|
مأساة الزهراء عليها السلام ج 1 - العلامة
السيد جعفر مرتضى العاملي - ص
316 |
|
لا داعي لمهاجمة الزهراء ( ع ) وعلي ( ع )
موجود
ويقول البعض : سلمنا أنهم دخلوا البيت ، فلماذا
يهاجمون خصوص الزهراء ، ويضربونها ، ويتركون عليا ؟
فإن المفروض هو أن يهاجموه هو في غرفته ، التي يجلس
فيها مع بني هاشم ، فإن البيت ليس عشرة كيلو مترات ،
بل هو عشرة أمتار فقط .
والجواب :
أولا : قد ذكرنا
فيما سبق ، أن : هذا البعض يقول : إن جميع بني هاشم
كانوا مع علي في داخل البيت ، فكيف وسعتهم غرفة صغيرة
بمقدار عشرة أمتار يا ترى ؟ !
ثانيا : إنهم إنما دخلوا
البيت بعد أن فرغوا من مهاجمة الزهراء عند الباب ، ولم
تعد قادرة على التصدي لهم ومنعهم .
ثالثا : كأن هذا
البعض يرى أن بيت الزهراء كان مؤلفا من غرف متعددة ،
أو من دار وغرفة على الأقل . . فكيف أثبت ذلك ، وما هي
النصوص التي اعتمد عليها ؟
رابعا : إن مهاجمتهم لها
عليها السلام ليس لأجل أنهم كانوا يقصدونها لذاتها ،
بل هاجموها لأنها منعتهم من الوصول إلى علي ، وحالت
بينهم وبينه ، وقد صرحت النصوص بذلك ، وبأنها حاولت
منعهم من فتح الباب ، أو تلقتهم على الباب . ونحن نشير
هنا إلى نموذج من كلا الطائفتين :
فمن النصوص التي صرحت بأنها حالت بينهم
وبين علي ( ع ) ، نذكر :
1 - قال الفيض الكاشاني : "
فحالت فاطمة بينهم وبين بعلها ، وقالت : والله لا
أدعكم تجرون ابن عمي ظلما ( 1 )".
2 - وروى المجلسي
عن علي ( ع ) : " فلما أخرجوه حالت فاطمة عليها السلام
بين زوجها وبينهم عند باب البيت ، فضربها قنفذ بالسوط
على عضدها ، فصار بعضدها مثل الدملوج من ضرب قنفذ
إياها ، ودفعها فكسر ضلعا من جنبها ، وألقت جنينا من
بطنها " ( 2 ) .
3 - عن علي عليه السلام : إن سبب
إعفاء قنفذ من إغرام عمر له ، أنه هو الذي ضرب فاطمة
بالسوط حين جاءت لتحول بينه ( ع ) وبينهم ، فماتت
صلوات الله عليها وإن أثر السوط في عضدها مثل الدملج (
3 ) .
ومن النصوص التي صرحت بأنها حاولت منعهم من فتح
الباب ، نذكر :
1 - ما رواه البلاذري وغيره من أن عمر
جاء ومعه قبس ، فتلقته فاطمة على الباب ، فقالت : يا
ابن الخطاب ، أتراك محرقا علي بابي ؟ ! قال : نعم ،
وذلك أقوى فيما جاء به أبوك ( 4 ) .
| |
( 1 ) علم اليقين في أصول الدين
: ص 686 و 687 - الفصل
العشرون .
( 2 ) الاحتجاج : ج 1 ص 212 ، وفاطمة بهجة
قلب المصطفى : ص 529 ، عن
مرآة العقول : ج 5 ص 320 .
(
3 ) كتاب سليم بن قيس : ص 134 .
( 4 ) راجع : المصادر
التالية : البحار : ج 28 ص 389 ، و 411 وهامش ص 268 ،
=> |
|
|
2 - وتقول رواية المفضل : وخروج فاطمة ،
وخطابها لهم من وراء الباب . . . إلى أن تقول : وإدخال
قنفذ يده لعنه الله يروم فتح الباب . . ثم تذكر أن عمر
ركل الباب برجله حتى أصاب بطنها الخ . . " ( 1 ) .
3 -
وفي كتاب سليم بن قيس : " انتهى إلى باب علي ، وفاطمة
قاعدة خلف الباب . . إلى أن قال : فأقبل عمر حتى ضرب
الباب ، ثم نادى : يا ابن أبي طالب ، افتح الباب .
فقالت فاطمة ( ع ) : يا عمر ، ما لنا ولك ، ألا تدعنا
وما نحن فيه ؟ قال : افتحي الباب وإلا أحرقنا عليكم .
. إلى أن قال : فأحرق الباب ، ثم دفعه عمر ، فاستقبلته
فاطمة ، وصاحت : يا أبتاه الخ . . " ( 2 ) .
4 - وعن
عمر : " فركلت الباب ، وقد ألصقت أحشاءها بالباب تترسه
. . إلى أن قال : فدفعت الباب فدخلت ، فأقبلت إلي بوجه
غشى بصري الخ . . ( 3 ) " .
| |
=>
وأنساب
الأشراف : ج 1 ص 586 ، والشافي للسيد المرتضى : ج 3 ص
241 ، والعقد الفريد : ج 4 ص 259 و 260 ، وكنز العمال
: ج 3 ص 149 ، والرياض النضرة : ج 1 ص 167 ، والطرائف
: ص 239 ، وتاريخ الخميس : ج 1 ص 178 ، ونهج الحق : ص
271 ، ونفحات اللاهوت : ص 79 ، وتاريخ أبي الفداء ج 1
ص 156 ، وغيرها مما سيأتي .
( 1 ) البحار : ج 53 ص 14
/ 17 / 19 .
( 2 ) البحار : ج 43 ص 197 و 198 و ج 28 ص
299 ، وكتاب سليم بن قيس ص 250 ، ( ط الأعلمي ) .
( 3
) البحار ( الطبعة الحجرية ) : ج 8 ص 220 / 227 عن
دلائل الإمامة . ( * ) |
|
|
5 - وعن عمر أيضا : " فلما انتهينا إلى
الباب ، فرأتهم فاطمة ( ع ) أغلقت الباب في وجوههم ،
وهي لا تشك أن لا يدخل عليها إلا بإذنها ، فضرب عمر
الباب برجله فكسره - وكان من سعف - ثم دخلوا ( 1 ) " .
6 - وتقول عليها السلام : " وأتوا بالنار ليحرقوه
ويحرقونا ، فوقفت بعضادة الباب ، وناشدتهم بالله الخ .
. ( 2 ) ".
7 - وعن عمر بن الخطاب أيضا : " فضربت
فاطمة يديها من الباب تمنعني من فتحه ، فرمته ، فتصعب
علي ، فضربت كفيها بالسوط فآلمها . . إلى أن قال :
فركلت الباب ، وقد ألصقت أحشاءها بالباب تترسه . . إلى
أن قال : فدفعت الباب ودخلت ، فأقبلت إلي بوجه أغشى
بصري ، فصفقت صفقة على خديها من ظاهر الخمار ، فانقطع
قرطها ، وتناثرت إلى الأرض ، وخرج علي ، فلما أحسست به
أسرعت إلى خارج الدار ، وقلت لخالد ، وقنفذ ، ومن
معهما : نجوت من أمر عظيم . إلى أن قال : وجمعت جمعا
كثيرا ، لا مكاثرة لعلي ، ولكن ليشد بهم قلبي ، وجئت -
وهو محاصر - فاستخرجته من داره الخ . . ( 3 ) " .
ومن جهة ثانية : فإن بعض النصوص تشير إلى أن المهاجمين
كانوا يحاولون الضغط على فاطمة عليها السلام وتخويفها
، حتى لا
| |
( 1 ) تفسير العياشي : ج 2 ص 67
، والبحار : ج 28 ص 227 وراجع :
الاختصاص : ص 185 و
186 ، وتفسير البرهان ج 2 ص 93 .
( 2 ) البحار : ج 30
ص 348 ، عن إرشاد القلوب للديلمي .
( 3 ) البحار : ج
30 ص 293 - 295 . ( * ) |
|
|
تقف حاجزا بينهم وبين علي ومن معه ، بل هم
يريدون منها أن تساعدهم في كسر قرار الممتنعين في
بيتها ، فمن ذلك :
1 - قولهم : إن المهاجمين حين جاؤا
إلى بيتها نادى عمر : " يا فاطمة بنت رسول الله ،
أخرجي من اعتصم ببيتك ليبايع ، ويدخل فيما دخل فيه
المسلمون ، وإلا - والله - أضرمت عليهم نارا ( 1 ) " .
2 - وفي نص آخر ، أنه قال : " يا بنت رسول الله ،
والله ، ما من الخلق أحب إلي من أبيك ومنك ، وأيم الله
، ما ذلك بمانعي إن اجتمع هؤلاء النفر عندك ، أن آمر
بهم أن يحرق عليهم الباب الخ . . ( 2 ) " .
الإرتباك
والتعارض في الروايات :
ويظهر البعض تحيره هنا وهو
يواجه هذا الإرتباك الكثير في الروايات - على حد
تعبيره - ثم هو يقول : " إن أحاديث إحراق البيت
المذكورة في تلخيص الشافي ، والاختصاص ، والأمالي
للمفيد متعارضة ، بين من يذكر فيه التهديد من دون
الإحراق ، وهي كثيرة ، وبين ما يذكر فيه الإحراق " .
| |
( 1 ) الجمل : ص 117 و 118 ( ط جديد )
وراجع : نهج الحق : ص 271 والإمامة والسياسة : ج 1 ص
12 وتاريخ ابن شحنة ( مطبوع بهامش الكامل ) ، ج 7 ص
164 ، وتاريخ أبي الفداء : ج 1 ص 156 ، والعقد الفريد
: ج 4 ص 295 ، وتاريخ اليعقوبي : ج 2 ص 126 .
( 2 )
راجع : منتخب كنز العمال : ( مطبوع بهامش مسند أحمد )
ج 2 ص 174 ، عن ابن أبي شيبة . وراجع أيضا
شرح نهج
البلاغة للمعتزلي الشافعي : ج 2 ص 45 ، عن الجوهري
والمغني للقاضي عبد الجبار : ج 20 قسم 1 ص 335 ،
والشافي للمرتضى : ج 4 ص 110 . ( * )
|
|
|
ونقول في الجواب : لا يوجد أي ارتباك في
الروايات ، وليس ثمة تعارض فيما بينها ، وذلك لما يلي
:
1 - إن أحاديث التهديد بالإحراق لم تنف وقوعه ، وقد
ذكرنا في إجابة سابقة : أن كل واحد ينقل ما يقتضيه
غرضه السياسي ، أو المذهبي ، أو ما تسمح له الظروف
بنقله ، أو بالاطلاع عليه ، لا سيما في تلك الحقبة
القاسية التي كان يجلد فيها الراوي لأجل رواية في فضل
علي ( ع ) ألف سوط ( 1 ) بل كانت تسمية المولود بعلي
كافية لمبادرتهم إلى قتل ذلك المولود ( 2 ) ، وقد
ذكرنا في كتابنا " صراع الحرية في عصر المفيد " ،
أمورا هامة تدخل في هذا المجال فلا بأس بالرجوع إليه
والاطلاع عليها .
والخلاصة : إن النقل يختلف ويتفاوت
بسبب الأغراض والظروف وغيرها . كما أن هذا المنقول
يختلف قلة وكثرة ، وحرارة وبرودة حسب الظروف وحسب
الأشخاص ، وحسب الانتماءات وغير ذلك .
فقد ينقل أحدهم
التهديد بالإحراق .
وآخر ينقل جمع الحطب .
وثالث ينقل الاتيان بقبس من نار .
| |
( 1 ) تاريخ بغداد
: ج 13 ص 387 / 388 ، وسير أعلام النبلاء : ج 11 ص 135
، وتهذيب التهذيب : ج 10 ص 430 .
( 2 ) راجع : الوافي
بالوفيات : ج 21 ص 104 . ( * ) |
|
|
ورابع ينقل إشعال النار بالباب أو بالبيت .
وخامس ينقل كسر الباب . .
وسادس ينقل دخول البيت ،
وكشفه وهتك حرمته .
وسابع ينقل عصر الزهراء بين الباب
والحائط .
وثامن ينقل إسقاط الجنين بسبب الضرب .
وتاسع
ينقل ضرب جنينها ، أو متنها ، أو عضدها حتى صار كالدملج ، أو ضربها على أصابعها لتترك الباب ، ليمكنهم
فتحه .
وعاشر ينقل كسر ضلعها أيضا .
ومن جهة ثانية نجد
: إن هذا ينقل : أن عمر قد ضربها ، وذلك ينقل ضرب
المغيرة بن شعبة لها ، وثالث ينقل ضرب قنفذ و . . فلا تكاذب بين الروايات ، ولا ارتباك فيما بينها ، بل إن
كل واحد ينقل شطرا مما جرى لتعلق غرضه به ، لسبب أو
لآخر ، كمراعاة ظرف سياسي ، أو لحوافز مذهبية أو غيرها
.
وقد علل الشيخ محمد حسن المظفر ذلك بقوله : " لأن
كثير الإطلاع منهم الذي يريد رواية جميع الوقايع لم
يسعه أن يهمل هذه الواقعة بالكلية ، فيروي بعض
مقدماتها لئلا يخل بها من جميع الوجوه ، وليحصل منه
تهوين القضية كما فعلوا في قصة بيعة الغدير وغيرها ( 1
) " .
| |
( 1 ) دلائل الصدق : ج 3 قسم 1 ص
53 . ( * ) |
|
|
2 - إن الذين كتبوا التاريخ ، ودونوا
الحديث كانوا يراعون الأجواء خصوصا السياسية منها ،
حيث كان الحكام وغيرهم يرغبون في التخفيف من حجم ما
فعلوه في حق أهل بيت العصمة والنبوة أمام الناس ، ولو
أمكنهم إنكار الواقعة من الأساس لفعلوا ذلك ، ولأظهروا
أن المهاجمين كانت قلوبهم مملوءة بحب الزهراء ، بل
ذلك هو ما نجده فيما يبذله البعض من محاولات لإظهار حميمية العلاقة بين الزهراء وبين المهاجمين وإنكار ما
يقال من حدوث أي سوء تفاهم في هذا المجال ، فراجع ما
ذكره ابن كثير الحنبلي في بدايته ونهايته وكذلك غيره .
. . ولعل ما سمعناه أخيرا من البعض ، من شدة حبهم لها
قد أخذه من بعض هؤلاء .
وقد بات واضحا : أن نقل حقيقة
ما جرى على الزهراء يستبطن إدانة قوية وحاسمة لها
أثارها في فهم ووعي التاريخ ، وتقييم الأحداث ، وهي
تؤثر على الذين يتصدون لأخطر منصب ومقام ، بالإضافة
إلى ما لها من تأثيرات على مستوى المشاعر والأحاسيس ،
والارتباطات العاطفية والدينية بهذا الفريق أو ذاك ،
فالسماح بنقل ذلك ، والتساهل فيه لم يكن هو الخيار
الأمثل ولا الأولى والأفضل بالنسبة لكثيرين من الناس .
3 - إن حصول الإحراق قد روي من طرق شيعة أهل البيت
بطرق بعضها صحيح ومعتبر . فلا داعي للتقليل من أهمية
هذه الروايات بالقبول عن أحاديث التهديد بالإحراق -
إنها كثيرة - موحيا بعدم اعتبار ما عداها .
وهناك شطر
من النصوص الدالة على وقوع الإحراق أوردناه في الفصل
المخصص لنقل الآثار والنصوص وسيأتي إن شاء الله تعالى
.
4 - إن رواية من يهمهم التخفيف من وقع ما
جرى ، ويهمهم إبعاد من يحبونهم عن أجواء هذا الحدث
المحرج ، بل وتبرئتهم منه إن أمكن . إن روايتهم لوقوع
الإحراق بالفعل يجعلنا نطمئن أكثر إلى صحة ما روي من
طرق شيعة أهل البيت عليهم السلام .
5 - أما بالنسبة
لكتب الشيخ المفيد رحمه الله تعالى ، فقد تحدثنا في
فصل سابق عن نهجه رحمه الله في كتاب الإرشاد ، وأنه
كان يريد في كتابه هذا ، أن يتجنب الأمور الحساسة
والمثيرة ، ولذا أعرض عن الدخول في تفاصيل ما جرى في
السقيفة ، مصرحا بذلك ، وقد كان عصره بالغ الحساسية ،
كما فصلناه في كتابنا : " صراع الحرية في عصر المفيد "
.
أما الأمالي ، فهو كتاب محدود الهدف ، والاتجاه .
ولم يكن بصدد إيراد أحداث تاريخية مستوفاة ، وبصورة
متناسقة .
أما الاختصاص فقد ذكر فيه تفاصيل هامة
وأساسية ينكرها المعترض نفسه ، أو يحاول التشكيك فيها
. على أنك قد عرفت أنه رحمه الله قد أورد في كل من
المزار والمقنعة زيارتها عليها السلام المتضمنة لقوله
: " السلام عليك أيتها الصديقة الشهيدة " أو " السلام
عليك أيتها البتول الشهيدة " .
6 - وأخيرا ، نقول :
إنه إذا كان المقصود ، أن الذين باشروا إحراق البيت
كانوا يريدون أن تحرق النار البيت كله بمن فيه ، ثم لم
يتحقق ذلك لهم ، فيصح أن يقال : أرادوا أن يحرقوا ، أو
هموا بإحراق البيت ، أو ما أشبه ذلك ، فلا تختلف هذه
النصوص عن النصوص التي تقول : إنهم أضرموا النار فيه ،
أو نحو ذلك .
النفي يحتاج إلى دليل : يقول البعض : أنا
لا أنفي قضية كسر الضلع ، ولكنني أقول : التي غير
مقتنع بذلك . وكما أن الإثبات يحتاج إلى دليل ، كذلك
فإن النفي يحتاج إلى دليل .
ثم ذكر أسباب عدم اقتناعه
. ونحن قد ذكرنا هذه الأسباب كلها في هذا الكتاب ،
وأثبتنا عدم صحة الاستناد إليها ، ولكنا نزيد هنا
أمورا على ما تقدم ، وهي :
الأول : سلمنا أنه غير
مقتنع بكسر الضلع ، ولكننا نسأله : هل هو مقتنع بسائر
ما جرى على الزهراء ، من ضرب ، وإسقاط جنين ، وتهديد
بإحراق البيت بمن فيه ، وفيه أولادها وزوجها ، ثم
بإشعال النار بقصد إحراقهم .
فإن كان مقتنعا بكل ذلك ،
ولم يبق عنده شئ مشكوك سوى كسر الضلع فلا ضير في ذلك ،
لأن سائر الأمور تكفي لإثبات اللوازم التي يثبتها
إقدامهم على كسر ضلع الزهراء ولا سيما النصوص التي تنص
على أنها عليها السلام قد ماتت شهيدة صديقة .
الثاني :
ليس ثمة من مشكلة إذا لم يقتنع زيد من الناس بقضية ما
، ولكن المشكلة هي : أن يكون هذا الذي يظهر أنه غير
مقتنع بثبوت شئ يجهد في سبيل إقناع الناس ، بعدمه ،
ويحشد ما يعتبره أدلة وشواهد من كل حدب وصوب ليثبت هذا
العدم ، وذلك تحت شعار وستار عدم الاقتناع .
وقد قال أحدهم لآخر عن صياد كان يذبح طائرا
، وعيناه تدمعان بسبب مرض فيهما : انظر إلى هذا الصياد
ما أرق قلبه ، أنه يبكي على الطائر الذي يذبحه رأفة به
ورحمة له . فقال له رفيقه : لا تنظر إلى دموع عينيه ،
بل انظر إلى فعل يديه . فكيف يقنعنا قول هذا البعض
بأنه لا ينفي كسر الضلع ، وهو يأتي بألف دليل ودليل -
بزعمه - على هذا النفي . وعلى غيره مما ينفي القضية من
أصلها .
الثالث : إن مهمة العالم هي أن يحل المشكلات
التي يواجهها الناس في حياتهم الفكرية والثقافية ،
خصوصا فيما يرتبط بما هو من اختصاصه ، ومن صميم مهماته
، فلا بد أن يحسم أمره ، إما إلى جانب الإثبات بدليل ،
أو إلى جانب النفي بدليل ( 1 ) أو الانسحاب من الإجابة
إلى أن يحزم أمره ، ويتخذ قراره .
وليس من حقه أن يثقف
الناس بمشكوكاته ، التي لم يستطع إنجاز دراستها ، أو
لم يحصل اليقين فيها ، أو لم يعمل هو للحصول على هذا
اليقين ، وإلا فكيف نفسر قوله : سألت السيد شرف الدين
في أوائل الخمسينات أثناء دراستي للموضوع ، ثم يقول في
سنة 1414 ه عثرت أخيرا على نص في البحار يقول كذا . .
.
فهل استمر بحثه أكثر من أربعين سنة حتى أمكنه العثور
أخيرا على هذا النص أو ذاك . وهل يصدق على هذا اسم
البحث ، والدرس ، وهو لم ينظر إلا
| |
( 1 ) لا سيما إذا كان هو الذي يقول : إن النفي أيضا
يحتاج إلى دليل ( * ) |
|
|
إلى كتاب البحار ، وفي هذا الوقت المتأخر
جدا ، وحيث لم يعثر فيه إلا على هذا النص اليتيم . رغم
ما حفل به كتاب البحار من نصوص كثيرة جدا ، كما سيظهر
إن شاء الله تعالى . وإذا كان قد عثر على هذا النص
الذي يريد أن يظهر لنا أنه قد حل له المشكلة ، فلماذا
عاد إلى التشكيك وإلى التساؤل ؟
الرابع : إن الذي يثير
التساؤلات قد يكون إنسانا عاديا غير متعلم ، لم يتخرج
من جامعة ، ولا درس في الحواضر العلمية الدينية ، فله
عذره ، والحال هذه ، وعلى العالم العارف أن يحل له تلك
العقدة ، أو العقد ويجيب على ذلك السؤال أو تلك
الأسئلة . وأما إذا كان الذي يثير تلك الأسئلة هو
العالم المتصدي للإجابة على مسائل الناس ، فإن الناس
يفهمون من عدم إجابته عليها أنه ملتزم بمضمون السؤال ،
وبكل لوازمه وآثاره .
مصادرة الموقف :
هل ثبت عندكم
كسر الضلع ؟ ! وقد نجد البعض إذا سئل عن رأيه في موضوع
الاعتداء على الزهراء وكسر ضلعها ، يبادر هو إلى سؤال
سائله الذي هو إنسان عادي ويقول له : هل كسر الضلع
ثابت عندكم أنتم ؟ ! وما الدليل ؟ !
ونقول :
أولا :
أنه لا يحسن بمن يعتبر نفسه من أهل العلم ، ويعتبر
نفسه مسؤولا عن هداية الناس أن يواجه إنسانا عاديا من
عامة الناس بهذا
السؤال ، إلا إذا كان يقصد إثارة الشبهة في
ذهنه ، لتسهل السيطرة عليه ، وإخضاعه لما يريد بأيسر
طريق .
ثانيا : إن النصوص المثبتة لما جرى على الزهراء
كثيرة ، والكتب المؤلفة في القرون السابقة تطبع
باستمرار ، وتكتشف المخطوطات هنا وهناك ، ونجد فيها
المزيد مما يؤيد ويؤكد هذه القضية .
ولا نريد أن نصر
على هذا الرجل كثيرا بقبول روايات كسر ضلع الزهراء
وجرحها ، واستشهادها عليها السلام ، وإن كانت كثيرة
ومتنوعة ، ولكننا نقدم للقارئ الكريم نموذجا منها هنا
، فنقول :
1 - قال الطبرسي : " فحالت فاطمة عليها
السلام بين زوجها وبينهم عند باب البيت ، فضربها قنفذ
بالسوط . . . إلى أن قال : فأرسل أبو بكر إلى قنفذ
لضربها ، فألجأها إلى عضادة باب بيتها ، فدفعها فكسر
ضلعا من جنبها ، وألقت جنينا من بطنها ( 1 ) " .
وقد
قال الطبرسي في مقدمة كتابه " الاحتجاج " الذي ذكر فيه
هذا الحديث ما يلي : " ولا نأتي في أكثر ما نورده من
الأخبار بإسناده إما لوجود الإجماع عليه ، أو موافقته
لما دلت العقول إليه ، أو لاشتهاره في السير والكتب
بين المخالف والمؤلف ، إلا ما أوردته عن أبي محمد
الحسن العسكري ( ع ) ( 2 ) .
2 - وروى السيد ابن طاووس
رحمه الله نص الزيارة التي يقول فيها : " الممنوعة
إرثها ، المكسورة ضلعها ، المظلوم بعلها ، والمقتول
| |
( 1 ) الاحتجاج : ج 1 ص 212 ، ومرآة العقول
: ج 5 ص 320 . |
( 2 ) الاحتجاج : المقدمة ص 4 . ( * )
|
|
|
ولدها " ( 1 ) .
3 - قد روى الكليني عن
محمد بن يحيى ، عن العمركي بن علي ، عن علي بن جعفر ،
عن أخيه ، عن أبي الحسن ( ع ) قال : إن فاطمة ( ع )
صديقة شهيدة ، وإن بنات الأنبياء لا يطمثن ( 2 ) " .
4
- وروى الصدوق عن علي بن أحمد بن موسى الدقاق ، عن
محمد بن أبي عبد الله الكوفي ، عن موسى بن عمران
النخعي ، عن النوفلي ، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة ،
عن أبيه ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : إن
رسول الله كان جالسا إذ أقبل الحسن عليه السلام . . .
إلى أن قال : " وأما ابنتي فاطمة . . . وإني لما
رأيتها ذكرت ما يصنع بها بعدي ، كأني بها وقد دخل الذل
بيتها ، وانتهكت حرمتها ، وغصب حقها ، ومنعت إرثها ،
وكسر جنبها وأسقطت جنينها الخ . . . ( 3 ) " . ورواه
الديلمي ( 4 ) والجويني أيضا ( 5 ) .
5 - وروى سليم بن
قيس الهلالي ، قال : " فألجأها قنفذ لعنه الله إلى عضادة باب بيتها ودفعها ، فكسر ضلعها من جنبها ، فألقت
جنينا من بطنها ، فلم تزل صاحبه فراش حتى ماتت صلى
الله عليها من ذلك
| |
( 1 ) إقبال الأعمال :
ص 625 ، والبحار : ج 97 ص 200 .
( 2 ) الكافي : ج 1 ص
458 . عوالم العلوم : ج 11 ص 260 .
( 3 ) الأمالي
للصدوق : ص 100 و 101 ، وإرشاد القلوب للديلمي : ص 295
، والبحار : ج 28 ص 37 / 39 و ج 43 ص 172 / 173 ،
والعوالم : ج 11 ص 391 ( الجزء الخاص بالزهراء ) ،
وستأتي مصادر أخرى .
( 4 ) إرشاد القلوب : ج 2 ص 295 .
( 5 ) فرائد السمطين : ج 2 ص 35 . ( * )
|
|
|
شهيدة " ( 1 ) .
6 - وذكر ابن شهر آشوب :
أن ابن قتيبة قال : إنها أسقطت محسنا بسبب زخم قنفذ
العدوي . والزخم هو الجرح .
7 - وقال السيد الحميري
رحمه الله :
ضربت واهتضمت من حقها * وأذيقت بعده طعم
السلع
قطع الله يدي ضاربها * ويد الراضي بذاك المتبع (
2 )
السلع : الشق والجرح . وشعر السيد الحميري يدل على
شيوع هذا الأمر في عهد الإمام الصادق عليه السلام ،
وذيوعه ، حتى لتذكره الشعراء ، وتندد به ، وتزري به
على من فعله .
8 - وقد ذكر الإمام الحسن أن المغيرة قد
ضرب الزهراء حتى أدماها .
9 - ونجد الشيعة في عهد الصدوق رحمه الله ،
يصرون على زيارتها عليها السلام بالزيارة التي تضمنت :
أنها صديقة شهيدة . وسيأتي في هذا الكتاب نصوص ذلك ،
وكذا النصوص الدالة على استشهادها عليها السلام .
وثانيا : إذا لم يثبت كسر الضلع ، فإن ذلك لا
يعني نفي هذا الأمر من الأساس ، ولا يصح منع قراء
العزاء من ذكره ، ما دام أن المؤرخين قد رووه ، وحدثوا
به .
| |
( 1 ) كتاب سليم ،
بتحقيق محمد باقر الأنصاري : ج 2 ص 588 . |
( 2 )
الصراط
المستقيم : ج 3 ص 13 . ( * ) |
|
|
ثالثا : هل يجب توفر سند صحيح لكل قضية
تاريخية ؟ !
وكم هو عدد القضايا التي ثبتت كذلك ؟
وهل
ثبوت أية قضية تاريخية يتوقف على وجود سند صحيح وفق
المصطلح الرجالي ؟ ! .
ولماذا يطلب السند الصحيح في
خصوص هذه القضية ، مع أن نفس هذا المتسائل يقول : إننا
لا نحتاج إلى السند الصحيح في إثبات القضايا ، ويكفي
الوثوق بصدورها ، بل هو يكتفي بعدم وجود داع إلى الكذب
لصحة الأخذ بالرواية ، ولو من كتب غير الشيعة الإمامية
، مع أنه يحاول إثارة الشبهات حول روايات أهل البيت (
عليهم السلام ) بالتأكيد المستمر على وجود المكذوب
والموضوع فيها ، دون أن يشير إلى جهود العلماء في
تمييز الصحيح والمعتبر عن غيره . . .
وخلاصة الأمر :
إنه لا يمكن بملاحظة كل ما ذكرناه تكذيب هذا الأمر ما
دام أن القرائن متوفرة على أنهم قد هاجموها ، وضربوها
، وأسقطوا جنينها : وصرحت النصوص بموتها شهيدة أيضا ،
الأمر الذي يجعل من كسر الضلع أمرا معقولا ومقبولا في
نفسه ، فكيف إذا جاءت روايته في كتب الشيعة والسنة ،
بل وأشار إليه الشعراء أيضا ، ولا سيما المتقدمون منهم
.
رابعا : لو فرضنا أن كسر الضلع لم يثبت ، فلماذا
يجعل ذلك ذريعة للتشكيك في ثبوت ضربهم للزهراء عليها
السلام ، وإسقاط جنينها ، وانتهاك حرمة بيتها ، مع أن
ذلك مما أجمعت عليه طائفة الشيعة الإمامية ، واستفاضت
به رواياتهم ، بل تواترت ، ورواه الكثيرون من مؤرخي
ومحدثي باقي الفرق الإسلامية .
أم أن البحث الموضوعي يقتضي التركيز على
أمر ، ظن ذلك البعض أنه النقطة الأضعف فأراد التشكيك
بها ليسهل التشكيك بما سواها ، بأسلوب إطلاق الحكم
الكلي ، والحديث بالعمومات والمبهمات ، حيث لا يلتفت
الناس إلى التفاصيل ، وبذلك يكون قد تمكن من نسف
الثوابت والقطعيات ، وما أجمع عليه علماء المذهب ،
ورووه متواترا ومستفيضا ، بل رواه غيرهم ممن لا يسعدهم
ثبوت ذلك لما فيه من إزراء على من يحبونهم ويتولونهم .
سقوط المحسن لحالة طبيعية طارئة !
ثم إن البعض يزداد
جرأة ، إلى درجة أنه يقول : إن سقوط الجنين " محسن "
يمكن أن يكون قد حصل في حالة طبيعية طارئة ! ولم يكن
نتيجة اعتداء ؟ !
والجواب : لقد دلت النصوص الكثيرة ،
بل المتواترة وأجمع الشيعة على سقوط المحسن بسبب
الاعتداء على الزهراء كما قاله الشيخ الطوسي رحمه الله
، بل لقد روى ذلك وأشار إليه كثيرون من أتباع وأنصار
المهاجمين أنفسهم ، ممن لا يسعدهم حتى توهم نسبة ذلك
إلى من يحبونهم من المهاجمين - ومع هذا كله - فلماذا
الإصرار من هذا البعض على تبرئة المهاجمين من هذا
الأمر وكيف نجيز لأنفسنا أن نكون ملكيين أكثر من الملك
نفسه ؟ ! .
وهل هناك مبرر علمي لهذا الإصرار ، بعد أن
كان من يصر على ذلك يقول : إن النفي يحتاج إلى دليل ،
كما هو الإثبات ؟ !
إن هناك دليلا قاطعا للعذر قائما على
الإثبات ، فهل نرفضه ؟ ونصر على النفي بلا دليل أصلا ؟
! .
ملاحظة : والملفت للنظر هنا : أن بعضا آخر قد
تجاوز ذلك إلى إنكار أصل وجود ابن لفاطمة ( ع ) اسمه "
محسن " . وبعض آخر سكت عن الإشارة إليه بسلب أو بإيجاب
، وكأنه يريد أن يوحي بسكوته هذا بأنه لا وجود لطفل
بهذا الاسم ينسب للزهراء عليها السلام .
لكن البعض
الآخر حين رأى أن إنكار هذا الأمر غير ممكن ، ولم
يستطع أن يعترف بما ارتكبوه في حقه ، وحق أمه ، تخلص
من ذلك بدعوى أنه " مات صغيرا " فلم يصرح بإنكار
إسقاطه ، لكنه المح إلى ذلك الإنكار حين قال : " مات
صغيرا " .
وفريق رابع قد ذكر هذا الطفل ، وذكر كونه
سقطا ، ولكن سكت عن ذكر حقيقة ما جرى .
وهناك الفريق
الذي صرح بالحقيقة المرة وأفصح عنها ، وقد أوردنا جملة
من أقوال هؤلاء الفرقاء في قسم النصوص ، فلتراجع ثمة .
ولم يكن في مصلحة الذين ظلموا وآذوا ، وضربوا ،
وأسقطوا جنين الزهراء أن يشاع ذلك عنهم ويذاع ، لأنه
سيهز صورتهم ، وربما يهز أيضا مواقعهم على المدى
الطويل ، فكان لا بد لهم من طمس الحقيقة ، وتزوير
التاريخ ، وفرض هيمنة قاسية ومريرة على الإعلام ، ولا
بد من كم الأفواه بكل وسيلة ممكنة .
ولم يصل إلينا إلا ما أفلت من براثنهم حيث
حمله إلينا فدائيون حقيقيون تاجروا مع الله سبحانه
بدمائهم ، وبكل غال ونفيس ، تماما كما أفلت إلينا من
براثن المستكبرين الحاقدين الكثير الطيب ، بل بحر زاخر
من فضائل ومواقف وجهاد علي عليه السلام ، حتى حديث
الغدير ، وحديث الثقلين وحديث أهل بيتي كسفينة نوح
وحديث المنزلة ، - لقد أفلت ذلك كله - من براثنهم رغم
كل الجراح ، ورغم كل الدماء النازفة ورغم كل الآلام .
لقد أفلت إلينا مثخنا بالجراح ، غارقا بالدماء ، مرهقا
بالآلام . . ليجسد لنا بعمق وبصدق حقيقة اللطف
والرعاية الإلهية للأمة وللأجيال ، ولهذا الدين .
فإن
كل دعوة حاربها الحكام ما لبثت أن تلاشت واندثرت إلا
دعوة الحق ، فإنها قد استمرت واحتفظت بأصالتها ،
وبمعالمها رغم مرور مئات السنين على هذه الحرب الساحقة
الضروس ، رغم أنها تتحدى الحكام في أساس حاكميتهم ،
وفي شرعيتهم ، إذ أن عقيدتها بالإمام هي رفض للشرعية ،
واتهام للحكام بالغاصبية وبالظلم ، وبمحاربة تعاليم
الله ورسوله ( ص ) وأدل دليل على ذلك كله وعلى إرادة
التبرير والتزوير والتجني وعلى اللطف الإلهي بحفظ الحق
هو كل ما يرتبط بمقام علي ( ع ) وبمظلومية الزهراء ( ع
) التي قدمها رسول الله ( ص ) على أنها المعيار للحق
وللباطل ، وهذا ما جعل دورها عليها السلام بعد وفاته (
ص ) مؤثرا وفاعلا ، حاسما وقويا ، عرف به الصحيح من
السقيم والمحرف والمزيف ، من السليم والقويم .
|