولأجل ذلك : نجده رحمه الله يذكر هذا الأمر
بصورة عابرة وسريعة ، فيقول : " فهل يكون العمل
بمقتضيات الخوف من السيف ، أو التحريق بالنار إيمانا
بعقد البيعة ؟ ! ومصداقا للإجماع المراد من قوله ( ص )
: لا تجتمع أمتي على الخطأ ؟ ! " ( 1 ) .
ويقول : "
وما إن فاؤا إلى مواراته حتى فاجأوا أولياءه وأحباءه
بالبيعة ، منهم أو التحريق عليهم ، كما قال شاعر النيل
حافظ إبراهيم في قصيدته السائرة : وقولة لعلي قالها
عمر أكرم بسامعها أعظم بملقيها . حرقت دارك لا أبقي
عليك بها إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها ما كان غير
أبي حفص بقائلها أمام فارس عدنان وحاميها ( 2 ) " ثم
إنه رحمه الله قد قال في هامش كتابيه : المراجعات ،
والنص والاجتهاد : " تهديدهم عليا بالتحريق ثابت
بالتواتر القطعي " ( 3 ) .
| |
( 1 ) المراجعات : ص 346 ، تحقيق وتعليق ، الشيخ حسين آل
راضي .
( 2 ) النص والاجتهاد : ص 79 ، منشورات مؤسسة الأعلمي .
( 3 ) هامش كتابي النص والاجتهاد : ص 79 .
والمراجعات : ص 346 . ( * ) |
|
|
ثم ذكر رحمه الله في هامش الكتابين
المذكورين مصادر كثيرة تعرضت لضرب " الثاني " لها
عليها السلام ، وإسقاط جنينها ، وغير ذلك من أمور ،
فإذا اطلع عليها مراجعها ، فلسوف يدرك أنه قد أحسن
إليه حين لم يحرجه بهذا الأمر الخطير ، ولو أنه أحرجه
بأمر كهذا فلسوف نجده يلتمس المسارب ، والمهارب ،
والتأويلات ، بعصبية وانفعال ، يمنعه من استيعاب
الفكرة بصورة عفوية وطبيعية .
ولو كان السيد شرف الدين
رحمه الله لا يهدف إلى ذلك لكان عليه أن يقتصر على
المصادر التي تحدثت عن خصوص التهديد بالإحراق . وإهمال
ما عداها . .
والخلاصة : إن النقاش والاحتجاج والحوار
يستبطن معه شعورا بالتحدي للشخص في قناعاته ، فيندفع
بطريقة لا شعورية للدفاع عن أمرين : عن الفكرة ، وعن
نفسه .
فإن كان ثمة مستمع للمتحاورين فإنه سيستوعب
الفكرة مجردة عن حالة التحدي ، وسوف يقبل ويستسلم للحق
قبل ذينك المتحاورين ، لأنه لا يشعر بحساسية ، ولا
يواجه مشكلة وراء فهم الحوار وتقييمه ، ولا يطلب منه
التراجع عن شئ ، ولا يشعر بالتقصير ، أو بالإدانة
الشخصية على قلة التثبت ، أو عدم الدقة ، أو ما أشبه
ذلك .
وقد كان السيد شرف الدين يحرص على أن لا يحرج من
يحاوره ، وأن لا يضطره إلى هذا الخيار الصعب .
ثانيا :
إن ما نقل شفاها عن السيد شرف الدين ، لا يمكن التعويل
عليه هنا ، إذ لعله رحمه الله لم يكن في مقام نفي
الثبوت لما سوى التهديد بالتحريق ، بل كان رحمه الله
يريد التأكيد على ثبوت هذا
الشق والسكوت عما عداه لمصلحة يراها في هذا
السكوت ، هي نفس المصلحة التي منعته عن الدخول في
تفاصيل هذا الأمر في كتبه .
والشاهد ، بل الدليل على
ما نقول ما يلي :
1 - إن هذا الأمر لم يسجله السيد في
كتبه ، ولم ينقل لنا أحد من العلماء الآخرين أنه قاله
له ، فلماذا اختصه - إذن - بهذا السر الخطير ، الذي
يطال قضية حساسة جدا ، مع أنه كان لا يزال شابا مراهقا
، في مقتبل عمره ، حيث كان له من العمر حوالي سبعة عشر
عاما ، إذا كان قد قاله له في أوائل الخمسينات ، وإن
كان قد عاد فقال : أنه ذكر له ذلك في أواسطها أي في
سنة 1995 م ، لكن الغريب أنه قال هنا أيضا : إن عمره
23 أو 24 سنة مع العلم بأنه قد ولد في سنة 1935 م ! !
ولم يبلغ هذا المقدار من العمر حتى في سنة وفاة السيد
شرف الدين أي سنة 1957 م .
2 - إن الرواية التي ذكرها
بعنوان " الثابت عندنا . . إلى أن قال : فقالوا إن
فيها فاطمة فقال : وإن . . ! ! " إنما ذكرت في كتاب
الإمامة والسياسة ، وهو لم يذكر لها سندا ، وغيرها من
الروايات أكثر تداولا ونقلا ، وأصح سندا ، وأكثر عددا
، حتى إنها لتعد بالعشرات ، ولها طرق وأسانيد كثيرة
ومتنوعة ، فكيف يعتبر السيد شرف الدين تلك الرواية هي
ما ثبت عندنا ، ويترك سائر الروايات والنصوص الكثيرة
والمسندة ، والتي تعد بالعشرات فلا تكون ثابتة ؟ !
وبالنسبة لروايات التهديد بالاحراق لماذا تكون هي
الثابتة ، ولا تكون روايات ضربها ، وإسقاط جنينها
ثابتة معها أيضا .
مع أن الروايات تلك ليست بأكثر ولا
أصح من هذه ؟ ! وقد ذكر عدد من الروايات أن كل تلك
الأمور قد حصل . كما يتبين لك في هذا الكتاب .
ثالثا : من الذين يقصدهم آية الله
شرف الدين بقوله : " عندنا " هل يقصد " عندنا " نحن
الشيعة ؟ ! أم يقصد نفسه فقط ؟ ! .
فإن كان مراده
الأول ، فإن ذلك لا يصح ، وقد تقدم كلام الطوسي وكاشف
الغطاء حول ذلك ، كما أن تتبع كلمات علماء المذهب في
مؤلفاتهم - وقد أوردنا شيئا منها في هذا الكتاب - يكشف
لنا أن ما قاله الطوسي في تلخيص الشافي هو الأجدر
بالرضا ، وبالنقل ، والقبول .
وإن كان مراده الثاني ،
فقد يكون صحيحا إذا أخذنا بنظر الاعتبار : حجم المصادر
التي كانت بحوزته رحمه الله تعالى ، والتي يستشف من
هوامش كتبه أنها قليلة ومحدودة بالنسبة لما هو متوفر
في أيدي الناس في هذه الأيام .
بالإضافة إلى ما استجد
من مصادر كانت في عداد المخطوطات ، غير المتداولة ثم
أخذت طريقها إلى التحقيق والنشر ، ولم يتسن للسيد شرف
الدين أن يطلع على شئ منها ، وهذا يجعلنا نستبعد أن
يكون قد اكتفى بما نسب إليه " أنه ثبت عنده ، وهو
رواية : وإن " ، فإن المفروض فيه وهو العالم البحاثة
أن يستقصي البحث في المصادر ، ولا يستعجل في إصدار
حكمه لو صح أنه قد حكم .
رابعا : إن عدم ثبوت ذلك عند
آية الله شرف الدين ، لا يعني أنه لا يمكن أن يثبت
أصلا ، إذا أمكن للباحث أن يتتبع نصوص هذه القضية
ويحشد لها من القرائن والشواهد ما يكفي للعالم المنصف
. فربما كانت له رحمه الله انشغالات كبيرة وكثيرة
تحجزه عن
التتبع في كثير من القضايا التي تحتاج إلى
ذلك ، إذا كانت لا تقع في دائرة اهتماماته الفعلية .
وحتى لو لم يكن الأمر كذلك ، فإن الإشكال العلمي يرد
على السيد شرف الدين ، كما يرد على غيره ، فإن القضايا
العلمية والدينية تابعة للدليل والبرهان . إلا إذا كان
المعصوم هو الذي يقرر ويتحدث .
خامسا : إننا لا نستطيع
أن نحدد طبيعة السؤال الذي وجه إلى السيد ، لأن السؤال
هو الذي يتحكم في وجهة الجواب ومداه .
فقد يكون السؤال
: هل أحرقوا دار الزهراء ؟ ! فيأتي الجواب هكذا :
الثابت عندنا هو التهديد بالاحراق لا نفس الإحراق ،
أما إسقاط الجنين ، فلا سؤال عنه ولا جواب ، أي أن
الجواب يريد أن ينفي الإحراق فعلا ، ويثبت التهديد به
فقط ، ولكنه ساكت بالنسبة لإسقاط الجنين ، وبالنسبة
لضربها ، وغير ذلك من أمور حيث لا يتعرض لها لا بنفي
ولا بإثبات ، فهو كما لو قلت : زيد طويل ، فإنه لا
يعني أنه ليس بأسمر اللون ، أو ليس بعالم .
وقد يكون
السؤال هكذا : هل ضربت الزهراء وأسقط جنينها . فيأتي
الجواب : الثابت هو التهديد بالإحراق . . فيدل على نفي
ثبوت ما عدا التهديد ، وهو ما ينقله ذلك البعض عن
السيد شرف الدين . وعليه فمع عدم إحرازنا طبيعة السؤال
الموجه فلا نستطيع أن ننسب للسيد شرف الدين أنه ينفي
ما عدا التهديد بالإحراق .
وسادسا : إن الناقل لهذا
الكلام الخطير قد كان شابا حين وجه
السؤال إلى السيد وسمع منه الجواب ، وربما
لا يزيد عمره آنئذ على السبعة عشر عاما - كما أشرنا
إليه - ولم يكن قد خبر الأساليب العلمية التي تمتاز
بالدقة ولا اعتاد عليها ، فلعله قد وقع في خطأ في فهم
الأسلوب العلمي ، أو قدم كلمة أو أخرها ، فاختلف
المعنى ، وهو إنما ينقل عن أمر يقول إنه قد كان قبل
حوالي خمسة وأربعين عاما ، كما صرح به في بعض رسائله
المؤرخة في سنة 1414 ه . على أن احتمال النسيان ،
أعني نسيان نص الإجابة وارد هنا .
والشاهد على أن
السؤال : إنما كان عن وقوع الإحراق ، أو التهديد به -
كما هو الاحتمال الثاني - أن الإمام السيد شرف الدين
نفسه ، قد أشار - كما تقدم - إلى أنه قد كان ثمة خوف
من السيف أو من التحريق . مع أنه لم يشر إلى السيف في
إجابته لسائله عن هذا الأمر .
ثم إن قول هذا البعض :
إنه عثر أخيرا على رواية في البحار . . . يدل على أنه
لم يكن منذ وفاة السيد شرف الدين بصدد التحقيق في هذا
الأمر ، إذ لا يعقل أن يبقى أكثر من أربعين سنة يبحث
في هذا الأمر الذي تدل عليه عشرات الروايات عن
المعصومين ، وعشرات بل مئات النصوص عن غيرهم . . ثم لا
يعثر في هذه المدة كلها إلا على رواية واحدة ! ! .
شواهد ودلائل أخرى : وبعد ، فإن نفس السيد شرف الدين
رحمه الله قد ذكر أنهم
أخرجوا عليا كرها ، وذكر أيضا كشف بيت
فاطمة ( 1 ) ثم هو يذكر مهاجمتهم البيت ، وكانوا جمعا
كثيرا ، أرسلهم أبو بكر ردءا لعمر وخالد ، وأن الناس
اجتمعوا ينظرون ، وامتلأت شوارع المدينة بالرجال ،
فلما رأت فاطمة ما صنع عمر صرخت ، وولولت ، واجتمع
معها نساء كثير من الهاشميات وغيرهن ، فخرجت إلى باب
حجرتها ، ونادت ، يا أبا بكر ، ما أسرع ما أغرتم على
أهل بيت رسول الله الخ . . ( 2 ) .
وذكر أيضا رحمه
الله حديث أبي الأسود : أن عمر وأصحابه اقتحموا الدار
وفاطمة تصيح وتناشدهم ( 3 ) .
فهو يذكر ذلك كله ،
ويذكر أسماء المشاركين في الهجوم على بيت الزهراء ،
ويذكر الخوف من السيف ، ويرسله إرسال المسلمات ، ولا
يبدي أي تحفظ تجاهه .
فكيف إذن يقول البعض : إن السيد
شرف الدين رحمه الله تعالى . " لم يذكر في المراجعات
ولا في النص والاجتهاد ، أي شئ من هذا الذي يقال -
راجعوا " فها نحن قد راجعنا ووجدنا خلاف ما يقول ! !
والخلاصة : إن ذلك كله
يدل على أنه رحمه الله يقول : إنهم قد تجاوزوا حدود
التهديد إلى الممارسة العملية ، التي وصلت إلى درجة
اقتحام البيت ، وغير ذلك مما ذكرناه آنفا . ولعله رحمه
الله قد قال لهذا الناقل نفس ما قاله في كتابيه
| |
( 1 ) النص والاجتهاد
: هامش ص 82 ، ط مؤسسة الأعلمي .
( 2 ) المصدر السابق
، وشرح نهج البلاغة للمعتزلي : ج 6 ص 50 عن كتاب
السقيفة لأبي بكر الجوهري .
( 3 ) المصدران السابقان .
( * ) |
|
|
المراجعات ، والنص والاجتهاد من أن التهديد
بالتحريق ثابت بالتواتر القطعي .
وهذه العبارة تختلف
عن عبارة : الثابت عندنا هو التهديد بالتحريق . . وكل
ما ذكرناه يؤيد العبارة الأولى ويشد من أزرها ، ويضعف
العبارة الأخرى ، فإن ذكره للمصادر في الهامش في صفحة
واحدة ومنها ما يشير إلى كل الموضوع ومنه قضية الضرب
وإسقاط الجنين يشير إلى رغبته في اطلاع المراجع عليها
. . . إلى آخر ما قدمناه . .
|