|
مأساة الزهراء عليها السلام ج 1 - العلامة
السيد جعفر مرتضى العاملي - ص
308 |
|
لم يدخلوا البيت ، فكيف ضربوا الزهراء ؟
يقول البعض : إن بعض الروايات تقول : إن المهاجمين
لبيت الزهراء ( ع ) لم يدخلوا البيت ، فكيف يصح قول من
يقول : إنهم ضربوها عليها السلام ، وأسقطوا جنينها ،
وغير ذلك ؟ ! .
والجواب :
أولا : إن ما جرى على
الزهراء من مصائب وبلايا ، لا يحتاج إلى دخول البيت ،
فقد تعصر الزهراء بين الباب والحائط ، ثم يضربها
المهاجمون دون أن يدخلوا البيت ، وهذا هو صريح النصوص
التي تحدثت عن هذا الأمر . هذا إذا كان مراده بالدخول
معناه المتبادر منه . ولو اعتذر عنه بأن مراده الهجوم
، فقول القائل . . . وددت أني لم اكشف باب فاطمة . ثم
النصوص الكثيرة الدالة على دخولهم إلى البيت يرد هذا
القول ويدفعه .
وثانيا : لماذا يقتصر هذا البعض على
رواية عدم دخولهم البيت ، مع أنها لم تصرح بعدم الدخول
، بل اكتفت بالسكوت والاكتفاء بذكر جانب مما جرى . ولو
سلمنا صراحة رواية ما بذلك ، فهي معارضة بالروايات
الكثيرة الأصح سندا ، والأكثر عددا ، التي تقول : إنهم
قد دخلوا بيتها ، وانتهكوا حرمته وحرمتها .
وثالثا : إن ضرب الزهراء عليها السلام ،
وإسقاط جنينها ، ليس أمرا عاديا ، بل هو حدث هائل ، لا
يمكن أن يقبله منهم أي مسلم صادق الإيمان .
ولسوف يجهر
بالاعتراض عليهم والتقريع لهم ، إذا لم يكن ثمة خوف من
سيف أو سوط . فليس من مصلحة الحكام ، ولا من مصلحة
محبيهم أن يتناقل الناس هذه الواقعة ، ولا أن يعرفوا
تفاصيلها ، فلم يكونوا يسمحون لأنفسهم ، ولا لغيرهم
بنقلها وتداولها ، بل لقد رأينا البعض يعتبرون نقل هذه
القضية جريمة لها تبعاتها على ناقلها ، وننقل من شواهد
ذلك الموارد التالية :
1 - لا تروه عني : يقول ابن أبي
الحديد المعتزلي : إنه قرأ على شيخه أبي جعفر النقيب
قصة زينب حين روعها هبار بن الأسود ، فقال له أبو جعفر
: " إن كان رسول الله ( ص ) أباح دم هبار ، لأنه روع
زينب ، فألقت ذا بطنها ، فظاهر الحال أنه لو كان حيا
لأباح دم من روع فاطمة حتى ألقت ذا بطنها . فقلت :
أروي عنك ما يقوله قوم : إن فاطمة روعت ، فألقت المحسن
؟ ! فقال : لا تروه عني ، ولا ترو عني بطلانه ، فإني
متوقف في هذا الموضع ، لتعارض الأخبار عندي فيه ( 1 )
" .
| |
( 1 ) شرح نهج البلاغة للمعتزلي
الشافعي : ج 14 ص 193 ، والبحار : ج 28 ص 323 ، وإثبات
الهداة : ج 2 ص 360 و 337 / 338 . ( * )
|
|
|
فأبو جعفر النقيب يتراجع عن موقفه بسرعة
عند توجيه المعتزلي هذا السؤال الحساس إليه ، رغم أنه
كان قد أطلق حكمه بصورة قاطعة في أول الأمر . ولعل سبب
تراجعه أنه رأى أن شيوع هذا الأمر عنه سوف يتسبب له
بمشاكل هو في غني عنها .
2 - أنا لا أقول ، بل علي ( ع
) ! ويشبه هذه الحادثة ، ما ذكروه في مورد آخر يتميز
بحساسيته وخطورته أيضا ، من أن شيخا آخر للمعتزلي قد
تراجع بنفس هذه الطريقة ، ومع المعتزلي نفسه أيضا ،
لكي ينأى بنفسه عن مواجهة مشاكل لا يريد أن يواجهها .
فقد ذكر المعتزلي الشافعي : أن أستاذه ذكر له قول علي
عليه السلام : أن عائشة هي التي أمرت أباها بالصلاة
بالناس في مرض النبي ( ص ) الذي توفي فيه ، قال : "
فقلت له رحمه الله : أفتقول أنت : أن عائشة عينت أباها
للصلاة ، ورسول الله ( ص ) لم يعينه ؟ ! فقال : أما
أنا فلا أقول ذلك ، ولكن عليا كان يقوله ، وتكليفي غير
تكليفه ، كان حاضرا ولم أكن حاضرا ، فأنا محجوج
بالأخبار التي اتصلت بي ، وهي تتضمن تعيين النبي ( ص )
لأبي بكر في الصلاة ، وهو محجوج بما كان قد علمه الخ .
. " ( 1 ) .
| |
( 1 ) شرح النهج للمعتزلي :
ج 9 ص 198 . ( * ) |
|
|
3 - سماع رواية " ضرب فاطمة " أسقطه !
وقالوا عن أحمد بن محمد بن محمد بن السري بن يحيى بن
أبي دارم المحدث : " كان مستقيم الأمر عامة دهره ، ثم
في آخر أيامه كان أكثر ما يقرأ عليه المثالب ، حضرته ،
ورجل يقرأ عليه : " أن عمر رفس فاطمة حتى أسقطت بمحسن
" ( 1 ) . إذن ، فقراءة هذه القضية عليه أخرجته عن
جادة الاستقامة التي لازمها عامة دهره ، وصار ذلك سببا
للطعن عليه ، وجرحه ، وبالتالي إسقاطه عن الاعتبار .
4
- الطعن على النظام : إنهم يعتبرون رواية ما جرى على
فاطمة من أهم الطعون على النظام الذي كان أحد أعاظم
شيوخ المعتزلة ، حتى إن الشهرستاني يقول عنه : " وزاد
في الفرية ، فقال : إن عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة
حتى ألقت الجنين من بطنها ، وكان يصيح : أحرقوا دارها
بمن فيها ، وما كان في الدار غير علي ، وفاطمة ،
والحسن ، والحسين عليهم السلام ( 2 ) " .
| |
( 1 ) ميزان الاعتدال : ج 1 ص 139 ، ولسان الميزان : ج
1 ص 268 ، رقم 824 ، وسير أعلام النبلاء : ج 15 ص 578
.
( 2 ) الملل والنحل : ج 1 ص 57 ، وستأتي إنشاء الله
مصادر أخرى في قسم النصوص . ( * ) |
|
|
وعد البغدادي قول النظام عن عمر : " أنه
ضرب فاطمة ، ومنع ميراث العترة " من ضلالاته . 5 -
تحريف كتاب المعارف : بل إنهم لأجل قضية إسقاط المحسن
، نجدهم لا يتورعون عن تحريف الكتب أيضا ، فقد حرفوا
كتاب " المعارف " لابن قتيبة حسبما ذكره لنا ابن شهرآشوب المتوفى سنة 588 ه ، حيث قال : " . .
وفي
معارف القتيبي : أن محسنا فسد من زخم قنفذ العدوي ( 1
) " .
وقال الكنجي الشافعي المتوفى سنة 685 ه ، عن
الشيخ المفيد : " وزاد على الجمهور ، وقال : إن فاطمة
عليها السلام أسقطت بعد النبي ذكرا ، كان سماه رسول
الله ( ص ) محسنا ، وهذا شئ لم يوجد عند أحد من أهل
النقل إلا عند ابن قتيبة " ( 2 ) .
ويظهر : أنه يقصد
بذلك : نقل ابن قتيبة له في كتاب المعارف ، لا في
الإمامة والسياسة ، وذلك بقرينة كلام ابن شهرآشوب
المتقدم . لكن الموجود في كتاب " المعارف " لابن قتيبة
المطبوع سنة 1353 ه ص 92 هو العبارة التالية : " وأما
محسن بن علي فهلك ، وهو صغير " .
| |
( 1 ) مناقب آل أبي طالب : ج 3 ص 407 ( ط دار الأضواء ) ،
والبحار ج 43 ص 233 .
( 2 ) كفاية الطالب : ص 413 . (
* ) |
|
|
وهكذا في سائر الطبعات المتداولة الآن ،
فلماذا هذا التحريف ، وهذه الخيانة للحقيقة وللتاريخ
يا ترى ؟ ! .
رواية " قنفذ " تعارض إجماع " الشيخ " :
يقول البعض : " إن الشيخ الطوسي ينقل اتفاق الشيعة على
عبارة النظام من أن عمر ضرب بطن فاطمة حتى أسقطت ، في
الوقت الذي جاءت الرواية عن دلائل الإمامة وغيره أن
قنفذا هو الذي قام به " . وهو بذلك يريد أن يقول : إن
هذه المنقولات متناقضة فتسقط عن الاعتبار .
والجواب :
أولا : إن الشيعة قد اتفقوا على الأول ، ولكنهم لم
ينفوا إقدام قنفذ على هذا الأمر أيضا ، فرواية دلائل
الإمامة وغيرها مما سيأتي شطر كبير منه تثبت مشاركته
في هذا الفعل أيضا ، كما أن المغيرة أيضا قد شارك في
ضرب الزهراء حتى أدماها ، كما سيأتي في قسم النصوص
والآثار ، فلا مانع من أن يشارك الجميع في أمر كهذا ،
ويتسببون في الاسقاط ، فيصح نسبته إليهم جميعا ، وإلى
كل واحد منهم أيضا ، لتسببهم به . فهذه النسبة لا تعني
أن كل واحد منهم كان علة مستقلة في الاسقاط .
ثانيا :
لقد أوضحت النصوص كما سترى : أن الهجوم قد تكرر على
بيت فاطمة عليها السلام ، كما أن مبايعات أبي بكر قد
تكررت أيضا ( 1 ) ، وقد حصلت إحدى هذه المرات وهي
محاولة الإحراق ، فيما
| |
( 1 ) الشافي لابن
حمزة : ج 4 ص 188 . ( * ) |
|
|
كان أبو بكر جالسا على المنبر يبايع له ،
ويرى ما يجري ولم ينكر ذلك ، ولم يغيره ، كما ورد في
أمالي المفيد رحمه الله ، وحصول هجومات عديدة نجده في
العديد من الروايات بصورة صريحة حينا ، وهو مقتضى
الجمع بين الروايات ، حيث تلاحظ خصوصيات الأشخاص
والتصرفات التي ميزت كل هجوم حينا آخر .
بل بعض
الروايات تؤكد : أن أبا بكر نفسه كان يصدر الأوامر
بالهجوم ، وقد سبق الهجوم تهديدات بالاحراق ، وجمع
للحطب . ثم أضرمت النار بصورة جزئية ، ثم كسر الباب ،
وضربت الصديقة الطاهرة ، من أكثر من شخص من المهاجمين
، وسقطت إلى الأرض ، ورفسها ذلك الرجل برجله أيضا .
وكل ذلك سيأتي في قسم النصوص الآتي إن شاء الله تعالى
. . وبعض روايات إسقاط المحسن صحيحة السند . كما أن
بعض الروايات المثبتة للضرب وشبهه أيضا صحيحة . وقد
أشار نفس المعترض إلى صحة رواية الطبري في دلائل
الإمامة .
والروايات بمجموعها متواترة عن أهل بيت
العصمة ، فإذا ضم إليها ما سواها من نصوص فإنها تفوق
حد التواتر . مع أن ذكر غير الشيعة لأمر كهذا يعتبر
أمرا ملفتا ، بملاحظة أن ذلك الغير يرغب في تبرئة
الفاعلين من ذلك كله .
وقد ورد هذا الأمر في كلمات كثير من
أعلامهم ، كالجويني ، والكنجي ، والمسعودي ، والنظام ،
وأبي جعفر النقيب أستاذ المعتزلي ، وأحمد بن محمد بن
السري وغيرهم ممن سنذكر كلماتهم في الفصل المخصص لذلك
إن شاء الله تعالى . وصرح بوجود هجومات عديدة ابن حمزة
الزيدي ، وهو يجيب على اعتراض بعضهم بوجود تناقض بين
الروايات . حيث إن واحدة تقول : إن عليا قعد عن البيعة
في بيته ، وفر إليه طلحة والزبير ، ولم يخرجوا من
البيت حتى جاء عمر ، وأراد إحراق البيت عليهم .
وأخرى
تقول : إن أبا بكر خرج إلى المسجد يصلي ، فأمر أبو بكر
خالد بن الوليد بالصلاة إلى جنبه ، ثم قتله حينما ينطق
أبو بكر بالتسليم في صلاته . وثالثة تقول : إنه أتي
بعلي ملببا ، فبايع مكرها . فأجابه ابن حمزة بقوله : "
إن ذلك كان في أوقات مختلفة ، وليس بين ذلك تناقض ،
ولا تدافع ( 1 ) " . وذلك يعني : أن محاولة إحراق
البيت قد كانت في وقت وفي هجوم ، مستقل عن الهجوم الذي
تم فيه إخراج علي ملببا للبيعة . .
| |
( 1 ) الشافي لابن حمزة : ج 4 ص 202 . ( * )
|
|
|
|