|
مأساة الزهراء عليها السلام ج 1 - العلامة
السيد جعفر مرتضى العاملي - ص 238 |
|
هل رضيت الزهراء على
الشيخين ؟ !
ويضيف هذا البعض :
أن القضية قد انتهت في حينها ، فإنها صلوات الله
وسلامه عليها قد رضيت على أبي بكر وعمر حينما
استرضياها قبل وفاتها .
ونقول :
أولا : صحيح أن رضا
الزهراء عليها السلام هو أمنية محبي التيار الذي هاجم
فاطمة عليها السلام وآذاها ، حرصا منهم على أن لا يظهر
ذلك الفريق في جملة من آذى رسول الله، وأغضبه ، ليكون
في العلن مؤذيا ومغضبا لله سبحانه.
وقد حاول بعضهم أن
يزور في الرواية التي ذكرت هذه القضية ، لصالح من
يحبونهم ، فذكروا : أنها رضيت
عنهم ( 1 ) .
وهو ما ورد في حديث الشعبي
الذي هو حديث موقوف ، لأنه لم يدرك زمن الحادثة . وسكت
فريق آخر : عن التصريح بشئ من الرضا وعدمه ( 2 ) .
وأغرب من ذلك دعوى البعض : أن الذي صلى عليها حين ماتت
هو أبو بكر ( 3 ) وعلي عليه السلام .
ولكن العلماء
الذي يلتقون مع نفس هؤلاء في التوجه المذهبي ، هم
الذين ذكروا لنا الرواية على وجهها الصحيح ، ولم
يلتفتوا إلى ما أضافه أولئك ، بل قالوا : إنها حينما
جاءا ليسترضياها لم تأذن لهما ، حتى توسلا بعلي عليه
السلام ، فكلمها فلم تأذن أيضا ، بل قالت له : البيت
بيتك ، أي : فأنت حر في أن تدخل فيه من تشاء ، بحسب ما
تفرضه الظروف القاهرة عليك ، أما هي فتحتفظ برأيها
وبموقفها ، وليس ثمة ما يفرض عليها غير ذلك .
فأذن
لهما علي ( عليه السلام ) ، من موقع أنه صاحب البيت ،
ولم تأذن لهما الزهراء عليها السلام .
| |
( 1 ) راجع : دلائل النبوة للبيهقي : ج 7 ص 281 ،
والرياض النضرة : ج 1 ص 176 ، وسير أعلام النبلاء : ج
2 ص 121 ، وتاريخ الخميس ج 2 ، ص 174 ، عن الوفاء ،
وعن السماني في الموافقة والسنن الكبرى : ج 6 ص 301 ،
والسيرة الحلبية : ج 3 ص 361 وطبقات ابن سعد : ج 8 ص
27 ، والبداية والنهاية : ج 5 ص 289 ، وحياة الصحابة
:
ج 2 ص 473 ، وشرح نهج البلاغة للمعتزلي : ج 6 ص 19 و
49 و ج 2 ص 57 ، وفتح الباري : ج 6 ص 139 ، ، ونزهة
المجالس : ج 2 ص 183 .
( 2 ) راجع : كنز العمال : ج 12
، ص 515 ، و ج 13 ، ص 687 .
( 3 ) كنز العمال : ج 5 ص
605 ، ، عن البيهقي ، وقال : هذا مرسل حسن بإسناد صحيح
وطبقات ابن سعد : ج 8 ص 29 . ( * ) |
|
|
ولما دخلا عليها أبت أن تكلمهما ، وكلمت
عليا وقررتهما ، فأقرا أنهما سمعا رسول الله ( ص )
يقول : رضا فاطمة من رضاي ، وسخط فاطمة من سخطي ، فمن
أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني ، ومن أرضى فاطمة فقط
أرضاني ، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني . فقالت لهما :
فإني أشهد الله وملائكته : أنكما أسخطتماني وما
أرضيتماني ، ولئن لقيت النبي لأشكونكما إليه ( 1 ) .
وحين بكى أبو بكر لأجل ذلك زجره عمر وقال له : تجزع
لغضب امرأة الخ . . ( 2 ).
وحسب نص سليم بن قيس : " وكان علي عليه السلام يصلي في
المسجد الصلوات الخمس ، فكلما صلى قال له أبو بكر وعمر
: " كيف بنت رسول الله " ؟ إلى أن ثقلت : فسألا عنها
وقالا : " قد كان بيننا وبينها ما قد علمت ، فإن رأيت
أن تأذن لنا فنعتذر إليها من ذنبنا " ؟
| |
( 1 ) الإمامة
والسياسة : ج 1 ص 14 و 15 ، وراجع :
البحار : ج 36 ص
308 ، و ج 78 ص 254 ، و ج 43 ص 170 ، و 171 ، ودلائل
الإمامة : ص 45 ، وعوالم العلوم : ج 11 ص 411 و 445 و
498 ، و 499 ، وكفاية الأثر : ص 64 و 65 ، والبرهان :
ج 3 ص 65 ، وعلل الشرائع : ج 1 ص 186 - 187 ، و 189 ،
والشافي : ج 4 ص 213 ، وأهل البيت لتوفيق أبي علم : ص
168 ، و 169 ، و 174 ، ومرآة العقول : ج 5 ، ص 323 و
322 . وضياء العالمين ( مخطوط ) : ج 2 ق 3 ص 85 - 87
والجامع الصغير للمناوي : ج 2 ص 122 ، والرسائل الاعتقادية : ص 448 .
( 2 ) راجع عوالم العلوم : ج 11
ص 500 ، وعلل الشرائع : ج 1 ص 187 ، وضياء العالمين :
ج 2 ق 3 ص 87 . ( * ) |
|
|
قال عليه السلام : ذاك إليكما . فقاما ،
فجلسا بالباب ، ودخل علي عليه السلام على فاطمة عليها
السلام فقال لها : " أيتها الحرة ، فلان وفلان بالباب
، يريدان أن يسلما عليك ، فما ترين " ؟ قالت عليها
السلام : " البيت بيتك والحرة زوجتك ، فافعل ما تشاء "
. فقال : " شدي قناعك " . فشدت قناعها ، وحولت وجهها
إلى الحائط . فدخلا وسلما وقالا : ارضي عنا رضي الله
عنك . فقالت : ما دعاكما إلى هذا ؟ فقالا : اعترفنا
بالإساءة ورجونا أن تعفي عنا وتخرجي سخيمتك . فقالت :
فإن كنتما صادقين فأخبراني عما أسألكما عنه ، فإني لا
أسألكما عن أمر إلا وأنا عارفة بأنكما تعلمانه ، فإن
صدقتما علمت أنكما صادقين في مجيئكما . قالا : سلي عما
بدا لك . قالت : نشدتكما بالله هل سمعتما رسول الله
صلى الله عليه وآله يقول : " فاطمة بضعة مني فمن آذاها
فقد آذاني " ؟ قالا : نعم .
فرفعت يدها إلى السماء فقالت : " اللهم
إنهما قد آذياني ، فأنا أشكوهما إليك وإلى رسولك . لا
والله لا أرضى عنكما أبدا حتى ألقى أبي رسول الله
وأخبره بما صنعتما ، فيكون هو الحاكم فيكما " . قال :
فعند ذلك دعا أبو بكر بالويل والثبور وجزع جزعا شديدا
. فقال عمر : تجزع يا خليفة رسول الله من قول امرأة ؟
" ( 1 )
ونحن لا ندري لماذا اختار هذا الرجل خصوص تلك
الرواية التي رواها غير الشيعة ولم يكلف نفسه عناء
المقايسة بينها وبين الرواية الأخرى ، بل هو لم يشير
إليها أصلا .
مع أن هذه الرواية مزورة من قبل من
يريدون تبرير ما صدر عن الذين هاجموا الزهراء وآذوها ،
رغم وضوح التصرف الخياني فيها ، نعم ، لقد أخذ بها ،
وترك هذه الرواية الصحيحة والصريحة .
وثانيا : ( 2 )
العفو إنما يكون عن الشخص الذي يتوب توبة نصوحا مما
اقترفه ، والتوبة تعني إرجاع الحق إلى أهله ، وتصحيح
الخطأ وترميم الخراب الذي تسبب به . وإلا فهل تقبل
توبة غاصب يمسك بكل شئ ، ثم يقول لهم : سامحوني وارضوا
عني ، ولن أعيد أي شئ إلى أي كان منكم . إن اعتذارا
لهذا سيكون أوجع للقلب لأنه أقبح من ذنب . فكيف ولماذا
وعلى أي أساس تسامحهما ، وهما لم يتراجعا قيد
| |
( 1 ) كتاب سليم بن قيس ( بتحقيق الأنصاري ) ج 2 ص
869 وجلاء العيون : ج 1 ص 212 و 213 مع تفاصيل أخرى ،
وراجع : البحار : ج 43 ص 197 / 203 و ج 28 ص 357 وعلل
الشرائع : ج 1 ص 186 و 187 .
( 2 ) قد أشار إلى ذلك
أيضا في ضياء العالمين ( مخطوط ) : ج 2 ق 3 ص 108 . (
* ) |
|
|
أنملة عما اقترفاه في حقها ؟ ! . فهما لم
يرجعا لها فدكا ، ولا غيرها مما اغتصباه من إرث رسول
الله ( ص ) وغيره ، إذا أن يظن في حقها أنها أخطأت في
ادعائها هذا .
كما أنهما لم يقرا بجريمتهما في حق الله
والأمة باغتصاب الخلافة من صاحبها الشرعي ، ولم يظهر
من أحد أي استعداد للقصاص ممن ارتكب جريمة الاعتداء
عليها بالضرب إلى درجة إسقاط جنينها .
بل كان الذين
فعلوا ذلك هم أركان الحكم وأعوان الحاكم الذي جاء
يعتذر ، وسيوفه المسلولة على رقاب كل من يعترض أو يشكو
، فلم يكن ثمة توبة ، بل كان هناك محاولة لتلميع
الصورة ، وتقوية الأمر ، والحصول على مزيد من القوة في
الاحتفاظ بما اغتصبوه .
ولو كان الأمر على خلاف ذلك ،
وكانوا جادين في طلبهم المسامحة ، فما الذي منع أبا
بكر من أن يعاقب قنفذا أو المغيرة بن شعبة ، أو عمر بن
الخطاب ، أو غيرهم ممن هتك حرمة بينها صلوات الله
وسلامه عليها ؟ !
ولو لم يمكنه ذلك فلا أقل من أن
يؤنبهم أو يعبس في وجوههم ، أو يفعل أي شئ يشير إلى
عدم رضاه عما صدر عنهم ، ولكنه لم يكتف بأن لم يفعل
شيئا من ذلك بل زاد عليه توفير غطاء ومزيدا من الرعاية
لهم ، والاهتمام بهم .
ولست أدري ، هل كان إعطاؤه
المناصب والمزايا والأموال لفلان وفلان مكافأة لهم على
ما اقترفوه من اعتداء ؟ ! . أما قنفذ فقد أعفوه من
مشاطرته أمواله التي اكتسبها في ولاياته لهم .
وكان ذلك - كما روي عن أمير المؤمنين
( ع ) - مكافأة له ! ! ولست أدري أن لو كانت الزهراء
عليها السلام أرادت أن تأخذ منهم ما اغتصبوه هل كانوا
يضربونها من جديد ، أم كانوا قد حكموا عليها بالقتل
بصورة علنية وظاهرة ؟ .
ثالثا : إذا كانت عليها السلام قد رضيت عنهما ، فلماذا
أوصت أن تدفن ليلا ، وأن لا يحضرا جنازتها ، فنفذ علي
عليه السلام وصيتها بدقة ، وأخفى قبرها ، فثارت
ثائرتهما ومن معهما ، وحاولا نبش القبور التي جعلها
عليه السلام تمويها ، فواجههما بالموقف القوي والحاسم
، فتراجعا ( 1 ) .
وإذا كانت السلطة قوية وشديدة
الهيمنة ، فهي قادرة على أن تشيع عنها ( ع ) أنها قد
رضيت بعد السخط ، ولن يجرؤ أحد على تكذيب دعاوى السلطة
، وستكون هذه الشائعة مقبولة لدى الكثيرين ، خصوصا
أنها بوصيتها أن تدفن ليلا ، وأن لا يحضرا ، ولا أحد
ممن ظلمها جنازتها ، قد فوتت الفرصة عليهم أيضا
لممارسة هذا التزوير للحقيقة ، حيث قدمت الدليل القاطع
والبرهان الساطع، على شكل شاهد تاريخي حي على هذا
السخط الذي تجسد أيضا في عدم معرفة
| |
( 1 ) راجع : البحار : ج 30 ص 348 و 349 و 286 و ج 29 ص 193
. ونقل وصيتها تلك في هامش في البحار ج : 43 ص 171 ،
عن المصادر التالية : حلية الأولياء : ج 2 ص 43 ،
ومستدرك الحاكم : ج 3 ص 162 ، وأسد الغابة : ج 5 ص 524
، والإصابة : ج 4 ص 379 و 380 ، والإمامة والسياسة : ج
1 ص 14 ، وأعلام النساء : ج 3 ص 1214 . وراجع أيضا شرح
نهج البلاغة للمعتزلي : ج 6 ص 50 ، وقال : إن الصحيح
عندي أنها ماتت وهي واجدة عليهما الخ . . .
مصنف عبد
الرزاق : ج 3 ص 521 ، والاستيعاب ج 2 ص 751 ، ومقتل
الحسين للخوارزمي : ج 1 ص 83 ، ودلائل الإمامة : ص 44
. ( * ) |
|
|
قبرها صلوات الله وسلامه عليها عبر الأحقاب
والدهور ، وهي سيدة نساء العالمين ، والكريمة الوحيدة
لخاتم الأنبياء وسيد المرسلين .
رابعا : إن من المعقول
والمقبول أن يكونوا قد أرادوا من محاولة استرضاء
الزهراء عليها السلام هو إظهار الأمر على أنه مجرد
مشكلة شخصية ، وقد انتهت كما بدأت ، فهي الآن قد رضيت
، ولم يعد هناك أية مشكلة معها ، كما قد يوحي به كلام
هذا البعض .
لقد كانت هناك إساءة لفاطمة عليها السلام
، وكان هناك اعتداء على شخصها الكريم ، بالضرب أو
بغيره ، وقد تبذل محاولة تفسير لذلك على أنه مجرد تسرع
، أو ثورة غضب عارمة أخرجت الفاعلين عن حد الاعتدال .
وهل السبب في حدوث هذا الغضب هو الزهراء ، نفسها ؟
بتصرفاتها ؟ أو بسبب كلماتها ؟ أو نبرات صوتها ؟ أو
غير ذلك من الأسباب ؟ إنهم سوف يغضون الطرف عن تحديد المسؤول عن ذلك . وقد راجع المعتدون أنفسهم وتابوا ،
وعلى الزهراء عليها السلام أن تعفو وتصفح ، فإن ذلك هو
ما تفرضه الأخلاق الإسلامية ، وأكدته لآيات القرآنية ،
وهي أولى الناس بالالتزام بذلك ، وهي المرأة التقية
المطهرة المعصومة .
وهذا يعني أن تكون بذلك قد أعطت صك
الشرعية للعدوان ، ولغصب الخلافة ، والاستئثار بإرث
الرسول الله ، فلم يبق إلا أنهم قد تسرعوا قليلا في
ضربها حين المواجهة ، وهم معذورون في ذلك ! لأنه قد
جاء على فورة ، وبسبب حالة التوتر والهيجان ، وربما
تكون هي التي تسببت في ذلك ( ! ! ) لأنها عليها السلام
كانت
هي المخطئة حين وقفت في وجههم . وعلي مخطئ
أيضا ، حين لم يبادر للاعتراف بالحاكم الجديد المتغلب
، ولا سبق إلى البيعة ، والمؤازرة ، وبذلك يتم إعادة
الاعتبار لهم ، وهذه هي غاية أمنياتهم وأغلاها . ولكن
حين ترفض الزهراء حتى دخولهما بيتها ، وترفض توبتهما ،
وتصر على أن تشكوهما إلى رسول الله ( ص ) ، ثم توصي
بأن تدفن ليلا ، وأن لا يحضرا جنازتها ، ثم تطلب إخفاء
قبرها ، فإنها بذلك قد أفسدت عليهما خطتهما تلك .
وسجل
التاريخ رغم ما ناله من تزوير وتحريف بعض الحقيقة وهي
أنها ماتت وهي مهاجرة للذين اعتدوا عليها ، فدفنها علي
( ع ) ليلا ، ولم يؤذنهم بها وهو ما لهجت به الكتب
المعتبرة والموثوقة لدى فريق كبير من المسلمين ( 1 ) .
وقد سئل الرضا عليه السلام عن الشيخين ، فقال : كانت
لنا
| |
( 1 ) البداية والنهاية ج 5 ص 285 و
286 و 287 و 250 ، عن البخاري ، وأحمد ، وعبد الرزاق ،
وراجع البخاري كتاب المغازي ، باب غزوة خيبر ، وباب
قول رسول الله لا نورث ما تركناه صدقة ، وشرح نهج
البلاغة للمعتزلي : ج 6 ص 49 / 50 ، و ج 16 ص 232 و
218 ، وراجع صحيح مسلم ، كتاب الجهاد والسير . والشافي
لابن حمزة : ج 4 ص 211 وراجع ص 205 ، والثقاة ج 2 ص
164 و 165 ، وتاريخ الأمم والملوك : ط دار المعارف ج 3
ص 208 ، وأهل البيت لتوفيق أبي علم ص 172 ، ومشكل
الآثار : ج 1 ص 48 ، والعمدة لابن البطريق : ص 390 و
391 ، والسنن الكبرى : ج 6 ص 300 و 301 ، والتنبيه ،
والأشراف : ص : 250 ، وتاريخ الإسلام للذهبي : نشر دار
الكتاب العربي ( قسم السيرة النبوية ) ص 591 ، وفي
الهامش أشار إلى مصادر كثيرة . وطبقات ابن سعد : ج 8 ص
28 و 29 . وروضة المتقين : ج 5 ص 349 ، والطرائف : ص
262 / 269 / 258 / 257 ، وتحرير الأفكار : ص 228 ،
وألقاب الرسول
=> |
|
|
أمة ( 1 ) بارة خرجت من الدنيا وهي عليهما
غضبى ، ونحن لا نرضى حتى ترضى ( 2 ) .
ونقل ما يقرب من
ذلك عن عبد الله بن الحسن ( 3 )
وهكذا يتضح : إن
الزهراء التي هي المرأة المعصومة المطهرة ، والتي يرضى
الله لرضاها ويغضب لغضبها ، قد أفهمت بموقفها الواعي
كل أحد ممن كان ، وممن ولج أو سيلج باب التاريخ : إن
القضية لم تكن قضية شخصية ، وإنما هي قضية الدين
والإسلام ، قضية الاعتداء على الله ورسوله صلى الله
عليه وآله ، وعلى الحق ، وعلى الإنسانية ، وعلى
الإسلام المتجسد فيها ، لأن العدوان عليها إنما يهدف
إلى منعها من الدفاع عن الإمامة التي بها قوام الدين .
والتي هي قرار إلهي قاطع ، وهي حق الأمة ، وحق الإنسان
، كل إنسان .
وقد سجلت موقفها هذا بعد أن قررتهما بما
يوجب إدانتهما الصريحة ، التي تبين أن التعدي قد نال
رسول الله ( ص ) ، وبالتالي فقد كان تعديا وجرأة على
الله سبحانه ، وليس لها أن تسامح من يجترئ
| |
=>
وعترته : ص 44 ، وراجع :
كفاية الطالب : ص 370 ،
ومستدرك الحاكم : ج 3 ص 162 ، وإثبات الهداة : ج 2 ص
366 ، ومسند أحمد : ج 1 ص 6 / 9 . وراجع :
الرياض
المستطابة : ص 291 ، وتاريخ الخميس : ج 1 ص 174 ،
ومرآة العقول : ج 5 ص 322 / 323 ، والمصنف للصنعاني :
ج 5 ص 472 و ج 4 ص 141 و ج 3 ص 521 ، وتيسير الوصول :
ج 1 ص 209 . وراجع ضياء العالمين ( مخطوط ) : ج 2 ق 3
ص 65 و 66 و 91 .
( 1 ) الأمة : لغة في الأم ، راجع
الطرائف : ص 252 .
( 2 ) ألقاب الرسول وعترته ص 44
والطرائف ص 252 .
( 3 ) شرح نهج البلاغة للمعتزلي : ج
16 ص 232 و ج 6 ص 49 . ( * ) |
|
|
على الله سبحانه ، وعلى رسوله الكريم صلى
الله عليه وآله ، وقد أعلمتهما بهذه الحقيقة حين قالت
لهما : لأشكونكما إلى رسول الله ( ص ) .
ثم وليي لا
يقال للناس : إن الزهراء قد عادت فراجعت نفسها بعد ذلك
، أو أنها أرسلت إليهم مع فلان من الناس : أنها قد
رضيت عنهم ، ها هي توصي بأن تدفن ليلا .
وقد يدعي أيضا
: - وقد حصل ذلك بالفعل - أن الدفن ليلا سنة ( 1 ) ،
وتشريع ، فلا يكفي لإثبات استمرار غضبها عليهم ، فأوصت
أن لا يحضروا جنازتها ، ولا يصلوا عليها وغيبوا قبرها
، فحاولوا نبش عدد من القبور ليصلوا إليها ، ويصلوا
عليها ، فمنعهم علي عليه السلام ( 2 ) .
| |
( 1 ) المغني
للقاضي عبد الجبار : ج 20 ق 1 ص 335 .
( 2 ) راجع : الإستغانة ص 10 و 11 وعوالم العلوم : ج 11 ص 467 و 505
و 506 و 523 و 508 و 493 و 411 و 501 و 502 و 504 و
404 و 534 و 122 و 515 و 512 ، وبحار الأنوار : ج 78 ص
250 و 253 / 256 و 310 و 387 و ج 43 ص 201 و 207 و 218
و 181 و 191 و 214 و 199 و 182 و 183 و ج 28 ص 353 و ج
29 هامش ص 192 و 193 و ج 30 ص 348 / 349 و 286 ،
والمناقب لابن شهر آشوب : ج 3 ص 363 و 362 ط المطبعة
العلمية قم - ايران . وروضة الواعظين ص 151 - 153 ،
وعلل الشرائع : ج 1 ص 185 و 188 و 189 ، والشافي لابن
حمزة : ج 4 ص 211 و 210 ، وإتمام الوفاء : ص 16
والثقات : ج 2 ص 170 ، وروضة المتقين : ج 5 ص 347 ،
وتقريب المعارف : ص 251 و 252 ، وبشارة المصطفى : ص
258 ، واللوامع الإلهية للمقداد : ص 300 ، والمجالس
السنية : ج 5 ص 347 ، وشرح نهج البلاغة للمعتزلي : ج 6
، ص 49 و 50 و ج 16 ص 52 / 53 ، وص 214 و 217 ، وكشف
الغمة : ج 1 ص 494 ، و ج 2 ص 130 ، وتلخيص الشافي : ج
3 ص 138 و 150 و 152 ، وشرح الأخبار : ج 3 ، ص 31 و 69
، وجلاء العيون :
=> |
|
|
وفي بعض المصادر : " أنها أخذت على أمير
المؤمنين عهد الله ورسوله أن لا يحضر جنازتها إلا أم
سلمة ، وأم أيمن ، وفضة ، والحسنان ، وسلمان ، وعمار ،
والمقداد ، وأبو ذر ، وحذيفة " ( 1 ) .
وقد صلى عليها
علي عليه السلام ( 2 ) ، وكبر عليها خمسا ( 3 ) . .
| |
=>
ج 1 ص 214 و 220 ، والأمالي للطوسي : ص
107 ، والكافي للكليني : ج 1 ص 458 ، ومعاني الأخبار ص
356 ، وإعلام الورى : ص 152 ، وإثبات الهداة : ج 2 ص
334 ، عن كتاب : أساس الجواهر ، وراجع :
تاريخ المدينة
لابن شبة : ج 1 ص 197 ، وتاريخ الأئمة ، لابن أبي
الثلج : ص 31 ، وعن الأمالي للمفيد : ص 281 ، وتاريخ
الصحابة لابن حبان : ص 208 ، ومرآة العقول : ج 5 ص 322
و 323 . والرسائل الاعتقادية : ص 449 و 450 و 459 ،
والاختصاص : ص 185 والوسائل : ج 2 ص 832 وضياء
العالمين : ج 2 ق 3 ص 65 / 66 / 67 / 91 / 92 / 95 /
140 ( مخطوط ) عن مصادر كثيرة ودلائل الإمامة : ص 44 ،
وأنوار الملكوت في شرح الياقوت للعلامة الحلي : ص 228
.
( 1 )
البحار : ج 78 ص 310 .
( 2 ) مستدرك الحاكم :
ج 3 ص 162 ، وتهذيب الأسماء للنووي : ج 2 ص 353 وصفة
الصفوة : ج 2 ص 14 ، وتاريخ المدينة لابن شبة : ج 1 ص
197 ، وتاريخ الصحابة لابن حبان : ص 208 . والعمدة
لابن البطريق : ص 390 / 391 ، وفي هامشه عن
صحيح مسلم
: ج 5 ص 154 ، وعن صحيح البخاري ، باب غزوة خير
والروضة الفيحاء للعمري الموصلي : ص 252 وكشف الغمة للإربلي : ج 2 ص 128 ، وضياء العالمين ( مخطوط ) ج 2 ق
3 ص 3 وجامع الأصول : ج 12 ص 9 / 10 .
( 3 ) راجع :
الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي : ص 131 . وجواهر
الأخبار والآثار المستخرجة من لجة البحر الزخار (
مطبوع مع البحر الزخار ) ج 3 ص 118 وكشف الغمة : ج 2 ص
128 . ( * ) |
|
|
ولا صحة لزعمهم : أن أبا بكر قد حضر ، وصلى
عليها ( 1 ) ، فإنه لم يصل عليها ، ولا على الرسول مع
أنه صلى الله عليه وآله قد مكث ثلاثا ( 2 ) . وإنما
تمت بيعتهم بعد دفنه ( 3 ) .
وليكن خفاء قبرها إلى
يومنا هذا ، وعدم قدرة أحد على معرفته بالتحديد برهانا
ساطعا على هذا الإقصاء ، الذي هو إدانة لهما ، وجميع
الشواهد التاريخية الصحيحة والمعتبرة تؤكد على كذب ما يزعمه مزوروا التاريخ وأعداء الحق .
وهكذا يتضح : أنها
عليها السلام قد جعلت حتى من موتها ، ومن تشييع
جنازتها وسيلة جهاد وكفاح من أجل الله وفي سبيله ، ومن
أجل الدين وفي سبيل توضيح الحقائق للأجيال . وقد بدأت
نتائج هذا الكفاح بالظهور منذ اللحظات الأولى.
فقد روي : أنه لما انتشر خبر دفن الزهراء عليها السلام
" ضج الناس ، ولام بعضهم بعضا . وقال : لم يخلف فيكم
نبيكم إلا بنتا واحدة ، تموت ، وتدفن ولم تحضر وفاتها
ولا دفنها ، ولا الصلاة عليها ، ولم تعرفوا قبرها
فتزورونها ؟ ! " ( 4 ) .
| |
( 1 ) راجع : الرياض النضرة ج 1 ص 176 وقال : خرجه البصري ، وخرجه
ابن السمان في الموافقة . وذخائر العقبى ص 54 ،
والإصابة ج 4 ص 479 ، وتهذيب الكمال : ج 35 ص 252 ،
وتاريخ الهجرة النبوية : ص 58 ، ومقتل الحسين
للخوارزمي : ج 1 ص 86 ، وتاريخ الخميس : ج 1 ص 278 ،
والسيرة الحلبية : ج 3 ص 361، والمغني
للقاضي عبد الجبار : ج 20 ق 1 ص 335
( 2 ) راجع : تقريب المعارف
لأبي الصلاح : ص 251 . وراجع المناقب
لابن شهر آشوب :
ج 1 ص 297 .
( 3 ) مناقب آل أبي طالب : ج 1 : ص 297 .
( 4 ) دلائل الإمامة : ص 46 ، وضياء العالمين ( مخطوط
) : ج 2 ق 3 ص 93 / 94 عن المناقب . ( * ) |
|
|
قال الفتوني : " وإذا تأملت فيما ذكرناه
فضلا عما لم نذكره ، وعما سيأتي من الشواهد ، عرفت أن
أصل تأذي فاطمة صلوات الله عليها من الرجلين وأتباعهما
إجمالا ، بحيث ماتت ساخطة سخطا عظيما مما لا يمكن
إنكاره بل بحيث يوجب القطع للمتفحص عن الحق ، بتحكم
الإنكار والتعصب جهارا ، كما هو شأن ساير المتواترات (
1 ) " .
تمحلات غير ناجحة : والغريب في الأمر هنا :
أننا نجد البعض يحاول التخلص والتنصل من حقيقة هجران
الزهراء عليها السلام لمن ظلمها إلى أن ماتت ، بإطلاق
القول : إن معنى أن فاطمة عليها السلام هجرت أبا بكر ،
فلم تكلمه إلى أن ماتت : " أنها لم تكلمه في هذا الأمر
( أي المال ) ، أي لم تطلب حاجة ولا اضطرت إلى لقائه ،
ولم ينقل قط أنهما التقيا ، فلم تسلم عليه ولا كلمته "
حيث تشاغلت بمرضها وغير ذلك ( 2 ) .
ثم هم يقررون : إن
الزهراء أتقى لله من أن يصدر منها ذلك وأورع ( 3 ) .
ونقول :
| |
( 1 ) ضياء العالمين ( مخطوط ) ج
2 ق 3 ص 95 ، والهداية الكبرى : ص 179 .
( 2 ) شرح
بهجة المحافل : ج 1 ص 131 عن الذهبي ، وفتح الباري : ج
6 ص 139 ، والسيرة الحلبية : ج 3 ص 361 .
( 3 ) فتح
الباري : ج 6 ص 139 . ( * ) |
|
|
إن نفس أولئك الذين يقولون ذلك قد ذكروا :
أنها عليها السلام قد التقت بالشيخين ، حينما جاءاها
لاسترضائها ، حينما مرضت ، فكلمتهما ورضيت عنهما ، حسب
زعمهم ( 1 ) .
كما أن الشاشي قد رد على ذلك بأن قولهم
: " غضبت " يدل على أنها عليه السلام قد امتنعت عن
الكلام جملة ، وهذا صريح الهجر ( 2 ) .
هل عرف قبر
الزهراء عليها السلام :
ويلاحظ : أن الأئمة عليهم
السلام لم يتصدوا لتعريف شيعتهم موضع قبرها عليها
السلام ، كما كان الحال بالنسبة لأمير المؤمنين الذي
أظهر الإمام الصادق قبره كما هو معلوم ، وكذا الحال
بالنسبة لسائر الأئمة حيث عرفوا شيعتهم بمواضع قبورهم
، باستثناء الزهراء عليها السلام ، بل إن شيعة أهل
البيت أيضا ، الذين حضروا تشييع الجنازة والدفن ، مثل
عمار وأبي ذر ، وسلمان ، والعباس ، وعقيل ، وغيرهم لم
يدلوا أحدا على قبرها ، وفاء لها ، وحبا بها ، وهذا
ابن أبي قريعة المتوفى سنة 367 ه يقول :
ولأي حال
لحدت * بالليل فاطمة الشريفة
ولما حمت شيخيكم * عن وطئ
حجرتها المنيفة
| |
( 1 ) تاريخ الإسلام للذهبي : ( عهد الخلفاء الراشدين ) ص 47 وفتح الباري ج
6 ص 139 .
( 2 ) فتح الباري ج 6 ص 139 . ( * )
|
|
|
أوه لبنت محمد * ماتت بغصتها أسيفة ( 1 )
وقال السيد محسن الأمين رحمه الله :
ولأي حال في الدجي
دفنت * ولأي حال ألحدت سرا
دفنت ولم يحضر جنازتها *
أحد ولا عرفوا لها قبرا ( 2 )
ومما تقدم تعرف أن دعوى
هذا البعض : أن قبر الزهراء عليها السلام قد عرف الآن
، هي دعوى لا وجه لها ، ويا ليته يدلنا على هذا القبر
الذي عرف الآن ، ويبين لنا ما استند إليه من أدلة قطعت
له كل عذر ، ودحضت كل شبهة ، وسوف نكون له من الشاكرين
. ونحن على يقين من أنه غير قادر على ذلك .
| |
( 1 ) كشف الغمة للإربلي ج 2 ص 131 . |
( 2 ) المجالس السنية ج
5 ص 120 . ( * )
|
|
|
|