|
مأساة الزهراء عليها السلام ج 1 - العلامة
السيد جعفر مرتضى العاملي - ص 264 |
|
الفصل السابع : لماذا تفتح الزهراء ( ع )
الباب
----------------------------------- ص
265
-------------------------------------
ماذا في هذا الفصل : سنقرأ في هذا
الفصل مناقشات ترتبط بالنقاط التالية :
1 - غيرة علي (
ع ) وحميته تأبى عليه أن يدع الزهراء تفتح الباب
للمهاجمين .
2 - شجاعة علي ( ع ) تأبى عليه أن يدع
الزهراء تواجه الخطر ، نتيجة لفتحها الباب أمام القوم
.
3 - الزهراء ( ع ) مخدرة ، فكيف تواجه الرجال ؟ ! .
4 - لماذا لا يفتح الباب الحسنان ، أو فضة ، أو علي (
ع ) ، أو الزبير أو واحد من بني هاشم الذين كانوا داخل
البيت ؟ !
5 - المتحصنون في البيت كانوا مسلحين ، فكيف
يخشون من المواجهة ؟ .
6 - الزهراء ( ع ) وديعة الرسول
( ص ) ، فكيف يعرضها أمير المؤمنين ( ع ) للخطر ؟ .
7
- ضرب الزهراء مسألة شخصية ، لا ربط لها بالخلافة ،
ولم يوص النبي عليا بعدم الدفاع عن نفسه وعن عياله في
المسائل
الشخصية ، بل أوصاه أن لا يفتح معركة من
أجل الخلافة التي هي قضية عامة تتعلق بالواقع الإسلامي
كله .
8 - كيف يسمع الحاضرون ما يجري على الزهراء ( ع
) ثم لا ينجدونها ؟ .
هذه هي النقاط التي سنتعرض لها
في هذا الفصل ، وعلى الله نتوكل ، ومنه العون والسداد
نطلب ونسأل .
أين هي غيرة علي ( ع ) وحميته ؟
قد رأى
البعض : إن جلوس علي عليه السلام في داخل البيت ،
وتركه زوجته تبادر لفتح الباب ، يتنافى مع الغيرة
والحمية ، وهل يمكن أن يصدر مثل ذلك من علي عليه
الصلاة والسلام ! ؟
ونقول في الجواب :
أولا : إنه لا شك في أن عليا عليه السلام هو إمام الغيارى ، وهو صاحب النجدة والحمية ، والحسين ( ع )
أيضا إمام الغيارى كأبيه . . وقد حمل الحسين ( ع )
نساءه معه ، ومنهم العقيلة زينب ( ع ) ليواجهوا المحن
والبلايا ، والمصائب والرزايا ، لأن الله سبحانه شاء
أن يراهن سبايا فكن ينقلن من بلد إلى بلد ، يتصفح
وجوههن القريب والبعيد ، في يد الأعداء الذين لا
يتورعون عن ارتكاب أبشع الجرائم الموبقة ، حتى مثل قتل
أوصياء الأنبياء وذبح الأطفال ، وسبي بنات الوحي .
وإذا كانت الحوراء زينب ( ع ) قد قالت لابن زياد : رضا
الله
رضانا أهل البيت ، فإن عليا عليه السلام
أولى من ابنته زينب بأن يرضيه ما يرضي الله سبحانه .
وبديهي أن الإمام أمير المؤمنين عليا عليه السلام ،
يريد لهذا الدين أن يستمر قويا راسخا ، حتى ولو كلفه
ذلك روحه التي بين جنبيه ، وهو على استعداد لتحمل
أنواع الأذى في هذا السبيل . وليس في إجابة الزهراء (
ع ) للمهاجمين ما يتنافى مع الغيرة والحمية ، كما لم
يكن حمل زينب والنساء إلى كربلاء مع العلم بسبيهم
يتنافى مع ذلك .
ثانيا : لقد كان النبي ( ص ) يأمر بعض
زوجاته وأم أيمن بأن تجيب من كان يطرق عليه الباب ( 1
) حين يقتضي الأمر ذلك . وهل هناك أغير من رسول الله (
ص ) ؟ !
وثالثا : المهاجمون هم الذين اعتدوا وفعلوا ما
يخالف الدين والشرع والغيرة ، والحمية ، وحتى العرف
الجاهلي ، أما علي ( ع ) فلم يصدر منه شئ من ذلك ، بل
هو قد عمل بتكليفه ، والزهراء ( ع ) عملت بتكليفها ،
والخلاف والتعدي قد جاء من قبل المهاجمين .
| |
( 1 ) راجع : الاحتجاج : ج 1 ص 470 / 471 ، وكشف
اليقين : ص 260 / 305 ، والبحار : ج 32 ، ص 347 ، و ج
39 ص 267 و ج 90 من 272 و ج 37 ص 313 و ج 38 ص 349 ،
350 ، 152 ، 121 ، 121 ، 305 ، 126 ، 356 ، 357 ،
والطرائف : ص 72 ، ومناقب الإمام علي لابن المغازلي
والدعوات للراوندي : ص 47 ، ومشارق أنوار اليقين ،
وكشف الغمة : ج 1 ص 91 ، ومناقب الخوارزمي : ص 86 و 87
، وترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق ( بتحقيق المحمودي
) : ج 3 ص 164 ، وفرائد السمطين ، ج 1 ص 331 ، وكفاية
الطالب : ص 312 . ( * ) |
|
|
أين هي شجاعة علي ( ع ) ؟ ! قال ابن روزبهان عن حديث الإحراق : " لو صح هذا دل على عجزه ،
حاشاه عن ذلك ، فإن غاية عجز الرجل أن يحرق هو وأهل
بيته ، وامرأته في داره ، وهو لا يقدر على الدفع الخ .
. " ( 1 ) .
وقد أخذ البعض هذا المعنى ، فقال : إنه لا
يستسيغ أن تفتح الزهراء ( ع ) الباب ، أو تجيب القوم ،
مع كون علي ( ع ) موجودا معها داخل البيت .
ثم إن هذا
البعض يحاول أن يثير العواطف ، ويحرك الأحاسيس حين
يزيد على ما مر ويقول : هل يقبل أحد منكم أن تهاجم
زوجته ، أو أمه ، أو أخته ، وهو قاعد في البيت يقول :
لا حول ولا قوة إلا بالله ؟ ! .
ماذا يقول الناس عنه
لو فعل ذلك ؟
هل يقول الناس عنه بطل ؟ ! أو هو جبان ؟
فكيف تنسبون لعلي عليه السلام مجندل الأبطال ما لا
ترضونه لأنفسكم ؟ !
ثم يؤكد قوله هذا فيقول : لقد عقد
في ( دبي ) مجلس عزاء حول الزهراء ، وذكر القارئ هذه
القضية ، وكان أحد أهل السنة حاضرا ، فقال لرجل شيعي
كان هناك : أنتم تقولون : إن عليا بطل شجاع وقد " دوخ
" الأبطال ، فكيف لم يدافع عن زوجته ، وهي وديعة رسول
الله عنده ؟ !
ونقول :
| |
( 1 ) إبطال نهج
البلاغة ( مطبوع مع دلائل الصدق ) ج 3 قسم 1 ص 47 . (
* ) |
|
|
أولا : هذا الكلام ليس جديدا ، وقد أجاب
عنه العلماء ، وكذلك علماء الزيدية ، فقال ابن حمزة :
" هو ( ع ) مع شجاعته لم يخل من النظر في أمر الأمة ،
وطلب استقامة الدين وترك ما يخشى معه التفاقم " ( 1 )
.
ثانيا : قال ابن حمزة الزيدي أيضا وهو يرد على بعضهم
: " إنه لا عار عليه في أن يغلب ، إذ ليست الغلبة
دلالة على حق ، ولا باطل ، ولا على جبن . وهو إمام
معصوم بالنص ، لا يفعل بالعصبية ، وإنما يفعل بالأمر ،
وقد أمر بالصبر ، فكان يصبر امتثالا لأمر الله سبحانه
، وأمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، لا يقدم غضبا
ولا يحجم جنبا " ( 2 ) .
ثالثا : إن ضرب الزهراء ( ع )
ليس هو الوحيد في تاريخ علي ( ع ) مع هؤلاء القوم ،
فقد ورد أن عليا نفسه قد تعرض للضرب أيضا . ، لكن لا
من أبي بكر ، ولا من عمر ، بل ممن هو أقل منهما شأنا
وأثرا ، وهو عثمان .
فقد روى الزبير بن بكار في كتابه
: عن علي بن أبي طالب عليه السلام ، أرسل إلي عثمان في
الهاجرة ، فتقنعت بثوبي ، وأتيته فدخلت عليه وهو على
سريره ، وفي يده قضيب ، وبين يديه مال دثر : صبرتان من
ورق وذهب ، فقال : دونك خذ من هذا حتى تملأ بطنك فقد
أحرقتني . فقلت : وصلتك رحم ! إن كان هذا مال ورثته ،
أو أعطاكه معط ، أو اكتسبته من تجارة ، كنت أحد رجلين
: إما آخذ ، أو أشكر ، أو أوفر فأجهد ، وإن كان من مال
الله وفيه حق المسلمين واليتيم وابن السبيل ، فوالله ،
ما لك أن تعطينه ولا لي أن آخذه .
| |
( 1 ) الشافي لابن حمزة : ج 4 ص 188 .
|
( 2 ) الشافي لابن
حمزة : ج 4 ص 200 ، وراجع ص 201 . ( * )
|
|
|
فقال : أبيت والله إلا ما أبيت . ثم قام
إلي بالقضيب فضربني ، والله ما أرد يده ، حتى قضى
حاجته ، فتقنعت بثوبي ، ورجعت إلى منزلي ، وقلت : الله
بيني وبينك إن كنت أمرتك بمعروف أو نهيت عن منكر ( 1 )
!
بل هو قد تعرض للقتل أيضا - وقد تحدثنا عن ذلك تحت
عنوان " أخبار عن احترام الصحابة للزهراء ( ع ) " -
وقد روي في الكافي بسند صحيح عن الإمام الصادق عليه
السلام : أنه لما خطب عمر أم كلثوم ، وقال ( ع ) :
إنها صبية ، قال عمر للعباس : خطبت إلى ابن أخيك فردني
، أما والله ، لأعورن زمزم ، ولا أدع لكم مكرمة إلا
هدمتها ، ولأقيمن عليه شاهدين بأنه سرق ، ولأقطعن
يمينه . فأتى العباس فأخبره ، وسأله أن يجعل الأمر
إليه فجعله إليه . ( 2 ) فهذه الرواية تدل على مدى
جرأتهم عليه صلوات الله وسلامه عليه .
رابعا : إنه لا شك في أن أحدا منا لا يقبل بأن تهاجم
زوجته ، أو أمه ، أو أخته ، وهو قاعد في البيت يقول :
لا حول ولا قوة إلا بالله . . ولو فعل ذلك لقال الناس
عنه : إنه جبان قطعا ، ولقلنا نحن عنه ذلك أيضا .
ولكن
إذا كان المهاجمون يريدون استدراجنا لمعركة ، أو إثارة
أحاسيسنا ، لكي نتشنج ، ونتصرف بردة الفعل ، ومن دون
وعي لنتائج
| |
( 1 ) شرح نهج البلاغة
للمعتزلي الشافعي : ج 9 ص 10 . |
( 2 ) الكافي : ج 5 ص
346 . ( * ) |
|
|
تصرفاتنا ، فإن الكل سوف يلومنا إذا
استجبنا لاستدراج هؤلاء المهاجمين ، وحققنا لهم
أهدافهم .
والمهاجمون كانوا يريدون ذلك من علي عليه
السلام ، ولو أن عليا استجاب لهم ، لضاعت فرصة معرفة
الحق ، ولأمكنهم أن يمتلكوا كل الأسهم الرابحة وكل
إمكانات التشويه ، والتزييف للحقيقة ، كما سنوضحه
إنشاء الله تعالى .
فبطولة علي ( ع ) هنا هي بصبره على
الأذى ، وعدم استجابته للاستفزاز الذي مارسوه ضده ،
فعلي ( ع ) هو الذي يضحي بكل شئ في سبيل حفظ هذا الدين
، ويعتبر أن هذه هي مسؤوليته وواجبه الشرعي ، ولم يكن
ليفرط في دينه في سبيل أي شئ آخر .
خامسا : ولنفرض
جدلا صحة ما يقوله هذا البعض من أن القوم كانوا
يحترمون الزهراء ( ع ) ويقدرونها ، فلماذا لا يفترض
أيضا أن يكون الهدف من إجابة الزهراء ( ع ) لهم على
الباب هو الاستفادة من مكانتها وموقعها لدفعهم بأسهل
الطرق وأيسرها ؟ ! وهل ترى أن مكانتها واحترامها دفع
عنها هجوم القوم وأذاهم ؟ !
|