المنكرات من الأعيان والصور ، يجوز إتلاف محلها تبعا لها ،
مثل الأصنام المعبودة من دون الله ، لما كانت صورها منكرة : جاز إتلاف مادتها ،
فإذا كانت حجرا أو خشبا ونحو ذلك : جاز تكسيرها وتحريقها وكذلك آلات الملاهي -
كالطنبور - يجوز إتلافها عند أكثر الفقهاء وهو مذهب مالك ، وأشهر الروايتين عن
أحمد .
قال الأثرم : سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل كسر
عودا كان مع أمه لإنسان ، فهل يغرمه ، أو يصلحه ؟ قال : لا أرى عليه بأسا أن
يكسره ، ولا يغرمه ولا يصلحه قيل له : فطاعتها ؟ قال ليس لها طاعة في هذا .
وقال أبو داود : سمعت أحمد يسأل عن قوم يلعبون
بالشطرنج فنهاهم فلم ينتهوا ، فأخذ الشطرنج فرمى به ؟ قال : قد أحسن . قيل :
فليس عليه شئ ؟ قال : لا . قيل له : كذلك إن كسر عودا أو طنبورا ؟ قال : نعم .
قال عبد الله : سمعت أبي - في رجل يرى مثل الطنبور أو الطبل ، أو ما أشبه هذا -
ما يصنع به ؟ قال : إذا كان مكشوفا فاكسره .
وقال يوسف بن موسى ، وأحمد بن الحسن : أن عبد الله سئل عن الرجل يرى الطنبور
والمنكر : أيكسره ؟ قال : لا بأس . وقال أبو الصقر : سألت أبا عبد الله عن رجل
رأى عودا أو طنبورا فكسره ، ما عليه ؟ قال : قد أحسن ، وليس عليه في كسره شئ .
وقال جعفر بن محمد سألت أبا عبد الله عمن كسر الطنبور والعود فلم ير عليه شيئا
.
وقال إسحاق بن إبراهيم : سئل أحمد عن الرجل يرى الطنبور أو طبلا مغطى : أيكسره
؟ قال : إذا تبين أنه طنبور أو طبل كسره . وقال أيضا : سألت أبا عبد الله عن
الرجل يكسر الطنبور ، أو الطبل : عليه في ذلك شئ ؟ قال يكسر هذا كله ، وليس
يلزمه شئ .
وقال المروذي : سألت أبا عبد الله عن كسر الطنبور الصغير يكون مع الصبي ؟ قال :
يكسر أيضا ، قلت : أمر في السوق فأرى الطنبور يباع : أأكسره ؟ قال : ما أراك
تقوى ، إن قويت - أي فافعل - قلت : أدعى لغسل الميت ، فأسمع صوت الطبل ؟ قال :
إن قدرت على كسره وإلا فاخرج .
وقال في رواية إسحاق بن منصور - في الرجل يرى الطنبور والطبل
والقنينة - قال : إذا كان طنبور أو طبل ، وفي القنينة مسكر : اكسره . وفي مسائل
صالح ، قال أبي : يقتل الخنزير ، ويفسد الخمر ، ويكسر الصليب . وهذا قول أبي
يوسف ،
ومحمد بن الحسن ، وإسحاق بن راهويه ، وأهل الظاهر ، وطائفة من
أهل الحديث ، وجماعة من السلف ، وهو قول قضاة العدل . قال أبو حصين : كسر رجل
طنبورا ، فخاصمه إلى شريح ، فلم يضمنه شيئا .
وقال أصحاب الشافعي : يضمن ما بينه وبين الحد المبطل للصورة وما دون ذلك : فغير
مضمون ، لأنه مستحق الإزالة ، وما فوقه فقابل للتمول : لتأتي الانتفاع به ،
والمنكر إنما هو الهيئة المخصوصة ، فيزول بزوالها ، ولهذا أوجبنا الضمان في
الصائل بما زاد على قدر الحاجة في الدفع ، وكذا الحكم في
البغاة في اتباع مدبرهم ، والاجهاز على جريحهم ، والميتة : في حال المخمصة ، لا
يزاد على قدر الحاجة في ذلك كله .
حرق العجل المعبود : قال أصحاب القول الأول : قد أخبر الله سبحانه عن كليمه
موسى عليه السلام : أنه أحرق العجل الذي عبد من دون الله ، ونسفه في اليم ،
وكان من ذهب وفضة ، وذلك محق له بالكلية ، وقال عن خليله إبراهيم عليه السلام :
( فجعلهم جذاذا ) وهو الفتات ، وذلك نص في الاستئصال ،
وروى أحمد في مسنده والطبراني في المعجم من حديث الفرج بن فضالة عن علي بن يزيد
عن القاسم عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله
بعثني رحمة للعالمين ، وهدى للعالمين ، وأمرني ربي بمحق المعازف والمزامير
والأوثان ، والصليب ، وأمر الجاهلية " .
وأيضا : فالقياس يقتضي ذلك ، لأن محل الضمان : هو ما قبل المعاوضة ، وما نحن
فيه لا يقبلها البتة ، فلا يكون مضمونا ، وإنما قلنا : لا يقبل المعارضة ، لأن
النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير
والأصنام " وهذا نص ، وقال " إن الله إذا حرم شيئا ثمنه " والملاهي محرمات
بالنص ، فحرم بيعها .
وأما قبول ما فوق الحد المبطل للصورة لجعله آنية : فلا يثبت به وجوب الضمان ،
لسقوط
حرمته ، حيث صار جزء المحرم ، أو ظرفا له ، كما أمر به النبي
صلى الله عليه وسلم من كسر دنان الخمر ، وشق ظروفها ، فلا ريب أن للمجاورة
تأثيرا في الامتهان والإكرام ، وقد قال تعالى : ( وَقَدْ
نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ
يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا
فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ
إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي
جَهَنَّمَ جَمِيعًا ) وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن القوم : يكونون
بين المشركين يؤاكلونهم ويشاربونهم ؟ فقال : هم منهم هذا لفظه أو معناه .
فإذا كان هذا في المجاورة المنفصلة فكيف بالمجاورة التي صارت جزءا من أجزاء
المحرم ، أو لصيقة به ؟ وتأثير الجوار ثابت عقلا وشرعا وعرفا .
والمقصود : أن إتلاف المال -
على وجه التعزير والعقوبة - ليس بمنسوخ ، وقد قال أبو الهياج الأسدي : قال لي
علي بن أبي طالب " ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
ألا أدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته وهذا يدل على طمس الصور في
أي شئ كانت ، وهدم القبور المشرفة ، وإن كانت من حجارة أو آجر أو لبن .
محو التصاوير : قال المروذي : قلت لأحمد : الرجل
يكتري البيت ، فيرى فيه تصاوير ترى أن يحكها ؟ قال : نعم ، وحجته : هذا الحديث
الصحيح .
وروى البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنه"
أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أرى الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمحيت
. وفي الصحيحين : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تدخل الملائكة بيتا
فيه كلب ولا صورة ".
وفي صحيح البخاري عن عائشة : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يترك في
بيته شيئا فيه تصليب إلا قصة " .
وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا ، فيكسر الصليب
، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية .
فهؤلاء رسل الله ، صلوات الله وسلامه عليهم - إبراهيم وموسى وعيسى وخاتم
المرسلين
محمد صلى الله عليه وسلم - كلهم على محق المحرم وإتلافه
بالكلية ، وكذلك الصحابة رضي الله عنهم ، فلا التفات لي من خالف ذلك .
كسر آنية الفضة : وقد قال المروذي : قلت لأبي عبد
الله : دفع إلي إبريق فضة لأبيعه ، أترى أن أكسره ، أو أبيعه كما هو ؟ قال :
اكسره . وقال : قيل لأبي عبد الله : أن رجلا دعا قوما ، فجيئ بطست فضة وإبريق
فضة ، فكسره ، فأعجب أبا عبد الله كسره .
وقال : بعثني أبو عبد الله إلى رجل بشئ ، فدخلت عليه ، فأتى
بمكحلة رأسها مفضض ، فقطعتها ، فأعجبه ذلك ، وتبسم . ووجه ذلك : أن الصناعة
محرمة ، فلا قيمة لها ولا حرمة . وأيضا : فتعطيل هذه الهيئة مطلوب ، فهو بذلك
محسن ، وما على المحسنين من سبيل .
حرق الكتب المظلة وإتلافها : وكذلك لا ضمان في
تحريق الكتب المضلة وإتلافها . قال المروذي : قلت لأحمد : استعرت كتابا فيه
أشياء رديئة ، ترى أن أخرقه أو أحرقه ؟ قال : نعم ، وقد " رأى النبي صلى الله
عليه وسلم بيد عمر كتابا اكتتبه من التوراة ، وأعجبه موافقته للقرآن ، فتمعر
وجه النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى ذهب به عمر إلى التنور فألقا فيه " .
فكيف لو رأى النبي ( ص ) ما صنف بعده من الكتب يعارض بها ما في القرآن والسنة ؟
والله المستعان ، وقد " أمر النبي ( ص ) من كتب عنه شيئا غير القرآن أن يمحوه "
ثم " أذن في كتابة سنته " ولم يأذن في غير ذلك .
وكل هذه الكتب المتضمنة لمخالفة السنة : غير مأذون فيها ، بل مأذون في محقها
وإتلافها ، وما على الأمة أضر منها ، وقد حرق الصحابة جميع المصاحف المخالفة
لمصحف عثمان ، لما خافوا على الأمة من الاختلاف ، فكيف لو رأوا هذه الكتب التي
أوقعت الخلاف والتفرق بين الأمة ؟
وقال الخلال : أخبرني محمد بن
أبي هارون : أن أبا الحادث حدثهم قال : قال أبو عبد الله : أهلكهم وضع الكتب ،
تركوا آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقبلوا على الكلام . القرآن
والحديث لا الرأي :
وقال : أخبرني محمد بن أحمد بن واصل المقري قال : سمعت أبا عبد الله - وسئل عن
الرأي ؟ فرفع صوته ، وقال : لا يثبت شئ من الرأي عليكم بالقرآن والحديث والآثار
.
وقال في رواية ابن مشيش : إن أبا عبد الله سأله رجل ، فقال : اكتب الرأي ؟ فقال
: ما تصنع بالرأي ؟ عليك بالسنن فتعلمها ، وعليك بالأحاديث المعروفة .
وقال عبد الله بن أحمد : سمعت أبي يقول : هذه الكتب بدعة وضعها وقال إسحاق بن
منصور : سمعت أبا عبد الله يقول : لا يعجبني شئ من وضع الكتب ، من وضع شيئا من
الكتب فهو مبتدع .
وقال المروذي : حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي حدثنا حماد بن زيد قال : قال لي
ابن عون : يا حماد ، هذه الكتب تضل .
وقال الميموني : ذاكرت أبا عبد الله خطأ الناس في العلم ،
فقال : وأي الناس لا يخطئ ؟ لا سيما من وضع الكتب ، فهو أكثر خطأ .
وقال إسحاق : سمعت أبا عبد الله - وسأله قوم من أردبيل عن رجل
يقال له : عبد الرحيم ، وضع كتابا - فقال أبو عبد الله : هل أحد من أصحاب رسول
( ص ) فعل ذا ؟ أو أحد من التابعين ؟ و أغلظ وشدد في أمره ، وقال : انهوا الناس
عنه ، وعليكم بالحديث .
وقال في رواية أبي الحارث : ما كتبت من هذه الكتب الموضوعة شيئا قط .
وقال محمد بن زيد المستملي : سأل أحمد رجل ، فقال : اكتب كتب
الرأي ؟ قال لا تفعل ، عليك بالحديث والآثار ، فقال له السائل : إن ابن المبارك
قد كتبها ، فقال له أحمد : ابن المبارك لم ينزل من السماء ، وإنما أمرنا أن
نأخذ العلم من فوق .
وقال عبد الله بن أحمد : سمعت أبي - وذكر وضع الكتب - فقال : أكرهها ، هذا أبو
فلان وضع كتاب ، فجاء أبو فلان فوضع كتاب ، وجاء فلان فوضع كتابا ، فهذا لا
انقضاء له ، كلما جاء رجل وضع كتابا ، وهذه الكتب وضعها بدعة ، كلما جاء رجل
وضع كتابا ، ترك حديث رسول ( ص ) وأصحابه ، وعاب وضع الكتب ، وكرهه كراهة شديدة
البدع في الكتب : وقال المروذي
في موضع آخر : قال أبو عبد الله : يضعون البدع في كتبهم ، إنما أحذر عنها أشد
التحذير ، قلت : إنهم يحتجون بمالك : أنه وضع كتابا ؟ فقال أبو عبد الله : هذا
ابن عون والتيمي ويونس وأيوب : هل وضعوا كتابا ؟
هل كان في الدنيا مثل هؤلاء ؟ وكان ابن سيرين وأصحابه لا
يكتبون الحديث ، فكيف الرأي ؟ وكلام أحمد في هذا كثير جدا ، قد ذكره الخلال في
كتاب العلم .
المحظور من الكتب : ومسألة وضع الكتب : فيها
تفصيل ، ليس هذا موضعه ، وإنما كره أحمد ذلك ، ومنع منه لما فيه من الاشتغال به
، والإعراض عن القرآن والسنة ، والذب عنهما ، وأما كتب إبطال الآراء ، والمذاهب
المخالفة لهما فلا بأس ، وقد تكون واجبة ومستحبة ومباحة ، بحسب اقتضاء الحال
والله أعلم .
والمقصود : أن هذه الكتب المشتملة على الكذب
والبدعة يجب إتلافها وإعدامها ، وهي أولى بذلك من إتلاف آلات اللهو والمعازف ،
وإتلاف آنية الخمر ، فإن ضررها أعظم من ضرر هذه ، ولا ضمان فيها ، كما لا ضمان
في كسر أواني الخمر وشق زقاقها ( 4 )
| |
* هامش * |
|
| |
( 4 ) الطرق الحكمية في السياسة الشرعية
لابن قيم الجوزية . . ( * )
|
|
|