اختر اللون المناسب لأرضية الصفحة

 - مدافع الفقهاء - المستبصر : صالح الورداني - ص 175 -

رسالة أسد بن موسى إلى أسد بن الفرات

 

- ص 177 -

يا أخي أن ما حملني على الكتابة إليك إلا ذكر أهل بلدك من صالح ما أعطاك الله من إنصافك الناس ، وحسن حالك مما ظهرت من السنة ، وعيبك لأهل البدع وكثرة ذكرك لهم وطعنك عليهم فقمعهم الله بك وشد بك ظهر أهل السنة وقواك عليهم ،

بإظهار عيبهم والطعن عليهم فأذلهم الله بيدك وصاروا ببدعتهم مستترين ، فأبشر يا أخي بثواب ذلك واعتد به من أفضل حسناتك من الصلاة والصيام والحج والجهاد ، وأين تقع هذه الأعمال من إقامة كتاب الله تعالى وإحياء سنة رسول الله ( ص )

وقد قال رسول الله ( ص ) من أحيى شيئا من سنتي كنت أنا وهو في الجنة كهاتين وضم بين إصبعيه . . وقال : أيما داع دعى إلى هدى فاتبع عليه كان له مثل آخر من اتبعه إلى يوم القيامة . .


وذكر أيضا أن لله عند كل بدعة كيد بها الإسلام وليا يذب عنها وينطق بعلامتها . فاغتنم يا أخي هذا الفضل وكن من أهله فإن النبي ( ص ) قال : لمعاذ حين بعثه إلى اليمن وأوصاه لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خيرا لك من كذا وكذا وأعظم القول فيه.

فاغتنم ذلك وادع إلى السنة حتى يكون لك في ذلك ألفة وجماعة يقومون مقامك أن حتى بك حدث فيكونون أئمة بعدك فيكون لك ثواب ذلك إلى يوم القيامة ، كما جاء في الأثر فاعمل على بصيرة ونية وحسبة ، فيرد الله بك المبتدع المفتون الزائغ

الحائر فتكون خلفا من نبيك ( ص ) فإنك لن تلق الله بعمل يشبه . . وإياك إن يكون لك من أهل البدع أخ أو جليس أو صاحب فإنه جاء في الأثر ( من جالس صاحب بدعة نزعت منه العصمة ووكل إلى نفسه ، ومن مشى إلى صاحب بدعة مشى في

هدم الإسلام ) وجاء ما من إله يعبد من دون الله أبغض إلى الله من صاحب هوى . وقد وقعت اللعنة من رسول الله ( ص ) على أهل البدع وأن الله لا يقبل منهم صرفا ولا عدلا ولا فريضة ولا تطوعا وكلما زادوا اجتهادا أو صوما وصلاة ، ازدادوا

من الله بعدا فارفض مجالسهم وأذلهم وأبعدهم كما أبعدهم الله وأذلهم رسول الله ( ص ) وأئمة الهدى بعده . واعلم رحمك الله : أن كلامه وما يأتي من كلام أمثاله من السلف في معادات أهل البدع والضلالة ضلالة لا تخرج عن الملة .
 

- ص 178 -

لكنهم شددوا في ذلك وحذروا منه لأمرين :

الأول غلظ البدعة في الدين في نفسها فهي عندهم أجل من الكبائر ، ويعاملون أهلها بأغلظ مما يعاملون أهل الكبائر كما تجد في قلوب الناس اليوم أن الرافضي عندهم ولو كان عالما عابدا أبغض وأشد ذنبا من السني المجاهر بالكبائر .


الأمر الثاني ، أن البدع تجر إلى الردة الصريحة كما وجد من كثير من أهل البدع . فمثال البدعة التي شددوا فيها مثل تشديد النبي ( ص ) فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح خوفا مما وقع من الشرك الصريح الذي يصير به المسلم مرتدا .

فمن فهم هذا فهم الفرق بين البدع وبين ما نحن فيه من الكلام في الردة ومجاهدة أهلها ، أو النفاق الأكبر ومجاهدة أهله وهذا هو الذي نزلت فيه الآيات المحكمات .

ومثل قوله تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ) الآية .


وقوله تعالى ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ  ) الآية .


وقال ابن وضاح في كتاب البدع والحوادث بعد حديث ذكره أنه سيقع في هذه الأمة فتنة الكفر وفتنة الضلالة . قال : إن فتنة الكفر هي الردة يحل فيها السبي والأموال . وفتنة الضلالة لا يحل فيها السبي والأموال ، ولعله وهذا الذي نحن فيه فتنة ضلالة لا يحل فيها السبي ولا الأموال .


وقال : أيضا أخبرنا أسد أخبرنا رجل عن ابن المبارك قال ابن مسعود أن لله عند كل بدعة كيد بها الإسلام وليا من أوليائه يذب عنه وينطق بعلامتها : فاغتنموا حضور تلك المواطن وتوكلوا على الله وكفى بالله وكيلا .


ثم ذكر بإسناده عن بعض السلف قال لأن أرد رجلا عن رأي سيئ أحب إلي من اعتكاف شهر . أخبرنا أسد عن أبي إسحاق عن الأوزاعي قال كان بعض أهل العلم يقولون لا يقبل الله من ذي بدعة صلاة ولا صدقة ، ولا صياما ، ولا جهادا ، ولا حجا ، ولا صرفا ، ولا عدلا ، وكانت أسلافكم تشتد عليهم ألسنتهم وتشمئز منهم قلوبهم ويحذرون الناس بدعتهم .
 

- ص 179 -

قال : ولو كانوا مستترين ببدعتهم دون الناس ما كان لأحد أن يهتك سترا عليهم ، ولا يظهر منهم عورة ، الله أولى بالأخذ بها وبالتوبة عليها ، فأما إذا جاهروا فنشر العلم حياة والبلاغ عن رسول الله ( ص ) رحمة يعتصم بها على مصر ملحد .


ثم روى بإسناده قال جاء رجل إلى حذيفة ، وأبو موسى الأشعري قاعد فقال أرأيت رجالا ضرب بسيفه غضبا لله حتى قتل ، أفى الجنة أم في النار ؟ فقال أبو موسى في الجنة ! فقال : حذيفة استفهم الرجل وأفهمه ، ما تقول حتى فعل ذلك ثلاث مرات

، فلما كان في الثالثة قال : والله لأستفهمه فدعا به حذيفة فقال : رويدك وما يدريك أن صاحبك لو ضرب بسيفه حتى ينقطع فأصاب الحق حتى يقتل عليه فهو في الجنة ، وإن لم يصب الحق ولم يوفقه الله للحق فهو في النار ، ثم قال والذي نفسي بيده

ليدخلن النار في مثل الذي سألت عنه أكثر من كذا وكذا . ثم ذكر بإسناده عن الحسن قال لا تجالس صاحب بدعة فإنه يمرض قلبك .


ثم ذكر بإسناده عن سيفان الثوري قال : من جالس صاحب بدعة لم يسلم من إحدى ثلاث ، إما أن يكون فتنة لغيره ، وإما أن يقع في قلبه شئ فينزل به فيدخله الله النار . وإما أن يقول والله ما أبالي ما تكلموه ، وأني واثق بنفسي ، فمن أمن الله على دينه طرفة عين سلبه إياه .


ثم ذكر بإسناده عن بعض السلف قال : من أتى صاحب بدعة ليوقره فقد أعان على هدم الإسلام .
 

أخبرنا أسد قال : حدثنا كثير أبو سعيد قال : من جلس إلى صاحب بدعة نزعت منه العصمة ووكل إلى نفسه . أخبرنا أسد بن موسى قال : أخبرنا حماد بن زيد عن أيوب قال أبو قلابة : لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم أو يلبسوا عليكم ما تعرفون . قال أيوب : وكان والله من الفقهاء ذوي الألباب .


أخبرنا أسد ابن موسى قال : أخبرنا زيد عن محمد بن طلحة قال قال : إبراهيم لا تجالسوا أصحاب البدع ، ولا تكلموهم فإني أخاف أن ترد قلوبكم . أخبرنا أسد بالإسناد عن أبي هريرة قال : رسول الله ( ص ) الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل .
 

- ص 180 -

أخبرنا أسد أخبرنا مؤمل بن إسماعيل عن حماد بن زيد عن أيوب قال : دخل على محمد بن سيرين يوما رجل فقال : يا أبا بكر أقرأ عليك آية من كتاب الله لا أزيد على أن اقرأها ثم أخرج ، فوضع إصبعيه في أذنيه ثم قال : أخرج عليه إن كنت مسلما

لما خرجت من بيتي ، قال فقال يا أبا بكر لا أزيد على أن أقر ثم أخرج ، فقام : بإزاره يشد عليه وتهيأ للقيام قال : فأقبلنا على الرجل فقلنا قد حرج عليك إلا خرجت . أفيحل لك أن تخرج رجلا من بيته قال : فخرج ، فقلنا يا أبا بكر ما عليك لو قرأ آية

ثم خرج ، قال إني والله لو ظننت أن قلبي يثبت على ما هو عليه ما باليت أن يقرأ ولكن خفت أن يلقي في قلبي شيئا أجهد أن أخرجه من قلبي فلا أستطيع . أخبرنا أسد قال : أخبرنا ضمرة عن سودة قال : سمعت عبد الله بن القاسم وهو يقول ما كان

عبد على هوى فتركه إلا آل إلى ما هو شر منه . قال : فذكرت ذلك لبعض أصحابنا فقال : تصديقه في حديث عن النبي ( ص ) يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية ثم لا يرجعون حتى يرجع السهم إلي فوقه .


أخبرنا أسد قال : أخبرنا موسى بن إسماعيل عن حماد بن زيد عن أيوب قال : كان رجل يرى رأيا فرجع عنه فأتيت محمدا فرحا بذلك فأخبرته ، فقلت أشعرت أن فلانا ترك رأيه الذي كان يرى فقال : انظروا إلى ما يتحول ، إن آخر الحديث أشد عليهم من أوله يمرقون من الإسلام لا يعودن إليه .


ثم روى بإسناده عن حذيفة أنه أخذ حصاه بيضاء فوضعها في كفه ، ثم قال : إن هذا الدين قد استضاء هذه الحصاة ثم أخذ كفا من تراب فجعل يذره على الحصاة حتى واراها ثم قال : والذي نفسي بيده ليجيئن أقوام يدفنون الدين كما دفنت هذه الحصاة .


أخبرنا محمد بن سعيد بإسناده عن أبي الدرداء قال : لو خرج رسول الله ( ص ) اليوم إليكم ما عرف شيئا مما كان عليه هو وأصحابه إلا الصلاة . . قال : الأوزاعي فكيف لو كان اليوم قال عيسى يعني الراوي عن الأوزاعي فكيف لو أدرك الأوزاعي

هذا الزمان ، أخبرنا سليمان بن محمد بإسناده عن علي أنه قال : تعلموا العلم تعرفون به ، واعملوا به تكونوا من أهله فإنه سيأتي بعدكم زمان ينكر الحق فيه تسعة أعشارهم .
 

- ص 181 -

أخبرنا يحيى بإسناده عن أبي سهل بن مالك عن أبيه أنه قال : ما عرف منكم شيئا مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة . حدثني إبراهيم بن محمد بإسناده عن أنس قال : ما أعرف منكم شيئا كنت أعهده على عهد رسول الله ( ص ) ليس قولكم لا إله إلا الله .


أخبرنا أسد بإسناده عن الحسن قال : لو أن رجلا أدرك السلف الأول ، ثم بعث اليوم ما عرف من الإسلام شيئا قال : ووضع يده على خده ثم قال : إلا هذه الصلاة ، ثم قال : أما والله لمن عاش في هذه النكرا ؟ ؟ ؟ ولم يدرك هذا السلف الصالح فرأى

مبتدعا يدعو إلى بدعته ورأى صاحب دنيا يدعوا إلى دنياه فعصمة الله عن ذلك وجعل قلبه يحن إلى قلبه يحن إلى ذكر هذا السلف الصالح ويقتص آثارهم ويتبع سبيلهم ليعوض أجرا عظيما فكذلك كونوا إن شاء الله تعالى .


حدثني محمد بن عبد الله بن محمد بإسناده عن ميمون بن مهران قال : لو أن رجلا نشر فيكم من السلف ما عرف فيكم غير هذه القبلة .

أخبرنا محمد بن قدامة بإسناده عن أم الدرداء قالت دخل على أبو الدرداء مغضبا فقلت له ما أغضبك فقال : والله ما أعرف فيهم من أمر محمد ( ص ) إلا أنهم يصلون جميعا . وفي لفظ : لو أن رجلا تعلم الإسلام وأهمله ثم تفقده ما عرف منه شيئا .
 

حدثني إبراهيم بإسناده عن عبد الله بن عمرو قال : لو أن رجلين من أوائل هذه الأمة خليا بمصحفيهما في بعض هذه الأودية لأتيا الناس اليوم ولا يعرفان شيئا مما كانا عليه . قال مالك : وبلغني أن أبا هريرة تلى ( إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ) فقال : والذي نفسي بيده أن الناس ليخرجون اليوم من دينهم أفواجا كما دخلوا فيه أفواجا .


قف تأمل رحمك الله إذا كان هذا في زمن التابعين بحضرة أواخر الصحابة ، فكيف يغتر المسلم بالكثرة أو تشكل عليه ولا يستدل بها على الباطل .


ثم روى ابن وضاح بإسناده عن أبي أمية قال : أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت يا أبا ثعلبة كيف تصنع في هذه الآية ؟ قال أية آية ؟ قلت قول الله تعالى ( لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) قال أما والله لقد سألت عنها خبيرا سئلت عنها رسول الله ( ص ) فقال بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا ، و هوى متبعا ، ودنيا مؤثرة ، وإعجاب كل ذي
 

- ص 182 -

رأى برأيه ، فعليك بنفسك ودع عنك أمر العوام ، فإن من ورائكم أيام الصبر فيهن مثل القبض على الجمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله قيل يا رسول الله أجر خمسين منهم قال أجر خمسين منكم .


ثم روى بإسناده عن عبد الله بن عمرو أن النبي ( ص ) قال : طوبى للغرباء ثلاثا قالوا يا رسول الله ومن الغرباء ؟ قال : ناس صالحون قليل في أناس سوء كثير من يبغضهم أكثر ممن يحبهم .


أخبرنا أسد بإسناده عن عبد الله أنه سمع رسول الله يقول أن السلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدا فطوبى للغرباء قيل ومن الغرباء يا رسول الله قال الذين يصلحون إذا فسد الناس ، هذا آخر ما نقلته من كتاب البدع والحوادث للإمام الحافظ محمد بن وضاح .


فتأمل رحمك الله أحاديث الغربة وبعضها في الصحيح مع كثرتها وشهرتها .

وتأمل إجماع العلماء كلهم أن هذا قد وضع في زمن طويل حتى قال ابن القيم : الإسلام في زماننا أغرب منه في أول ظهوره.

فتأمل هذا تأملا جيدا لعلك أن تسلم من هذه الهوة الكبيرة التي هلك فيها أكثر الناس وهي الاقتداء بالكثرة والسواد الأكبر والنفرة من الأقل فما أقل من سلم منها ما أقله . .


ولنختم ذلك بالحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله (ص) قال : ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويعتقدون بأمره ( وفي رواية يهتدون

بهدية ) ويستنون بسنته ، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ، ويفعلون ما لا يؤمرون ، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل . ( 3 )

 

  * هامش *  
  ( 3 ) مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد . ( * )  

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب