|
مأساة الزهراء عليها السلام ج 1 - العلامة
السيد جعفر مرتضى العاملي - ص 253 |
|
جرأة الجاحظ :
وما أبعد ما بين هذا الرجل الذي يختار خصوص الحديث
الذي ظهرت فيه لمحات التحوير ، والتزوير ، بادعاء رضى
الزهراء عليها السلام عن الذين جاؤا لاسترضائها ، رغم
تكذيب كل الشواهد الواقعية والتاريخية والحديثية له ،
وبين ذلك الرجل الآخر المعروف بانحرافه عن علي ، ثم
باهتمامه بنقض فضائله عليه السلام ، وتأييد مناوئيه ،
وهو الكتاب والأديب الذائع الصيت ، عمرو بن بحر
الجاحظ . . الذي يقول في رسالته المعروفة
ب " العباسية " - حسبما نقله عنه الشيخ الطوسي رحمه
الله : " فلما منعها ميراثها وبخسها حقها ، واعتدى
عليها ، وجنح في أمرها ، وعاينت الهضم وأيست من النزوع
ووجدت مس الضعف وقلة الناصر ، قالت : والله لأدعون
الله عليك . قال : والله لأدعون الله لك . قالت :
والله لا أكلمك أبدا . قال : والله لا أهجرك أبدا .
فإن يكن ترك النكير منهم على أبي بكر دليلا على صواب
منعها ، إن في ترك النكير على فاطمة عليها السلام
دليلا على صواب طلبها .
وأدنى ما كان يجب عليهم في ذلك
: تعريفها ما جهلت ، وتذكيرها ما نسيت ، وصرفها عن
الخطأ ، ورفع قدرها عن البذاء وأن تقول هجرا أو تجور
عادلا وتقطع واصلا . فإذا لم تجدهم أنكروا على الخصمين
جميعا ، فقد تكافأت الأمور واستوت الأسباب ، والرجوع
إلى أصل حكم الله في المواريث أولى بنا وبكم وأوجب
علينا وعليكم . ثم قال : فإن قالوا : فكيف يظن بأبي
بكر ظلمها والتعدي عليها وكلما ازدادت فاطمة عليها
السلام عليه غلظة ازداد لها لينا ورقة ، حيث تقول : "
والله لا أكلمك أبدا " . فيقول : " والله لا أهجرك
أبدا " .
ثم تقول : " والله لأدعون الله عليك " .
فيقول : " والله لأدعون الله لك " ( 1 ) .
ثم يتحمل
منها هذا القول الغليظ والكلام الشديد في دار الخلافة
، وبحضرة قريش والصحابة ، مع حاجة الخلافة إلى البهاء
والتنزيه ، وما يجب لها من الرفعة والهيبة .
ثم لم
يمنعه ذلك أن قال - معتذرا أو متقربا كلام المعظم
لحقها المكبر لمقامها الصائن لوجهها المتحنن عليها - :
فما أحد أعز علي منك فقرا ، ولا أحب إلي منك غنى ،
ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : " إنا
معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه فهو صدقة " .
قيل
لهم : ليس ذلك بدليل على البراءة من الظلم ، والسلامة
من الجور ، وقد يبلغ من مكر الظالم ودهاء الماكر - إذا
كان أريبا وللخصومة معتادا - أن يظهر كلام المظلوم ،
وذلة المنتصف ، وحدب الوامق ، ومقة المحق ( 2 ) "
انتهى كلام الجاحظ .
| |
( 1 ) راجع : شرح
نهج البلاغة للمعتزلي : ج 16 ص 214 ، وتلخيص الشافي :
ج 3 ص 152 وغير ذلك .
( 2 ) تلخيص الشافي ج 3 ص 152 و
153 . عن العباسية للجاحظ . وقال
المعلق ص 151 : إن
كتاب العباسية قد طبع ضمن رسائل جمعها وحققها وشرحها
الأستاذ حسن السندوبي ، وأسماها " رسائل الجاحظ " ورقم
هذه الرسالة ( 12 ) وقد طبعت في مطبعة الرحمانية بمصر
سنة 1352 . وذكر هذه الفقرات أيضا السيد القزويني في
كتابه : فاطمة الزهراء من المهد إلى اللحد ص 420 عن
رسائل الجاحظ ص 300 - 303 . ( * ) |
|
|
دلالة حرجة :
وهكذا يتضح : أن الزهراء
عليها السلام لم تكن تعرف لأبي بكر إمامة ولا تعترف له
بتولية ، ما دام أنها قد ماتت وهي غاضبة عليه وعلى
صاحبه ، مهاجرة لهما ، وقد منعتهما من حضور جنازتها ،
بل ومن معرفة قبرها أيضا .
ولا يمكن أن تكون الزهراء
المعصومة المطهرة بآية التطهير ، والتي يغضب الله
ورسوله لغضبها ، قد ماتت ميتة جاهلية ، وفق ما جاء في
الحديث الشريف : " من مات ولم يعرف إمام زمانه - أو
ليس في عنقه بيعة - ، فقد مات ميتة جاهلية " ( 1 ) .
قال العلامة المحقق الخواجوئي المازندراني : " إعلم أن
المليين من المسلمين مع اختلاف مذاهبهم اتفقوا على صحة
ما نقل عن النبي ( ص ) ، وهو قوله : " من مات ولم يعرف
إمام زمانه مات ميتة
| |
( 1 ) راجع ألفاظ الحديث في : " الغدير : ج 1 ، ص 390 ، عن التفتازاني
في شرح المقاصد : ج 2 ، ص 275 ، وكنز الفوائد للكراجكي
: ص 151 ، والمناقب لابن شهر آشوب : ج 3 ، ص 304 ،
ومجمع الزوائد : ج 5 ، ص 224 و 225 و 219 و 218 ،
ومسند أحمد : ج 4 ، ص 96 و ج 3 ص 446 ، والبحار ج 23 ،
ص 92 و 88 و 80 ، و 89 وفي هوامشه عن
الاختصاص : 269 ،
وعن إكمال الدين : ص 230 و 231 ، ومنتخب الأثر : ص 15
، عن الجمع بين الصحيحين والحاكم وكشف الغطاء : ص 8 ،
وشرح نهج البلاغة : ج 13 ص 242 عن الإسكافي في نقض
العثمانية ومنار الهدى للشيخ علي البحراني : ص 82 / 83
والمحلى : ج 1 ص 46 ، وصحيح البخاري كتاب الفتن ، باب
سترون بعدي أمورا تنكرونها ، وصحيح مسلم ، كتاب
الإمارة ، باب الأمر بلزوم الجماعة : ج 4 ص 517 ط دار
الشعب . ( * ) |
|
|
جاهلية " ( 1 ) .
إذن فلا وقع للمقولة التي
أطلقها البعض : إن هذا الحديث ليس فوق مستوى النقد .
والتي يلزم منها إما مخالفتها ( ع ) لما جاء عن النبي
( ص ) أو أنه قد كان لها إمام آخر غير أبي بكر فمن هو
يا ترى ؟ وهل يظن أنه غير علي ( ع ).
وهل يظن الظان
أن الزهراء ( ع ) - وهي التي ماتت وليس في عنقها بيعة
لأبي بكر - قد ماتت ميتة جاهلية ؟ ملاقاة الزهراء
للرجال والحجاب : وبالمناسبة نقول : إن البعض قد استدل
على بطلان حديث : خير للمرأة أن لا ترى الرجل ولا
الرجل يراها ( 2 ) ، بأن الزهراء عليها السلام ،
| |
( 1 ) الرسائل الاعتقادية ص 403 .
( 2 ) روي
هذا الحديث عن النبي ( ص ) وعن الإمام الصادق ( ع )
وعن علي ( ع ) ، فراجع : وسائل الشيعة ج 20 ص 232 و 67
، ومستدرك الوسائل : ج 14 ص 183 و 289 ، والبحار ج 43
ص 54 و 48 و 84 و ج 100 ص 239 و ج 101 ص 36 ، وإحقاق
الحق : ج 9 ص 202 / 203 عن البزار و ج 10 ص 224 و 226
، عن مصادر كثيرة . وراجع : مجمع الزوائد ج 4 ص 255
وكشف الأستار عن مسند البزار : ج 3 ص 235 ، وفضائل
الخمسة من الصحاح الستة : ج 3 ص 153 ، و 154 عن كنز
العمال : ج 8 ص 315 . وراجع
كتاب الكبائر للذهبي : ص
176 . ودعائم الإسلام : ج 2 ص 124 ، و 215 وإسعاف
الراغبين ( مطبوع بهامش نور الأبصار ) : ص 171 / 172 /
191 ، وكشف الغمة : ج 2 ص 92 ، ومكارم الأخلاق ص 233 ،
ومناقب آل أبي طالب : ج 3 ص 119 ، وعوالم العلوم : ج
11 ص 197 ، ومقتل الخوارزمي ج 1 ص 62 ، وحلية الأولياء
: ج 2 ص 41 ، ومناقب الإمام علي لابن المغازلي
=> |
|
|
- وهي قائلة هذا القول - كانت تلتقي
بالرجال ، وتتحدث معهم ، أثناء الأزمة التي واجهتها مع
الذين هاجموا بيتها ، وغصبوا فدكا . وقد التقت مع أبي
بكر وعمر ، حينما جاءا ليسترضياها ، وتحدثت معهما بشكل
طبيعي . .
وكانت عليها السلام تخرج مع من يخرجن مع
النبي ( ص ) في غزواته ليقمن بشؤون الحرب .
وكان النبي
( ص ) يستقبل النساء ، ولو صح أنه خير للمرأة أن لا
ترى الرجال ، لكان ينبغي أن يجعل ( ص ) حاجزا بينه
وبين كل امرأة تأتيه ، ويقول لها : تكلمي من وراء حجاب
.
والجواب :
أولا : إن هذا الحديث وإن كان ضعيف السند
، لكن الاستدلال على تكذيبه بما ذكر لا يصح ، لأن
التقاءها عليها السلام بالرجال في أيام الأزمة التي
واجهتها مع أبي بكر وعمر لا يعني أنها قد كشفت عن
وجهها للناظرين ، وحديثها معهم قد يكون من وراء الحجاب
، أو في حالة لا تريهم فيها وجهها . .
وليس المقصود من
عدم رؤيتها للرجال ، وعدم رؤيتهم لها : أن لا ترى ولا
يرى كل منهم حجم وشكل الطرف الآخر.
| |
=>
ص 381 ، وثمة مصادر أخرى ذكرها في هامش كتاب العوالم
وراجع : مناقب أمير المؤمنين علي ( ع ) للقاضي محمد بن
سليمان الكوفي : ج 2 ص 210 و 211 ، وضياء العالمين (
مخطوط ) : ج 2 ق 3 ص 14 عن المناقب ، والدرة اليتيمة
في بعض فضائل السيدة العظيمة : ص 31 ، ودعائم الإسلام
: ج 2 ص 214 / 215 . ( * ) |
|
|
هذا ، وقد احتمل البعض أن يكون المقصود
بهذا الحديث هو بيان مرجوحية اختلاط الرجال بالنساء .
كما أن خروجها مع النبي ( ص ) في غزواته ، لا يلازم أن
يرى الرجال وجهها أو محاسنها ، وليس ثمة أي دليل على
أنها عليها السلام كانت تتولى بنفسها القيام بشؤون
الحرب ، وخروجها على هذا النحو مع النبي ( ص ) لا يدل
على ما ادعي .
وكذلك الحال بالنسبة لاستقبال النبي ( ص
) للنساء ، ولا يلزم في ذلك أن يجعل حاجزا بينه ( ص )
وبين كل امرأة تأتيه ، ولا أن يجعل لها حجابا لتكلمه
من وراء الحجاب ، إذ يكفي أن تتحفظ هي بما تملكه من
وسائل الستر ، وتكلمه وهي مكتملة الحجاب ، فإن الكلام
مع شخص لا يلازم شيئا مما نهي عنه من التزين والتبرج ،
أو الخضوع بالقول .
وثانيا : إنها حينما خطبت ( ع ) في
حشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم قد نيطت دونها ملاءة
، كما تذكر النصوص ( 1 ) .
وثالثا : إن موضوع رجحان
عدم رؤية الرجال لها ، وعدم رؤيتها لهم ، لا ينحصر
ثبوته بالحديث المذكور ، فهناك أحاديث ونصوص
| |
( 1 ) الاحتجاج : ج 1 ص 254 ، وشرح النهج للمعتزلي
: ج 16 ص 211 و 250 ، وبلاغات النساء
: ص 24 ، وأعلام
النساء : ج 4 ص 116 ، وكشف الغمة : ج 2 ص 106 ، وإحقاق
الحق : ج 10 ص 299 ، والشافي للمرتضى : ج 4 ص 69 - 71
. وضياء العالمين ( مخطوط ) : ج 2 ق 3 ص 69 ، وراجع :
العوالم : ج 11 ص 468 وشرح الأخبار : ج 3 ص 34 ومقتل
الحسين للخوارزمي ج 1 ص 77 ، وشرح نهج البلاغة لابن
ميثم : ج 5 ص 105 . ( * ) |
|
|
أخرى تثبت ذلك ، ونذكر منها :
1 - ما رواه
محمد بن يعقوب ، عن عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي
عبد الله ، قال : استأذن ابن أم مكتوم على النبي ( ص )
، وعنده عائشة وحفصة ، فقال لهما : قوما فادخلا البيت
. فقالتا : إنه أعمى . فقال : إن لم يركما فإنكما
تريانه ( 1 ) .
2 - وعن أم سلمة قالت : كنت عند رسول
الله ( ص ) ، وعنده ميمونة ، فأقبل ابن أم مكتوم ،
وذلك بعد أن أمر بالحجاب ، فقال : احتجبا . فقلن : يا
رسول الله ، أليس أعمى لا يبصرنا ؟ قال ( ص ) : أفعمياوان أنتما ، ألستما تبصرانه ؟ ! ( 2 ) .
ومن
الغرائب استدلال هذا البعض بهذه الرواية على دخول ابن
أم مكتوم الأعمى على النبي وهو في مخادع زوجاته الكاشف
عن وحدة الحال بينهما ، على حد تعبيره . ثم بناؤه على
ذلك صحة نزول سورة عبس في حقه ( ص ) .
وقد أشرنا إلى
بطلان هذا القول في الصحيح من سيرة النبي ( ص ) ( 3 )
| |
( 1 ) الوسائل : ج 20 ص 232 ، والكافي :
ج 5 ص 534 .
( 2 ) الوسائل : ج 20 ، ص 232 ، وفي هامشه
عن مكارم الأخلاق ص 233 ، ومسند أحمد : ج 6 ص 296 ،
والجامع الصحيح للترمذي : ج 5 ص 102 ، وسنن أبي داود :
ج 4 ص 63 ، والكبائر للذهبي : ص 177 .
( 3 ) وليراجع
أيضا : كتاب " عبس وتولى فيمن نزلت ؟ " ط المركز
الإسلامي للدراسات سنة 1997 م . ( * )
|
|
|
فليراجع .
وإذا كان ابن أم مكتوم بدخوله
مرة أو مرتين على رسول الله ( ص ) ، قد أنتج لنا وحدة
الحال هذه ، فينبغي أن تتحقق وحدة حال أعمق بكثير بين
النبي ( ص ) وبين جل - إن لم يكن كل - من التقى بهم في
حياته .
3 - الجعفريات : أخبرنا عبد الله ، أخبرنا
محمد ، حدثني موسى ، قال : حدثنا أبي ، عن أبيه ، عن
جده جعفر بن محمد ، عن أبيه عليهما السلام : إن فاطمة
بنت رسول الله ( ص ) استأذن عليها أعمى فحجبته ، فقال
لها النبي ( ص ) : لم حجبته وهو لا يراك ؟ ! فقالت :
يا رسول الله إن لم يكن يراني فأنا أراه ، وهو يشم
الريح . فقال النبي ( ص ) : أشهد أنك بضعة مني . وفي
دعائم الإسلام عن أبي جعفر عليه السلام مثله . وفي
نوادر الراوندي : عن موسى بن جعفر مثله ( 1 ) .
4 -
وبالإسناد المتقدم ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ،
عليهما السلام : أن فاطمة بنت رسول الله ( ص ) ، دخل
عليها علي عليه السلام ، وبه كآبة شديدة ، فسألته عن
ذلك فأخبرها : أن النبي ( ص )
| |
( 1 ) مستدرك الوسائل : ج 14 ، ص 289 ، وفي هامشه عن
الجعفريات ص 95 ، وعن
دعائم الإسلام : ج 2 ص 214 ،
وعوالم العلوم ج 11 ص 123 ، وفي هامشه عن
نوادر الراوندي : ص 13 ، والبحار : ج 43 ص 91 ، ورواه ابن
المغازلي : ص 380 - 381 . ( * ) |
|
|
سألهم عن المرأة : متى تكون أدنى من ربها ؟
فلم ندر . فقالت : ارجع إليه فأعلمه : أن أدنى ما تكون
من ربها أن تلزم قعر بيتها . فانطلق فأخبر النبي ( ص )
. فقال : ماذا ؟ من تلقاء نفسك يا علي ؟ فأخبره أن
فاطمة عليها السلام أخبرته . فقال : صدقت ، إن فاطمة
بضعة مني .
ورواهما السيد فضل الله الراوندي في نوادره
بأسناده عنه ( ص ) مثله ( 1 ) .
| |
( 1 ) مستدرك الوسائل : ج 14 ص 182 ، وفي هامشه عن :
الجعفريات : 95 وعن
نوادر
الراوندي : ص 14 ، والبحار :
ج 43 ص 92 و ج 100 ص 250 ، وعوالم العلوم : ج 11 ص 123
. ( * ) |
|
|
|