يكتظ التراث الإسلامي بكثير من النماذج المتطرفة على مستوى
الفقهاء والتيارات والأفراد ، وقد صدرت الكثير من الكتابات على مستوى الماضي
والحاضر التي تدعم حالة التطرف وتزكيها وتزيد من هوة الفرقة والخلاف بين
المسلمين وتزرع الطائفية والعداوة بين أبناء الوطن الواحد . .
ومن باب إتمام الفائدة سوف نعرض في دائرة هذا الملحق لنماذج من هذه الكتابات
التي ترتبط أغلبها بتيار الحنابلة القديم والمعاصر المتمثل في المذهب الوهابي
والجماعات الإسلامية المختلفة التي تربت ورضعت من هذا التيار . .
ومن نماذج هذه الكتابات التي سوف نعرض لها هنا :
أصول أهل السنة والجماعة للأشعري . .
الأحكام السلطانية للقاضي أبي يعلى . .
الحكم الجديرة بالإذاعة لابن رجب الحنبلي . .
العواصم من القواصم لأبي بكر بن العربي . .
تطهير الاعتقاد عن أدران الشرك والإلحاد للصنعاني .
مختارات من أحكام العصاة لأئمة السلف ، منشور أزهري .
الحسام الماحق لكل مشرك منافق للهلالي . .
تحذير المسلمين عن الابتداع والبدع في الدين .
- أصول أهل السنة والجماعة /
وهو مدفع شملت قذائفه جميع التيارات والاتجاهات المخالفة للخط السائد الذي فرض
على الأمة من قبل الحكام والفقهاء الذين ساندوهم تحالفوا معهم .
ذلك الخط الذي فرض صورة محددة للدين تقوم على أساس الروايات وأقوال الرجال لا
على أساس كتاب الله والنصوص الصريحة . . وقد بدأت معالم هذا الخط في البروز على
يد معاوية وتم تقنينه على يد العباسيين والسلجوقيين والأيوبيين والمماليك من
بعدهم .
وعرف هذا الخط بمسمى أهل السنة الذي حمل رايته الحنابلة بداية من عصر المتوكل
العباسي ، والأشعري من بعدهم بداية من العصر السلجوقي التركي . .
ويمكن تحديد قذائف هذا المدفع فيما يلي :
* اعتبار صفات الله الواردة في القرآن صفات حقيقية لا مجازية
. .
* السمع والطاعة لأولى الأمر برهم وفاجرهم سواء تولوا أمر
المسلمين برضاهم أو بالغلبة عليهم وتحريم الخروج عليهم . .
* تحريم ذكر الصحابة بسوء أو المساس بهم وأن يظن بهم أحسن
الظن وأحسن المذاهب . .
* أن ما كان بين الصحابة من خلاف في الأمور الدينية لا يسقط
حقوقهم . .
* لا يجوز لأحد أن يخرج عن أقاويل السلف فيما اجتمعوا عليه .
وعما اختلفوا فيه أو في تأويله لأن الحق لا يجوز أن يخرج عن أقاويلهم . .
* ذم سائر أهل البدع والتبري منهم وترك الاختلاط بهم . .
* وجوب الدعاء لأئمة المسلمين . .
ويظهر لنا من خلال هذه القذائف الثقيلة الحارقة أن البقاء لخط أهل السنة الذي
يفرض على الأمة العيش بعقل الماضي والالتزام بعقيدة السلف وأقوال الرجال
وموالاة الحكام الفجار والالتزام بطاعتهم .
وبقاء أهل السنة يعني فناء الاتجاهات والتيارات الأخرى وهو ما كان واقعا في ظل
الدولة الأموية والعباسية والسلجوقية الأيوبية والمملوكية والعثمانية ، وهو ما
يسعى التيار الوهابي الحنبلي إلى تحقيقه اليوم بدعم القوى النفطية . .
ومكن الخطورة في هذه القذائف التي يحملها هذا المدفع في كونها
تحولت إلى عقائد يقاس الحق والباطل على أساسها فمن التزم بها كان في دائرة الحق
ومن خالفها كان في دائرة الباطل وأصبح هناك مبرر لاستحلال ماله ودمه ، وهو ما
وقع في كثير من فترات التاريخ . .
- العواصم من القواصم / وهذا المدفع صنع خصيصا
لتبرير الانحرافات والمصادمات التي وقعت بين الصحابة بعد وفاة الرسول ( ص ) ،
فهو يهدف إلى التأكيد على أن هذه الأحداث لا تنقص من قدر أحد منهم وما هي إلا
اجتهادات يثابون عليها
، ومن اعتقد غير هذا فهو على غير سبيل المسلمين والمقصود أن
من طعن في عثمان أو معاوية أو ولده يزيد مثلا فهو ضال زائغ . كذلك من مال إلى
الإمام علي وانحراف عن الآخرين من الصحابة . وقد اعتبر صاحب هذا المدفع أن هذا
الطعن والميل يعتبر قاصمة . . واعتبار أن الجميع مجتهد ومثاب وإحسان الظن فيهم
يعتبر عاصمة . .
وبهذا يكون صاحب هذا المدفع قد عمل على تقويم أحداث التاريخ وتسطيح حركته مما
يؤدي إلى افتقاد القدرة على تمييز الحق من الباطل واستلهام العبر والدلالات من
خلال حركته وأحداثه ، وهو أمر مناف للعقل والفطرة وسننية الكون .
أن مثل هذا الكتاب إنما يهدف إلى الحجر على العقول وفرض الوصاية السلفية على
الأمة كي لا تنحرف على الخط المرسوم من قبل الحكام وفقهاء السلطة . .
وصاحب الكتاب بعد أن أبلى بلاءا سيئا لم يكن موفقا فيه قد حشد العشرات من
التبريرات الواهية والتأويلات الفاسدة التي يدافع بها عن الانحرافات التي وقعت
بعد وفاة الرسول ( ص ) والتي تصطدم بروح الشرع والنصوص الصريحة ، وفي الحقيقة
هو في هذا كله لا يدافع عن الدين بل يدافع عن الرجال والحكام . .
يقول في ختام كتابه مطلقا قذيفة قاتلة على المخالفين :
إنما ذكرت لكم هذا - أي للمسلمين - لتحترزوا من الخلق وخاصة من المفسرين
والمؤرخين وأهل الآداب فإنهم أهل جهالة بحرمات الدين أو على بدعة مصرين . .
فإذا صنتم أسماعكم وأبصاركم عن مطالعة الباطل ولم تسمعوا في خليفة ممن ينسب
إليه ما لا يليق ويذكر عنه ما لا يجوز نقله كنتم على منهج السلف سائرين وعن
سبيل الباطل ناكبين . .
- الأحكام السلطانية / ومن خلال
هذا المدفع الحنبلي المسلط على الحكام والجماهير يحدد القاضي أبي يعلى شروط
ومواصفات الحاكم والولايات .
معلنا رضاه الكامل عن الطغاة والجبارين من الحكام من بني أمية
وبني العباسي وغيرهم ، ومعلنا غضبه وسخطه ومنزلا لعناته على المأمون والمعتصم
والواثق ليس لشئ إلا سيرا على نهج الحنابلة وإمامهم أحمد بن حنبل الذين غضبوا
على هؤلاء الحكام الثلاثة بسبب موقفهم من ابن حنبل ورواياته وعقائده ومواقف
وممارسات الحنابلة بشكل عام . .
ويروي في كتابه عن ابن حنبل قوله عن المأمون :
كان لا مأمون ، وأي بلاء كان أكبر من الذي كان أحدث عدو الله وعدو الإسلام -
المأمون - من إماتة السنة .
وكان المأمون ومن بعده المعتصم والواثق قد تصدوا للحنابلة ورواياتهم وعقائدهم
الباطلة مما أدى إلى انحسار موجتهم وحماية المجتمع من فتنهم ومواقفهم المتطرفة
. ولو كان الحكام قد ساروا على نهجهم من بعد لكان الحنابلة الآن في ذمة التاريخ
لكنها السياسة والمصالح والأهواء التي دفع المجتمع والناس ثمنها ولا زالوا
يدفعون . .
ولنعرض بعد هذه المقدمة لقذائف هذا المدفع :
* لا يجوز أن تقوم المرأة بأمر الولايات ، أي الوزارات
والقضاء وشتى المسؤوليات الكبرى في الدولة . .
* جواز قتل المرتد رجلا كان أو امرأة .
* جواز أن يلي أمر المسلمين الفاجر والفاسق وصاحب العاهة . .
* جواز الجهاد والحج وإيتاء الزكاة للحكام الفجار والصلاة
ورائهم . .
* جواز قتل تارك الصلاة ويصير بتركها كافرا . .
* جواز قتل تارك الصوم في رمضان . .
* جواز قتل مانع الزكاة وقتاله وإن قتل كان كافرا
* عدم قبول شهادة تارك الحج بلا عذر . .
* جواز تحطيم الخمارات وأدوات الملاهي وإحراقها . .
* لا يجوز لأصحاب الديانات الأخرى تعليه أبنيتهم على أبينة
المسلمين ، ويجب عليهم تغيير هيئتهم عن هيئة المسلمين . . - الحكم الجديرة
بالإذاعة من قول النبي ( ص ) بعثت بالسيف بين يدي الساعة / وهذا المدفع كما هو
واضح شديد الخطورة وشديد العشق للدماء ولا مجال عنده للحوار والاعتدال ،
أما قذائفه فتتمثل فيما يلي :
* أن الإسلام جاء بالسيف . .
* أن السيف هو شعار الإسلام حتى قيام الساعة . .
* أن الإسلام جاء بستة سيوف : سيف على المشركين حتى يسلموا أو
يأسروا . . وسيف على المنافقين وهو سيف الزنادقة . . وسيف على أهل الكتاب حتى
يعطوا الجزية . . وسيف على أهل البغي من المسلمين . . وسيف على أهل الردة . .
وسيف على أهل البدع . .
* أهل التوحيد والطاعة لله - الجماعات - أحق بالمال من أهل
الكفر . .
* أهل الأهواء والبدع كلهم مفترون على الله . .
* عقوبة المبتدع أغلط من عقوبة العاصي . .
* من تشبه بقوم فهو منهم . .
وهذا الكتاب من أوله إلى آخره إنما يقوم على أساس
رواية منسوبة للرسول ( ص ) قامت على أساسها أحكام وتصورات ومفاهيم شديدة التطرف
في مواجهة المخالفين من المسلمين وأصحاب الديانات الأخرى . .
لقد أظهرت هذه الرواية أن الإسلام دين السيف والدماء لا دين العقل والحوار وهو
بهذه الصورة بدا وكأن الله سبحانه بعثه وبالا على البشر ونقمة عليهم لا رحمة
مهداة لهم .
والحق أن هذه الصورة المتطرفة عن
الإسلام تتنافى مع نصوص القرآن وأقل ما يقال فيها أنها من اختراع الرواة
والفقهاء الذين باركوا هذه الروايات وعلى رأسهم فقهاء الحنابلة . . .
ومثل هذه الصورة المنفرة عن الإسلام إنما تزيد من
ثبات أصحاب الديانات الأخرى على موقفهم ، كما تزيد من إرهاب المسلمين وتخويفهم
من أحكام الدين وعزلهم عنه وهذه النتيجة الخطيرة لا تعني هؤلاء الفقهاء في شئ
فأصحاب الديانات الأخرى في منظورهم هم مشركون يجب أن يعمل السيف فيهم .
والمسلمون المخالفون هم زنادقة لأنهم لا يتبعون
هذه الروايات ولا يسيرون على نهج السلف ويلتزموا بعقل الماضي ، ويجب أن يعمل
السيف فيهم أيضا . . إن الخروج عن دائرة روايات والسلف يعني في منظور الفقهاء
التشبه بالمشركين لأنهم هم المسلمين ومن لم يتشبه بهم فقد خرج من الإسلام .
- فتاوى أزهرية / تمكن التيار
الحنبلي من اختراق المؤسسة الأزهرية واستثمار رموزها ، ويظهر لنا هذا بوضوح من
كم الفتاوى التي صدرت عن دار الافتاء المصرية وتلقفتها الجماعات الوهابية
المتطرفة وتحصنت بها . .
وقد قامت جماعة أنصار السنة المحمدية ذات النهج الوهابي السعودي بنشر هذه
الفتاوى الأزهرية المتطرفة مؤخرا كهدية مجانية على مجلة التوحيد الناطقة بلسان
الجماعة . .
وليست هذه الفتاوى سوى مدافع شديدة الطلقات مصوبة
نحو المسلمين وقد ألحقت أضرارا فادحة بعقولهم و واقعهم . . وعلى رأس هذه
الفتاوى فتوى تتعلق بالأضرحة والدفن في المساجد و الموالد والنذور وهي فتوى
موجهة ضد التيار الصوفي الذي يتبنى هذه القضايا ، تقول بتحريم مثل هذه الأمور
واعتبارها صورة من صور الشرك والضلال . .
لقد تبنى التيار الحنبلي هذه القضايا وحمل رايتها
دون بقية المذاهب والاتجاهات الإسلامية الأخرى وتمكن بدعم الحركة الوهابية
وأموال النفط من فرض هذه القضايا على واقع المسلمين والمؤسسات والجماعات
الإسلامية وجعلها مدار جهادهم
وتصوراتهم . . وثاني هذه الفتاوى فتوى تتعلق بتحريم التعامل
مع البنوك ووجوب إجبار الزوجة على ارتداء الحجاب وتحريم الصور والتصوير وتحريم
الموسيقى وتحريم التأمين على الحياة والتأمين ضد الحريق ، وتحريم ذهاب المرأة
إلى مصفف الشعر ، وعدم جواز خوضها ميدان العمل السياسي ودخول الانتخابات . .
وفتوى توجب إطلاق اللحية وتحريم حلقها . .
ومثل هذه الفتاوى التي تقوم على أساس الروايات
وعقل الماضي إنما تسهم في تخلف الأمة وتجميد مسيرتها . وقد رفعت رايتها
الجماعات الإسلامية اليوم وبنت على أساسها مواقفها وتصوراتها المتطرفة تجاه
الواقع والمخالفين . .
كيف للأزهر وهو مؤسسة حكومية أن يتبنى مثل هذه القضايا المتطرفة التي تهدد أمن
المجتمع . وفي الوقت نفسه يعلن الحرب على التطرف والمتطرفين ؟
- أحكام العصاة : وهذه المدافع
من إصدار الأزهر وهو مشتق عن مدفع قديم لابن القيم الجوزية وجعل هدية مجانية
على مجلة الأزهر .
أما قذائف هذا المدافع فهي :
* القول قد يكون كفرا . .
* أن مباني الإسلام الخمسة المأمور بها - الشهادتين والصلاة
والصوم والزكاة والحج - وإن كان ضرر تركها لا يتعدى صاحبها ، فإنه يقتل بتركها
في الجملة عند جماهير الفقهاء ويكفر أيضا عند كثير منهم أو أكثر السلف ، وأما
فعل المنهى عنه
الذي لا يتعدى ضرره صاحبه فإنه لا يقتل به عند أحد الأئمة ولا
يكفر به إلا إذا ناقض الإيمان ، لفوات الإيمان وكونه مرتدا أو زنديقا ، وذلك أن
من الأئمة من يقتله ويكفره بترك كل واحدة من الخمس لأنه الإسلام بني عليها .
وهو قول طائفة من السلف ورواية عن أحمد بن حنبل اختارها بعض أصحابه ومنهم من لا
يقتله ولا يكفره إلا بترك الصلاة الزكاة وهي رواية أخرى عن أن حنبل ، ومنهم من
يقتله بهما ويكفره بالصلاة والزكاة إذا قاتل الإمام عليها كرواية عن ابن
حنبل ، ومنهم من يقتله بهما ولا يكفره إلا بالصلاة ، ومنهم من
يقتله بهما ولا يكفره ، ومنهم من لا يقتله إلا بالصلاة ولا يكفره ، وتكفير تارك
الصلاة هو المشهور المأثور عن جمهور السلف . .
* من خالف السنة فيما أتت به أو شرعته فهو مبتدع خارج عن السنة . .
* أصل البدعة تكذيب الأحاديث الواردة في كتب السنن . .
* عامة البدع من التأويل والقياس والرأي . .
ونتيجة هذه القذائف التي تبناها الأزهر وأسهم في
إطلاقها على الجماهير هي تقنين التطرف وتبريره وإضفاء المشروعية عليه . . وكأن
الأزهر بتبنيه مثل هذا الطرح قد خلع ثوب العقل والاعتدال واحترام الرأي الآخر
وارتدى ثوب الجمود والتطرف والاستبداد أو ثوب النفط . .
- الحسام الملحق لكل مشرك منافق
. . وهذا المنشور كما يظهر من عنوانه يعد من المدافع الثقيلة التي صوبها صاحب
المنشور إلى المخالفين لنهجه الوهابي بهدف إبادتهم والقضاء عليهم باعتبارهم من
المشركين المنافقين المستباحين . .
وهؤلاء المنافقين المشركين الذين صوب نحوهم مدفعه هم طائفة من
المسلمين ليس لها من ذنب سوى أنها رفعت شعار العقل في مواجهة الروايات .
واعتبر صاحب هذا المدفع أن مثل هذا العمل هو تجرأ
على الله تعالى ، إذ أن إنكار الروايات الواردة في البخاري ومسلم يعد في نظره
صورة من صور التعدي على الله سبحانه تدفع بصاحبها إلى دائرة الشرك والنفاق . .
وجميع الاجتهادات والآراء التي تخالف خط السلف الحنابلة اعتبرت في نظر صاحب هذا
المدفع كما هو حالها في نظر الحنابلة جميعا
- بدعه ، وكل بدعه ضلالة ، وكل ضلالة في النار .
ومثل هذا الطرح إنما يبر لفقهاء الخلف وأنصارهم من الجماعات مقاومة البدعة
والتنكيل بأصحابها ، وهذا يعني التنكيل بجميع المسلمين الذين يخالفونهم ، إذ أن
جميع ما هو خارج دائرة الطرح الحنبلي يعد بدعة يجب مقاومتها والقضاء عليها وعلى
أصحابها . .
فالملابس بدعة . . وعمل المرأة بدعة . . والموسيقى بدعة . .
وسائر الفنون بدعة . . والعمل السياسي بدعة . . وحرية الرأي بدعة . . والتصوير
بدعة . .
ومعنى هذا أن النتيجة هي مقاومة العصر والعيش
بعقل الماضي وهو ما يريده صاحب الحسام الماحق وأمثاله من الحنابلة الذين شهروا
مدافعهم في وجه المسلمين وأفسحوا الطريق أمام أعداء الإسلام . .
وهذا المدفع الحنبلي الثقيل موجه لطائفة محددة من طوائف
المسلمين وهي طائفة الصوفية ومحاولة إلباسها ثوب الشوك والإلحاد على أساس
المعتقدات الحنبلية تجاه قضية القبور والنذور والاحتفالات الدينية تلك
المعتقدات التي تقوم على أساس روايات منسوبة للرسول ( ص ) وفتاوى ارتبطت بفقهاء
الحنابلة أكثر من ارتباطها بأية مذاهب أخرى . .
وصاحب هذا المدفع يعيش بعقل الماضي ويسعى إلى
تأكيد ذلك المفهوم الحنبلي القديم الذي يربط بين الطقوس والممارسات التي ارتبطت
بالأصنام في الجاهلية وبين الطقوس والممارسات التي تقوم حول أضرحة الأولياء
اليوم ، بل يتجاوز هذا ليؤكد أن هذه القبور والأضرحة هي نفس أصنام الأمس ، وأن
الذين يرتبطون بهذه الأضرحة يعتقدون فيها الضر والنفع كما كان حال المشركون مع
الأصنام من قبل .
يقول في كتابه : أن من اعتقد في شجرة أو حجر أو
قبر أو ملك أو حتى حي أو ميت أنه ينفع أو يضر أو أنه يقرب إلى الله أو يشفع
عنده في حاجة من حوائج الدنيا بمجرد التشفع به والتوسل إلى الرب تعالى - إلا ما
ورد حديث فيه مقال حق عن
نبينا محمد ( ص ) أو نحو ذلك - فإنه قد أشرك مع الله غيره
واعتقد ما لا يحل اعتقاده كما اعتقد المشركون في الأوثان فضلا عمن ينذر بماله
وولده لميت أو حي ، أو يطلب من ذلك ما لا يطلب إلا من الله تعالى من الحاجات من
عافية مريضة أو
قدوم غائبة أو نيله لأي مطلب من المطالب ، فإن هذا هو الشرك
بعينه الذي كان عليه عباد الأصنام ، والنذور بالمال على الميت ونحوه والنحر على
القبر والتوسل به وطلب الحاجات منه هو بعينه الذي كانت تفعله الجاهلية ، وإنما
يفعلونه لما يسمونه وثنا وصنما ، فعله القبوريون لما يسمونه وليا وقبرا ومشهدا
. .
ومثل هذه الأفكار المتطرفة التي تصف بعض طوائف
المسلمين بالشرك والإلحاد وتعمل على إخراجها من دائرة الإسلام باجتهادات فردية
تقوم على أساس رواية منسوبة للرسول ( ص ) - أو فتوى سلفية - إنما تسعى لتأكيد
الفرقة بين المسلمين وتوطين الأفكار التكفيرية التي تهدد أمن المجتمع واستقراره
. .
تحذير المسلمين عن الابتداع والبدع في
الدين / وهذا الكتاب يعد من مدافع فقهاء الوهابية وقد سلط على المسلمين
في عنف معلنا في صراحة ووضوح رفضه القاطع لكل الاتجاهات المخالفة ، رافضا بشدة
فكرة تقسيم البدعة إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة ، فالبدعة في نظره كل لا يتجزأ
ومثل هذا الموقف من شأنه أن يعمق قضية التطرف ويزيد من حدتها .
إذا أن هذا يعني الوقوف في وجه العصر وكل ما هو جديد . كما يعني في نفس الوقت
قتل الاجتهاد وتشييعه إلى مثواه الأخير ومناهضة العقل والرأي والعمل على
إجهاضهما .
مثل هذا الموقف يعني توسيع دائرة المصادمة مع
الواقع وبدلا من كونها كانت تنحصر في دائرة قضايا ومفاهيم تصطدم بالروايات ونهج
السلف اتسعت لتشمل كل ما هو جديد من آراء واجتهادات في قضايا ومفاهيم لا تتعلق
بشئ من نصوص
الدين أو جوهرة بل تركت لإعمال العقل فيها أو هي عرف من
الأعراف السائدة التي لا تضر في شئ أو هي صورة من صور الترويح عن النفس التي
تمارس على ساحة المجتمع وتدخل البهجة والسرور في قلوب الناس ، كل ذلك ومثله يجب
محوه وإزالته وتدميره في منظور فقهاء الوهابية حنابلة العصر . .
ولقد تجاوز صاحب هذا المدفع حدود البدع التي سلط مدفعه عليها وأطلق قذائفه على
منكري الروايات الذين ينادون بإعمال العقل في كل ما هو منسوب للرسول ( ص )
مصدرا حكمه القاطع فيهم بالكفر والضلال . .
يقول : وهذه الفرقة أخطر على المسلمين من اليهود ومن النصارى لأنهم باسم
الإسلام وباسم القرآن ينشرون كفرهم ، ومن الثابت شرعا وعقلا أن من أنكر سنة
رسول الله ( ص ) فقد كفر بالله العظيم ، فيجب على الحكام والعلماء المسلمين أن
يجاهدون هذه الفرقة في تنشيط العلماء في مواجهة هؤلاء الكفرة
وطبع السنن والردود ، فوالله إن جهادهم لا يقل عن جهاد الكفار لأن أولئك قد
أعلنوا كفرهم لا يغتر بهم إلا القليل .
أما هؤلاء فيغتر بهم كثيرون ممن يدرس الكتاب والسنة ولم يتعمق .
ومن الواضح أن هذا الكلام الشديد التطرف لا سند له سوى الروايات وإجماع فقهاء
الحنابلة ، وما هو بأمر ثابت شرعا وعقلا كما يدعي صاحبنا ، فليس من الشرع ومن
العقل تبني مثل هذه الخرافات والأحكام والمفاهيم التي تصطدم بالقرآن والتي جاءت
بها كثير من الروايات المنسوبة للرسول ( ص ) . .