|
- مأساة الزهراء عليها السلام ج 2 - السيد جعفر
مرتضى ص 229 : |
|
تمهيد :
الدعوى ومبرراتها :
يدعي البعض :
أنه لم يكن لبيوت المدينة المنورة حين ظهور الإسلام
أبواب ذات مصاريع ، تفتح وتغلق عند الحاجة ، حسبما
نعرفه ونألفه ، وإنما كانوا يسترون بيوتهم بالستائر من
مسوح الشعر ، أو غيرها ( 1 ) .
ولعل الدكتور جواد علي
، يقترب من هذا المعنى حين نجده يقول : " . . كانت
بيوت أزواج النبي من اللبن ، ولها حجر من جريد ، مطرورة بالطين ، وعلى أبوابها مسوح الشعر ( 2 ) .
وهذه
كانت صفة معظم بيوت أهل يثرب والمدينة ، ما عدا بيوت
الأثرياء . . ( 3 ) " .
ولعلهم قد فهموا ذلك مما نقل
عن محمد بن هلال ، حين قال :
| |
( 1 ) نقل ذلك عن الدكتور سهيل زكار ، والمسوح هي الكساء من
الشعر .
( 2 ) طبقات ابن سعد : ج 1 ص 499 فما بعدها .
( 3 ) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام : ج 8 ص 31 .
( * ) |
|
|
" أدركت بيوت أزواج النبي ( ص ) كانت من
جريد ، مستورة بمسوح الشعر ، مستطيرة في القبلة ،
والمشرق ، والشام ، وليس في غربي المسجد منها شئ ( 1 )
" .
وعن عطاء الخراساني : " . . أدركت حجرات أزواج
رسول الله ( ص ) من جريد ، على أبوابها المسوح من شعر
أسود ( 2 ) .
وكذا قال عمران بن أبي أنس ( 3 ) .
فلعلهم قد استنتجوا من ذلك أن هذه الصفة لم تكن مختصة
بحجرات أزواج النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بل هي
صفة أبواب المدينة كلها ، أو باستثناء الأغنياء منهم .
المناقشة والرد :
والظاهر بطلان ذلك للأمور التالية :
الأول : إن كلام محمد بن هلال ، وعطاء الخراساني ،
وغيرهما لا يدل على مطلوبهم ; لأن وجود المسوح على
حجرات أزواج النبي ( ص ) ، لا يعني أنها لم تكن لها
أبواب من خشب عرعر ، أو ساج ، أو من جذوع ، أو من سعف
النخل ، وذلك لأمرين :
أولهما : أن المقصود بالعبارات
المنقولة عن محمد بن هلال ، وعن عطاء ، وغيرهما : أن
سطوح تلك البيوت والحجر كانت عبارة
| |
( 1 ) وفاء الوفاء : ج 2 ص 459 و 460 ، وراجع ص 540 . ( 2 )
وفاء الوفاء ، ج 2 ص 461 . ( 3 ) المصدر السابق . |
|
|
عن مسوح من شعر ، تستر من بداخلها من حر
الشمس ، وغيره . ويدل على ذلك : قول الحسن البصري : "
. . كنت أدخل بيوت رسول الله ( ص ) وأنا غلام مراهق ،
وأنال السقف بيدي ، وكان لكل بيت حجرة ، وكانت حجره من
أكسية من شعر ، مربوط في خشب عرعر ( 1 ) " .
فقد وصف
أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بيوت آل النبي في عهده
صلى الله عليه وآله وسلم ، فكان مما قاله : " . . ونحن
أهل بيت محمد ( ص ) لا سقوف لبيوتنا ، ولا أبواب ، ولا ستور إلا الجرائد ( 2 ) ، وما أشبهها . ولا وطاء لنا ،
ولا دثار علينا يتداول الثوب الواحد في الصلاة أكثرنا
، ونطوي الليالي والأيام عامتنا ، وربما أتانا الشئ
مما أفاء الله علينا ، وصيره خاصة لنا دون غيرنا ،
ونحن على ما وصفت من حالنا ; فيؤثر به رسول الله أرباب
النعم والأموال ، تألفا منه لهم . . ( 3 ) " .
فأمير المؤمنين إذن يصف حالة الفقر المدقع الذي كان
يعاني منه أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ويذكر إيثار
رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حتى أهل النعم
والأموال بما يتوفر لديه منها ، مع ملاحظة : أن أبواب
أهل البيت ( عليهم السلام ) بيوتهم كانت من جريد النخل
الذي هو أصل السعفة بعد جرد الخوص عنها ، أما غيرهم (
عليهم السلام ) فكان لبيوتهم ستائر ، وكانت أبوابها من
غير جريد النخل
| |
( 1 ) وفاء الوفاء : ج 2
ص 541 ، وراجع ص 463 .
( 2 ) الجريد : الذي يجرد عنه
الخوص ولا يسمى جريدا ما دام عليه الخوص . وإنما يسمى
سعفا . وراجع لسان العرب ج 2 ص 237 . وصحاح اللغة
للجوهري .
( 3 ) البحار : ج 38 ص 175 ، والخصال ج 2 ص
373 و 374 . ( * ) |
|
|
أيضا ، ومنها الأخشاب لا مجرد ستائر ومسوح
كما يدعون . ثانيهما : النصوص الدالة على أن الأبواب
الخشبية والمصاريع كانت تجعل عليها ستور أيضا وستأتي
هذه النصوص .
وقد كانت أبواب حجر أزواج رسول الله (
صلى الله عليه وآله وسلم ) تفتح إلى المسجد ، الذي
يتواجد الناس فيه في مختلف الأوقات ، ويتواجد فيه أهل
الصفة أيضا . ولا يمكن حبس النساء فيه في حجراتهن شتاء
وصيفا - والبلاد حارة - من دون أن يصل إليهن بعض
النسيم الضروري ، فإذا فتح الباب ، وبقي الساتر المرخى
عليه ، فإن ذلك سيسمح بتسرب بعض النسيم إلى داخل
الحجرات المذكورة ، مع بقاء من في داخل الحجرة مستورا
عن أعين الناظرين .
الثاني : مما يدل على بطلان قولهم
: إننا نسأل : من الذي قال : إن ما أدركه محمد بن هلال
وعطاء ، من صفة الحجر هو نفسه الذي كان موجودا في زمن
رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟ ! فقد مر دهر
على تلك الحجرات ، وتعرضت للبيع والشراء ، ولغير ذلك .
فلعل الأبواب قد استبدلت ، أو اقتلعت ، أو ما إلى ذلك
! !
الثالث : إن نفس محمد بن هلال قد ذكر في معرض
حديثه عن الحجر الشريفة . ما يدل على وجود أبواب ذات مصاريع ، واحد أو أكثر ، فقد قال في تتمة كلامه الذي
نقلناه عنه فيما سبق : " . . . وكان باب عائشة مواجه
الشام ، وكان بمصراع واحد ، من عرعر أو ساج ( 1 ) " .
ويحدثنا أبو فديك عن محمد بن هلال ، فيقول :
| |
( 1 ) وفاء الوفاء : ج 2 ص 542 و 460 . ( * ) |
|
|
" . . . فسألته عن بيت عائشة ، فقال : كان
بابه من جهة الشام . قلت : مصراعا كان أو مصراعين ؟ !
قال : كان باب واحد . قلت : من أي شئ كان ؟ . قال : من
عرعر أو ساج . . ( 1 ) " .
قال السمهودي : " وهذا
مستند ابن عساكر في قوله : وباب البيت شامي . ولم يكن
على الباب غلق مدة حياة عائشة ( 2 ) " .
وقال ابن
النجار : " . . كان لبيت عائشة مصراع واحد من عرعر أو
ساج ( 3 ) " .
والعرعر هو شجر السرو . والساج شجر يعظم
جدا ، وخشبه أسود ، وزين ، لا تكاد الأرض تبليه ،
ومنبته بلاد الهند فقط ( 4 ) .
ونضيف هنا : أن رسول
الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) هو الذي بنى الحجر
لنسائه ، في منازل كانت لحارثة بن النعمان ( 5 ) .
فهل
يعقل أن يكون ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قد خصص
عائشة بباب من ساج أو عرعر وترك سائر نسائه ؟ ! مع
الإلفات إلى أن السؤال والجواب قد كانا عن خصوص
| |
( 1 ) راجع : وفاء الوفاء : ج 2 ص 459 و 460
و 542 .
( 2 ) وفاء الوفاء : ج 2 ص 542 .
( 3 ) وفاء
الوفاء : ج 2 ص 458 و 540 . |
( 4 ) راجع : أقرب الموارد
: ج 1 ص 554 و ج 2 ص 262
( 5 ) راجع : وفاء الوفاء :
ج 2 ص 462 و 463 . ( * )
|
|
|
بيتها ، وعدم التعرض لسائر الأبواب ، إنما
كان لعدم تعلق غرض السائل بمعرفة مواصفات أبوابها ;
وأنها كانت بمصراع واحد أو بمصراعين ، أو كانت من عرعر
أو ساج أو غير ذلك . .
خلاصة ما ذكرناه :
إذن ، فلا
يدل قول ابن هلال ، وعطاء ، وغيرهما على عدم وجود مصاريع لأبواب حجر أزواج النبي ( صلى الله عليه وآله
وسلم ) ، فضلا عن أن يدل على عدم وجود أبواب لبيوت
المدينة في زمنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .
فإن
كان ثمة دليل آخر يدل على ذلك ، فليذكره الذاكرون
وليتمسك به المتمسكون ، لننظر فيه ، ونحكم له أو عليه
، فالدليل هو الحكم والفيصل . ولن نقنع بما دونه من
دعاوى عريضة ، أو استعراضات خاوية ، من أي جهة صدرت .
التمهيد لما يأتي :
ونحن بدورنا نستعرض في الفصول
التالية طائفة من النصوص التي هي غيض من فيض ، تدل
بالصراحة أو بالظهور على وجود مصاريع لأبواب تفتح
وتغلق ، وتقرع وتطرق ، ولها رتاج ومفاتيح ، وما إلى
ذلك . وجميع ما ذكرناه إنما يتحدث عن خصوص أبواب بيوت
المدينة في عهد الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ،
بالإضافة إلى طائفة مما يدل على ذلك في عهد الخلفاء
كما أننا لم نهمل ذكر طائفة تتحدث عن مثل ذلك بالنسبة
للكعبة أعزها الله ولبيوت مكة في تلك
الفترة بالذات أي في عهد الرسول الأعظم (
صلى الله عليه وآله وسلم ) .
فإلي ما يلي من فصول ،
حوت العشرات من النصوص التي ترتقي بالناظر فيها إلى
درجة القطع واليقين لتجاوزها حد التواتر مما لا يبقى
عذرا لمعتذر ، ولا حيلة لمتطلب حيلة . .
|