اختر اللون المناسب لأرضية الصفحة

 - مدافع الفقهاء - المستبصر : صالح الورداني - ص 167 -

فتوى أخرى

 

- ص 5 -

ما يقول السادة العلماء أعانهم الله على إظهار الحق المبين وإخماد الكفار والمنافقين في الكنائس التي بالقاهرة وغيرها التي أغلقت بأمر ولاة الأمور إذا ادعى الذمة أنها أغلقت ظلما وأنهم يستحقون فتحها وطلبوا ذلك من ولي الأمر ، فهل تقبل

دعواهم وهل تجب إجابتهم أم لا ، وإذ قالوا إن هذه الكنائس كانت قديمة من زمن عمر بن الخطاب وغيره من خلفاء المسلمين وإن إغلاقها مخالف لحكم الخلفاء الراشدين فهل هذا القول مقبول منهم أم مردود ؟


وإذا ذهب أهل الذمة إلى من يقدم من بلاد العرب من رسول أو غيره فسألوا أن يسأل ولي الأمر في فتحها أو كاتبوا ملوك الحرب ليطلبوا ذلك من ولي أمر المسلمين فهل لأهل الذمة ذلك وهل ينتقض عهدهم بهذا أم لا ؟


وإذا قال قائل : إنهم إن لم يجابوا إلى ذلك حصل للمسلمين ضرر إما بالعدوان على من عندهم من الأسرى والمساجد ، وإما بقطع متاجرهم عن ديار الإسلام وإما بترك معاونتهم لو لي أمر المسلمين على ما يعتمده من مصالح المسلمين ونحو ذلك ،

فهل هذا القول صواب أو خطأ بينوا ذلك مبسوطا مشروحا وإذا كان في فتحها تغيير قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وتغيير قلوب أهل الصلاح والدين وعموم الجند والمسلمين على ولاة الأمور لأجل إظهار شعائر الكفر وظهور

عزهم وفرحهم وسرورهم بما يظهرونه وقت فتح الكنائس من الشموع والجموع والأفراح وغير ذلك ، وهذا فيه تغير قلوب المسلمين من الصالحين وغيرهم حتى إنهم يدعون الله تعالى على من تسبب في ذلك وأعان عليه فهل لأحد أن يشير على ولي

الأمر بذلك ، ومن أشار عليه بذلك هل يكون ناصحا لو لي المسلمين أم غاشا ، وأي الطرق هو الأفضل لو لي الأمر ؟


هذا نص السؤال فأجاب عنه ابن تيمية بما نصه : " الحمد لله رب العالمين أما دعواهم أن المسلمين ظلموهم في إغلاقها فهذا كذب مخالف لأهل العلم فإن علماء المسلمين من أهل المذاهب الأربعة مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد و غيرهم

والأوزاعي والليث بن سعد وغيرهم ومن قبلهم من الصحابة والتابعين متفقون على أن الإمام لو هدم كل كنيسة بأرض العنوة كأرض مصر والسودان بالعراق وبر الشام ونحو ذلك مجتهدا في ذلك ومتبعا في ذلك لمن يرى ذلك لم يكن ذلك ظلما منه بل

تجب طاعته في ذلك وإن امتنعوا عن حكم المسلمين لهم كنوا ناقصين العهد وحلت بذلك دماؤهم وأموالهم " . وأما قولهم : إن هذه الكنائس من عهد عمر بن الخطاب ، وأن الخلفاء الراشدين أقروهم عليها فهذا أيضا من الكذب فإن من المعلوم المتواتر أن القاهرة بنيت بعد عمر بن الخطاب

- ص 170 -

بثلاثمائة سنة بنيت بعد بغداد وبعد البصرة والكوفة وواسط وقد اتفق المسلمون على أن ما بناه المسلمون من المدائن لم يكن لأهل الذمة أن يحدثوا فيه كنيسة مثل ما فتحه المسلمون صلحا وأبقوا لهم كنائسهم القديمة بعد أن شرط عليهم فيها عمر بن

الخطاب أن لا يحدثوا كنيسة في أرض الصلح فكيف في بلاد المسلمين بل إذا كان لهم كنيسة بأرض العنوة كالعراق ومصر ونحو ذلك فبنى المسلمون مدينة عليها فإن لهم أخذ تلك الكنيسة لئلا تترك في مدائن المسلمين كنيسة بعد عهد فإن في سنن

أبي داود بإسناد جيد عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "لا تصلح قبلتان بأرض ولا جزية على مسلم " والمدينة التي يسكنها المسلمون والقرية التي يسكنها المسلمون وفيها مساجد المسلمين لا يجوز أن يظهر فيها

شئ من شعائر الكفر لا كنائس ولا غيرها إلا أن يكون لهم عهد فيوفى لهم بعهدهم ، فلو كان بأرض القاهرة ونحوها كنيسة قبل بنائها لكان للمسلمين أخذها لأن الأرض عنوة فكيف وهذه الكنائس محدثة أحدثها النصارى . وقد كان في بر مصر كنائس

قديمة لكن تلك الكنائس أقرهم المسلمون عليها حين فتحوا البلاد لأن الفلاحين كلهم كانوا نصارى ولم يكونوا مسلمين وإنما كان المسلمون الجند خاصة وأقروهم كما أقر النبي صلى الله عليه وسلم اليهود على خيبر لما فتحها لأن اليهود كانوا فلاحين وكان

المسلمون مشتغلين بالجهاد . ثم إنه بعد هذا في خلافة عمر بن الخطاب لما كثر المسلمون واستغنوا عن اليهود أجلاهم عن خيبر كما أمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال " أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب " حتى لم يبق في

خيبر يهودي وهكذا القرية التي يكون أهلها نصارى وليس عندهم مسلمون ولا مسجد للمسلمين فإذا أقرهم المسلمون على كنائسهم التي فيها جاز ذلك كما فعله المسلمون ، وأما إذا سكنها المسلمون وبنوا بها مساجدهم فقد قال النبي صلى الله عليه

وسلم " لا تصلح قبلتان بأرض " وفي أثر آخر " لا يجتمع بيت رحمة وبيت عذاب " والمسلمون قد كثروا بالديار المصرية وعمرت في هذه الأوقات حتى صار أهلها بقدر ما كانوا في زمان صلاح الدين مرات متعددة . وإنما قويت شوكة النصارى

والتتار بعد موت العادل أخي صلاح الدين حتى إن بعض الملوك أعطاهم بعض مدائن المسلمين وحدث حوادث بسبب التفريط فيما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم فإن الله تعالى يقول " ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الدين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور "
 

- ص 171 -

فكان ولاة الأمور الذين يهدمون كنائسهم ويقيمون أمر الله فيهم كعمر ابن عبد العزيز وهارون الرشيد ونحو هما مؤيدين منصورين وكان الذين هم بخلاف ذلك مغلوبين مقهورين . وكل من عرف سير الناس وملوكهم رأى كل من كان أنصر لدين

الإسلام وأعظم جهاد لأعدائه وأقوم بطاعة الله ورسوله أعظم نصرة وطاعة وحرمة من عهد عمر بن الخطاب إلى هذا الزمان وقد أخذ المسلمون منهم كنائس كثيرة من أرض العنوة بعد أن أقروا عليها في خلافة عمر بن عبد العزيز وغيره من الخلفاء

وليس في المسلمين من أنكر ذلك فعلم أن هدم كنائس العنوة جائز إذا لم يكن فيه ضرر على المسلمين فأعرض من أعرض عنهم كان لقلة المسلمين ونحو ذلك من الأسباب كما أعرض النبي صلى الله عليه وسلم عن إجلاء اليهود حتى أجلاهم عمر

بن الخطاب. وليس لأحد من أهل الذمة أن يكاتبوا أهل دينهم من أهال الحرب ولا يخبروهم بشئ من أخبار المسلمين ولا يطلب من رسولهم أن يكلف ولي أمر المسلمين ما فيه ضرر على المسلمين ومن فعل ذلك منهم وجبت عقوبته باتفاق المسلمين

وفي أحد القولين يكون قد نقض عهده وحل دمه وماله . ومن قال إن المسلمين يحصل لهم ضرر إن لم يجابوا إلى ذلك لم يكن عارفا بحقيقة الحال فإن المسلمين قد فتحوا ساحل الشام وكان ذلك أعظم المصائب عليهم أخذ أموالهم وهدم كنائسهم ومع هذا

لم يدخل على المسلمين بذلك إلا كل خير فإن المسلمين مستغنون عنهم وهم إلى ما في بلاد المسلمين أحوج من المسلمين إلى ما في بلادهم بل مصلحة دينهم ودنياهم . فأما الأندلس فهم لا يتركون المسلمين في بلادهم إلا لحاجتهم إليهم وخوفهم من التتار

فإن المسلمين عند التتار أعز من النصارى و أكرم ولو قدر أنهم قادرون على من عندهم من المسلمين فالمسلمون أقدر على من عندهم من النصارى والنصارى الذين في ذمة المسلمين فيهم من البتاركة وغيرهم من علماء النصارى ورهبانهم وليس عند

النصارى مسلم يحتاج إليه المسلمون ولله الحمد مع أن فكاك الأسارى من أعظم الواجبات ، وبذل المال الموقوف وغيره في ذلك من أعظم القربات وكلم مسلم يعلم أنهم يتجرون إلى بلاد المسلمين إلا لأغراضهم لا لنفع المسلمين ، ولو منعهم ملوكهم

من ذلك لكان حرصهم على المال يمنعهم من الطاعة فإنهم أرغب الناس في المال ولهذا يتقامرون في الكنائس وهم طوائف مختلفون وكل طائفة تضاد الأخرى ولا يشير على ولي أمر المسلمين بما فيه إظهار شعائرهم في بلاد الإسلام أو تقوية أمرهم بوجه

- ص 172 -

من الوجوه إلا رجل منافق يظهر الإسلام وهو منهم في الباطن أو رجل له غرض فاسد أو رجل جاهل في غاية الجهل لا يعرف السياسة الشرعية الإلهية تنصر سلطان المسلمين على أعدائه وأعداء الدين وإلا فمن كان عارفا ناصحا له أشار عليه

بما يوجب نصره وثباته وتأييده واجتماع قلوب المسلمين عليه وفتحهم له ودعاء الناس له في مشارق الأرض ومغاربها وهذا كله إنما يكون بإعزاز دين الله وإظهار كلمة الله وإذلال أعداء الله تعالى . وليعتبر المعتبر بسيرة نور الدين وصلاح الدين ثم

العادل كيف مكنهم الله وأيدهم وفتح لهم البلاد وأذل لهم الأعداء لما قاموا من ذلك بما قاموا به ، وليعتبر بسيرة من والى النصارى كيف أذله الله تعالى وكبته وليس المسلمون محتاجين إليهم ولله الحمد فقد كتب خالد ابن الوليد إلى عمر يقول إن

بالشام كاتبا نصرانيا لا يقوم خراج الشام إلا به . فكتب إليه لا تستعمله . فكتب إنه لا غنى بنا عنه . فكتب إليه عمر : لا تستعمله " فكتب إليه : إذ لم نوله ضاع المال . فكتب إليه عمر " مات النصراني والسلام " . وثبت في الصحيح عن النبي

صلى الله عليه وسلم أن مشركا لحقه ليقاتل معه فقال له " إني لا أستعين بمشرك "وكما أن الجند المجاهدين إنما يصلحون إذا كانوا مسلمين مؤمنين وفي المسلمين كفاية في جميع مصالحهم ولله الحمد . ودخل أبو موسى الأشعري على عمر بن الخطاب

فعرض عليه حساب العراق فأعجبه ذلك فقال " ادع كاتبك يقرؤه فقال : إنه لا يدخل المسجد قال " ولم " قال " لأنه نصراني " فضربه عمر بالدرة فلو أصابته لأوجعته ثم قال : لا تعزوهم بعد أن أذلهم الله ولا تأمنوهم بعد أن خونهم الله ، ولا تصدقوهم

بعد أن أكذبهم الله " والمسلمون في مشارق الأرض ومغاربها قلوبهم واحدة موالية لله ورسوله ولعبادة المؤمنين معادية لأعداء الله ورسوله ، وأعداء الدين وقلوبهم الصادقة وأدعيتهم الصالحة هن العسكر الذي لا يغلب والجند الذي لا يخذل فإنهم الطائفة

المنصورة إلى يوم القيامة كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الله تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

* هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) .


فقد عرف أهل الخبرة أن أهل الذمة من اليهود والنصارى والمنافقين يكاتبون أهل دينهم بأخبار المسلمين وبما يطلعون على ذلك من أسرارهم حتى أخذ جماعة من المسلمين في بلاد
 

- ص 173 -

التتر وسبي وغير ذلك بمطالعة أهل الذمة لأهل دينهم ومن الأبيات المشهورة قول بعضهم : كل العداوات قد ترجى مودتها إلا عداوة من عاداك في الدين ولهذا وغيره منعوا أن يكونوا على ولاية المسلمين أو على مصلحة من يقويهم أو يفضل عليهم في

الخبرة والأمانة من المسلمين من هو دونهم في الكفاية أنفع للمسلمين في دينهم ودنياهم والقليل من الحلال يبارك فيه والحرام الكثير يذهب ويمحقه الله تعالى والله أعلم . . ثم ذكر الشروط العمرية لأهل الذمة التي من ضمنها أن لا يتخذوا من مدائن

الإسلام ديرا ولا كنيسة ولا قلاية ولا صومعة لراهب ولا يجددوا ما خرب منها " وقال " فمن خرج عن شرط من هذه الشروط فقد حل للمسلمين منهم ما حل من أهل المعاندة والشقاق وليتقدم حاكم المسلمين بطلب من يكون من أكابر النصارى ويلزمهم بهذه الشروط العمرية أعز الله أنصارها آمين . " ا . ه‍ ( 2 )

 

  * هامش *  
  ( 2 ) مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية . ( * )  

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب