|
مأساة الزهراء عليها السلام ج 1 - العلامة
السيد جعفر مرتضى العاملي - ص 293 |
|
هل ضرب الزهراء ( ع ) مسألة شخصية ؟ !
ويتابع البعض اعتراضاته ، فيقول : إن كنتم تقولون : إن
عليا لم يدافع عن الزهراء ، بسبب وصية النبي ( ص ) له
حيث " قيدته وصية من أخيه " . فإننا نقول لكم : إنما
أوصاه النبي ( ص ) أن لا يفتح معركة من أجل الخلافة ،
ولم يقل له : لا تدافع عن زوجتك . وضرب الزهراء لا
علاقة له بالخلافة ، لأنها مسألة شخصية ، كما أن
الزهراء نفسها لا علاقة لها بالخلافة ، أما مسألة
الخلافة فهي تتعلق بالواقع الإسلامي كله .
والجواب :
إننا قبل الإجابة على ما تقدم نسجل ملاحظة هنا مفادها
: أن مسألة الزهراء مع القول هي مسألة الإمامة ، ثم
الخلافة ، لأن هؤلاء إنما ينصبون أنفسهم أئمة للناس ،
والإمامة مقام إلهي جعله الله لغيرهم ، والخلافة هي
أحد شؤون الإمامة ، والدليل على ما نقول : هو محاولتهم
تخصيص أنفسهم بحق التشريع ، بل يقول أحدهما حينما عوتب
على بعض تشريعاته : أنا زميل محمد ( 1 ) .
وقد ذكرنا
بعض ما يتعلق بهذا الأمر في كتابنا الحياة السياسية
للإمام الحسن عليه السلام ، فراجع .
| |
( 1 ) تاريخ الأمم والملوك : ج 3 ص 291 ( ط الاستقامة )
والفائق : ج 2 ص 11 . ( * ) |
|
|
وبعد هذا الذي أشرنا إليه نقول :
أولا : إن
القوم إنما جاؤا إلى بيت الزهراء ( ع ) من أجل إجبار
أمير المؤمنين عليه السلام عليه البيعة لهم ، لكي تثبت
خلافتهم ، ويتأكد استئثارهم بها دونه عليه السلام ،
والزهراء تريد منعهم من تحقيق هذا الأمر بالذات ،
وكذلك علي عليه السلام ، فكان القوم يريدون إزاحة
الزهراء ( ع ) من طريقهم ليمكنهم جبار علي ( ) على
البيعة .
إذن فهذه معركة يخوضها أعداء علي ( ع ) ضده
من أجل الخلافة، وقد أوصاه الرسول ( ص ) أن لا يخوض
معركة من أجل الخلافة ( 1 ) باعتراف نفس المعترض ، فما
معنى قوله : إن الزهراء وضربها لا علاقة له بالخلافة ؟
بل الحقيقة هي : أن قضية الزهراء وما جرى عليها يتعلق
بالواقع الإسلامي كله .
وهل يظن هذا القائل أن
مطالبتها عليها السلام بفدك أيضا كانت من أجل أن
تستفيد منها في إنعاش حياتها المعيشية ؟
مع أن من
الواضح أن حياتها عليها السلام بقيت على حالها قبل ذلك
، ومعها ، وبعدها ، فهي لم تبن بأموال فدك قصرا ، ولا
تزينت بالذهب والفضة ، ولا استحدثت فرش بيتها ، ولا
اقتنت التحف ، ولا ادخرت شيئا
| |
( 1 ) ذكر المفيد : أن عليا نقل عن النبي ( ص ) قوله
له : " إن تموا عشرين فجاهدهم "
الاختصاص : ص 187 . وراجع :
البحار : ج 28 ص 229 / 313 / 270 وفيه : " لو وجدت
أربعين ذوي عزم لجاهدتهم " ، وتفسير العياشي : ج 2 ص
68 ، وتفسير البرهان : ج 2 ص 93 ، وراجع الصراط
المستقيم : ج 3 ص 12 ، والاحتجاج : ج 1 ص 188 و 213
والمسترشد في إمامة علي ( ع ) : ص 63 ، وكتاب سليم بن
قيس ( بتحقيق الأنصاري ) : ج 2 ص 568 ، وشرح نهج
البلاغة لابن ميثم : ج 2 ص 27 . ( * )
|
|
|
للمستقبل ، ولا اشترت البساتين والعقارات ،
والمراكب الفارهة ، كما فعل أو يفعل الآخرون ، بل كانت
غلة فدك تصرف في سبيل الله ، وعلى الفقراء والمساكين .
مسألة فدك سياسية :
ومما يدل على أن مسألة فدك كانت
سياسية تلك المحاورة التي جرت بين الإمام الكاظم عليه
السلام وبين الرشيد ، فقد كان الرشيد يقول لموسى بن
جعفر الكاظم عليهما السلام : يا أبا الحسن خذ فدك حتى
أردها عليك ، فيأبى ، حتى ألح عليه ، فقال : لا آخذها
إلا بحدودها . قال : وما حدودها ؟ قال : يا أمير
المؤمنين ، إن حددتها لم تردها . قال : بحق جدك إلا
فعلت ؟ قال : أما الحد الأول فعدن . فتغير وجه الرشيد
وقال : هيه . قال : والحد الثاني سمرقند . فأربد وجهه
. قال : والحد الثالث أفريقية . فاسود وجهه وقال : هيه
. قال : والرابع سيف البحر مما يلي الخزر وأرمينية .
قال الرشيد : فلم يبق لنا شئ فتحول في
مجلسي . قال الكاظم ( ع ) : قد أعلمتك أن إن حددتها لم
تردها . فعند ذلك عزم على قتله ، واستكفى أمره يحيى بن
خالد . . الخ . . ( 1 ) .
أجل ، لقد بقيت الزهراء ( ع
) تلك العابدة الزاهدة ، التي تبيت مع زوجها على جلد
كبش كانا يعلفان عليه الناضح بالنهار ( 2 ) .
ولأجل
ذلك فنحن لا نوافق على ما يقال : من أنها قد خاطبت
عليا بالكلام الذي يتضمن جرأتها عليه ( ع ) بمواجهته
بنوع من التأنيب بأنه : اشتمل شملة الجنين ، وقعد حجرة
الضنين ، إلى أن تقول له فيه : " وهذا ابن أبي قحافة
يبتزني نحلة أبي ، وبلغة ابني ( 3 ) " .
إلا أن يكون
للرواية معنى آخر ، لم تصل إليه أفهامنا ، أو كان ثمة
قرينة لم تصلنا . أو لم يحسن الناس نقل كلامها إلينا .
فنحن مع وجود احتمال من هذا النوع لا نجرؤ على تكذيب
الخبر بصورة قاطعة ، كما ربما يظهر من كلام بعضهم .
المهم هو : أننا لا يمكن أن نتصور الزهراء عليها
السلام تفكر بهذه الطريقة الشخصية الدنيوية ، وهي التي
عوضها رسول الله ( ص ) عن خادم بتسبيح خلده تشريعا إلى
يوم القيامة وعرف باسمها ، أعني
| |
( 1 ) راجع : ربيع الأبرار : ج 1 ص 315 و 316 ، والطرائف : ص
252 ، وراجع : الكافي : ج 1 ص 543 ، والبحار : ج 48 ص
144 .
( 2 ) راجع : تذكرة الخواص ص 308 و 307 ، وطبقات
ابن سعد ج 8 ص 22 و 23 .
( 3 ) البحار : ج 43 ص 148 ح
4 ، عن المناقب : ج 2 / 208 ، وضياء العالمين ( مخطوط
) : ج 2 ق 3 ص 77 . ( * ) |
|
|
" تسبيح الزهراء " .
وأن قسوة الخطاب في
هذا الكلام يعطينا أنها لم تكن تعرف أن عليا ( ع ) كان
مصيبا في كل مواقفه تلك ، مع أن الزهراء هي أعرف الناس
بأن عليا عليه السلام مع الحق والحق معه ، يدور معه
حيث دار ، وأنه لو فعل غير ذلك لطمست معالم الدين .
وإذا كانت هذه الحقيقة تتضح لكل دارس لتاريخ الإسلام ،
فيرد سؤال : كيف أمكننا نحن أن نفهم ذلك بعد ألف وأربعمئة سنة ، لكن الزهراء المعصومة العالمة ، وسيدة
نساء العالمين ، التي كانت القمة في الوعي الديني
والعقيدي والاجتماعي والسياسي ، لم تستطع أن تعرف ذلك
؟ !
إن مواقف الزهراء ( ع ) في حياتها وبعد وفاتها
تكشف لكل أحد عن غزارة علمها ، وع عمق وصائب تفكيرها ،
وعن بالغ دقتها في تصرفاتها ومواقفها المؤثرة .
وخلاصة
الأمر :
أولا : إن الزهراء لا تعتبر ضربها ولا تعتبر
أيضا مسألة فدك مسألة شخصية ، ولم تكن إجابتها القوم
من وراء الباب تصرفا شخصيا ، بل كان دفاعا عن الإمامة
والخلافة ، التي يراد اغتصابها ، وتريد هي منع تشريع
هذا الاغتصاب ، ثم التخلص والتملص من تبعات سلبياته .
ثانيا : إن الإقدام على ما أقدموا عليه في حق الزهراء
( ع ) ، وعلى القول للنبي ( ص ) وهو في مرض موته : إن
النبي ليهجر ، وعلى غير ذلك من أمور من أجل الحصول على
أخطر موقع ، وأشده حساسية ،
وأكثره مساسا بالواقع الإسلامي كله ، إن
ذلك يعطينا : أن من يفعل ذلك غير مؤهل للموقع الذي
يطلبه ، ويعرفنا : أنه لا يمثل النموذج الأمثل ،
والأفضل للحاكم الإسلامي ، ولا تعكس مواقفه أو تصرفاته
، الرؤية الإسلامية الدقيقة في كل المسائل .
إذن
فمسألة الزهراء هي أهم وأخطر المسائل وأشدها مساسا
بالواقع الإسلامي ، ولم تكن ولن تكون مسألة شخصية ،
واعتبارها كذلك ما هو إلا تصغير لشأنها ، وتحريف
وتزوير للحقيقة .
ثالثا : إن مما يشير إلى ذلك : أن
الله سبحانه قد جعل الزهراء ( ع ) معيارا لمعرفة الحق
من الباطل ، والصواب من الخطأ ، وبها يعرف الظالم
والآثم من غيره ، وذلك لأن رسول الله ( ص ) قد قرر
بصورة صريحة : أن الله يغضب لغضبها عليها السلام ،
ويرضى لرضاها ، ومن آذاها فقد آذى النبي ، ومن آذى
النبي فقد آذى الله سبحانه .
فنوع العلاقة بالزهراء
إذن ، تحدد نوع علاقة الإنسان بالله ، وبالرسول ، وبكل
القيم والمثل ، وعلى أساس ذلك يميز الإنسان بين ما
يأخذ وما يدع ، ويتخذ موقفه ، ويحدد نوع علاقته بهذا
الشخص أو بذاك .
على الحاضرين أن ينجدوا الزهراء :
قد
يقول البعض : سلمنا أنه قد كان على الزهراء عليها
السلام أن تتولى هي إجابة القوم ، ولكن : كيف يسمع
الجالسون في داخل البيت كعلي والزبير وغيرهم من بني
هاشم ما يجري عليها ثم لا ينجدونها ، بل
يقعدون ، ويقولون لا حول ولا قوة إلا بالله
؟ !
ونقول :
أولا : من أين ثبت لهذا القائل أنهم لم ينجدوها ؟ ! فإن النجدة لا تعني فتح معركة بالسلاح ،
والدخول في حرب .
ثانيا : هناك نص يفيد أنها هي التي
أنجدت عليا حين أخذوه ، فاعتدوا عليها بالضرب ، يقول
النص : " فحالت فاطمة عليها السلام بين زوجها وبينهم
عند باب البيت ، فضربها قنفذ بالسوط الخ . . . " ، ثم
تذكر الرواية ، كسر ضلعها ، وإسقاط جنينها صلوات الله
وسلامه عليها ( 1 ) .
وثالثا : إذا كان إنجادها يوجب
تفاقم المشكلة إلى درجة كان النبي ( ص ) قد نهى عليا
عليه السلام عن بلوغها ، لما في ذلك من خطر على الدين
، فإن هذا الإنجاد يصبح معصية لأمر رسول ( ص ) ،
وخيانة للدين ، وتفريطا عظيما فيما لا يجوز التفريط به
من مصلحة الأمة ، وعلى الأخص ، إذا كان ذلك يهيئ
الفرصة للمهاجمين لافتعال مشكلة تضيع على الناس
إمكانية معرفة الحق .
وقد كان من واجب علي والزهراء
عليهما السلام - على حد سواء - أن يحفظا للأمة ،
وللأجيال ، حقها في معرفة الحقيقة ، وأن يضيعا على
الآخرين فرصة تشويه الحقائق ، وذلك هو ما فعله علي
عليه السلام بالفعل ، وهو الإمام المعصوم الذي لا يهم
ولا يخطئ .
ورابعا : هناك نص يقول : إن عليا عليه
السلام قد بادر إلى إنجادها ففر المهاجمون ، ولم
يواجهوه ، يقول النص المروي عن عمر ،
| |
( 1 ) الاحتجاج : ج 1 ص 212 . ( * ) |
|
|
والمتضمن كون عمر ركل الباب برجله ، وأصيب
حمل فاطمة : دخل عمر ، وبادرها بضرب خديها من ظاهر
الخمار ف " خرج علي ، فلما أحسست به أسرعت إلى خارج
الدار ، وقلت لخالد ، وقنفذ ومن معهما : نجوت من أمر
عظيم " .
وفي رواية أخرى : قد جنيت جناية عظيمة ، لا
آمن على نفسي . وهذا علي قد برز من البيت ، وما لي
ولكم جميعا به طاقة ، فخرج علي ، وقد ضربت يديها إلى
ناصيتها لتكشف عنها ، وتستغيث بالله العظيم ما نزل بها
الخ ( 1 ) . وستأتي نصوص أخرى عن مصادر أخرى في القسم
المخصص للنصوص إن شاء الله تعالى .
| |
( 1 ) البحار : ج 30 ص 393 و 395 . ( * ) |
|
|
|