اختر اللون المناسب لأرضية الصفحة

 - مدافع الفقهاء - المستبصر : صالح الورداني - ص 14 -

- الفقهاء وعبد الملك بن مروان :


عبد الملك هو ابن مروان بن الحكم الذي هيمن على الحكم في عصر عثمان ابن عمه وكان السبب المباشر في الثورة عليه وقتله ، وهو الذي قتل طلحة بن عبيد الله بسهم في ظهره فقتله وكان معه في جيش عائشة يوم الجمل ( 13 )
 

  * هامش *  
 

( 13 ) مروان بن الحكم طرده الرسول من المدينة ولعنه هو وأبيه الحكم بن العاص وقد أمنه عثمان وأدخله المدينة في حكمه عده بعض الفقهاء من الصحابة . انظر دفاع ابن حجر العسقلاني عنه في هدى الساري . =>

 

 

- ص 15 -

وكان عبد الملك وأبيه ضمن من أخرج من المدينة يوم الحرة حين خرجت المدينة على يزيد بن معاوية وطردت منها بنو أمية ، وخاف أن تكون الغلبة لأهل المدينة ، وحين دخلها جيش يزيد واستباحها ثلاثة أيام خر عبد الملك ساجدا وعاد إلى المدينة . . ( 14 )
 

ويروى أن عبد الملك هو الذي دل جيش يزيد على عورات أهل المدينة وكيف يؤتون ومن أين يدخل عليهم وأين ينزل . ( 15 ) وتمكن عبد الملك من قتل مصعب بن الزبير ثم قتل عبد الله بن الزبير وتدمير الكعبة على يد الحجاج وبذلك دانت له العراق والحجاز .


يروي : اجتمع الناس على عبد الملك بن مروان سنة ثلاث وسبعين ، وكتب إليه ابن عمر بالبيعة وكتب إليه أبو سعيد الخدري وسلمة بن الأكوع بالبيعة . . ( 16 )

 

وكتب ابن عمر إليه يقول : إني أقر بالسمع والطاعة لعبد الملك أمير المؤمنين على سنة الله وسنة رسوله ما استطعت ، وأن بني قد أقروا بمثل ذلك . . ( 17 )
 

ويروى أن عبد الملك بن مروان قد حفظ عن عثمان وسمع عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وغيرهم من أصحاب رسول الله ( ص ) وكان عابدا ناسكا قبل الخلافة . . ( 18 )
 

ويروى عن نافع قوله : لقد رأيت عبد الملك بن مروان وما بالمدينة أشد تشميرا ولا أطلب للعلم منه ، أحسبه قال : ولا أشد اجتهادا . . ( 19 )


ويروى عن ابن جريح قال : سمعت ابن شهاب الزهري يسأل عن ربط الأسنان بالذهب . قال : لا بأس به ، ربط عبد الملك بن مروان أسنانه بالذهب . . ( 20 )
 

  * هامش *  
 

 => مقدمة فتح الباري شرح البخاري . وانظر الإصابة في تمييز الصحابة له أيضا . . وانظر لنا كتاب السيف والسياسة . وتفاصيل وقعة الجمل في كتب التاريخ .

( 14 ) أنظر طبقات ابن سعد ج‍ 4 / 174 . وتاريخ وقعة الحرة عام 63 ه‍ وصار عسكر يزيد بالمدينة ثلاثا يقتلون وينهبون ويهتكون أعراض نساء الأنصار وأبناء الرسول حتى حملت ألف امرأة سفاحا ، وقد وقف الفقهاء من يزيد بعد هذه الحادثة موقف المتفرج رغم أن النصوص صريحة بحرمة المدينة وحصانتها . أنظر نماذج من تلك النصوص في كتب السنن ، وانظر تاريخ الخلفاء للسيوطي . .

( 15 ) كان أهل المدينة قد أخذوا علي بن أمية حين أخرجوهم العهود والمواثيق أن لا يدلوا على عورة لهم ولا يظاهروا عليهم عدوا - انظر ابن سعد ج‍ 4 / 174 .
( 16 ) ابن سعد ج‍ 4 / 177 .
( 17 ) البخاري كتاب الأحكام . وانظر البيهقي ج‍ 8 / 147 . .
( 18 ) ابن سعد ج 4 / 181 . . ( * )
( 19 ) المرجع السابق ص 182
( 20 ) المرجع السابق

 

 

- ص 16 -

ويروى أن عبد الملك بن مروان كان يلقب بحمامة المسجد ، وقد سئل ابن عمر : أرأيت إذا تفانى أصحاب رسول الله ( ص ) من نسأل ؟ فأجابهم : سلوا هذا الفتى : وأشار إلى عبد الملك . . ( 21 )
 

ويروى عن أبي الزناد : فقهاء المدينة سعيد بن المسيب وعبد الملك بن مروان وعروة بن الزبير وقبيصة بن ذؤيب . . ( 22 )
 

وقال الشعبي : ما جالست أحدا إلا وجدت عليه الفضل إلا عبد الملك بن مروان فإني ما ذاكرته حديثا إلا وزادني فيه . ولا شعر إلا وزادني فيه . . ( 23 )
 

وكانت هناك علاقة صداقة بين ابن شهاب الزهري الذي يعد عالم السنة في عصره وحافظها وناقل رواياتها وبين عبد الملك بن مروان . . وكان عبد الملك هو الذي وجهه للقيام بهذا الدور ونشر الروايات المنسوبة للرسول ( ص ) بين الناس ثم ارتبط الزهري بعد ذلك بالقصر الأموي حتى تولى تربية أولاد هشام بن عبد الملك . ثم تولى القضاء من بعد ليزيد الثاني . . ( 24 )


وكما أخذ ابن شهاب الزهري فتوى ربط الأسنان بالذهب عن عبد الملك بن مروان أخذ مالك أيضا بقضاء عبد الملك في امرأة مستكرهة بصداقها على من فعل ذلك بها وقد أكثر مالك في الاستدلال بقضاء مروان بن الحكم وولده عبد الملك في موطأة والعمل بفتاواه . . ( 25 )


وقد روى البخاري عن عبد الملك بن مروان ، كما روى عنه الزهري وعروة بن الزبير وعدد من فقهاء التابعين وعبادهم مثل خالد بن معدان ورجاء بن حيوة . . ( 26 )


ومن هذه الروايات والشهادات التي عرضناها يتبين لنا أن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان كان في منظور الصحابة عاصروه والفقهاء الذين برزوا في عصره فقيها ومحدثا ثقة وعابدا ورعا . .
 

  * هامش *  
 

( 21 ) أنظر طبقات ابن سعد وانظر تاريخ الخلفاء للسيوطي ترجمة عبد الملك بن مروان . .
( 22 ) أنظر العواصم من القواصم والبداية والنهاية ج‍ 9 / 62 ، وتاريخ الخلفاء . . وقد أصبح ابن ذؤيب المستشار الخاص لعبد الملك بعد توليه الخلافة . .
( 23 ) أنظر المراجع السابقة
( 24 ) أنظر تاريخ الزهري في تذكرة الحفاظ للذهبي وكتب التراجم وطبقات ابن سعد وتاريخ ابن عساكر .
( 25 ) أنظر موطأ مالك كتاب المكاتب وكتاب العقول النكاح ولمروان وولده عبد الملك روايات أخري في كتب السنن المتداولة بين المسلمين
( 26 ) أنظر البخاري كتاب الأدب المفرد . وانظر العواصم من القواصم والبداية والنهاية

 

 

- ص 17 -

ولقد تجاوز الفقهاء حدود هذا الحكم إلى تناول الدين منه والأخذ بفتاواه . . إلا أننا سوف نعرض هنا لعدد من الروايات التي تكشف الوجه الآخر لعبد الملك بن مروان وتكشف لنا من جانب أخر كيف سقط الفقهاء ضحية السياسة والحكام وأخضعوا الدين لهم ، وأن لسان حالهم ينطق بلسان الحكام لا بلسان الدين . .


يروى السيوطي عن ابن أبي عائشة قال : أفضى الأمر - الحكم - إلى عبد الملك بن مروان والمصحف في حجره فأطبقه وقال : هذا آخر العهد بك . . ( 27 )


ويروى أن عبد الملك أول من غدر في الإسلام ، وأول من نهى عن الكلام بحضرة الخلفاء وأول من نهى عن الأمر بالمعروف . . وأول خليفة بخل في الإسلام . . ( 28 )


ويروى أنه خطب عبد الملك بن مروان بالمدينة بعد قتل ابن الزبير عام حج سنة خمس وسبعين فقال : أما بعد . فلست بالخليفة المستضعف - يعني عثمان - ولا الخليفة المداهن - يعني معاوية - ولا الخليفة المأفون - يعني يزيد - ألا وإن من كان قبلي

من الخلفاء كانوا يأكلون ويطعمون من هذه الأموال . ألا وإني لا أداوى أدواء هذه الأمة إلا بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم . تكلفوننا أعمال المهاجرين ولا تعملون مثل أعمالهم فلن تزدادوا إلا عقوبة حتى يحكم السيف بيننا وبينكم . . ألا وإنا نحمل لكم

كل شئ إلا وثوبا على أمير أو نصب راية والله لا يفعل أحد فعلة إلا جعلتها في عنقه . والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه . . ( 29 )


ويروى أن عبد الملك كان إذا قعد للحكم خيم على رأسه بالسيوف . . ( 30 )


هذا الشاعر يقول في بني مروان :

يا قوم لا تغلبوا عن رأيكم فلقد * جربتم الغدر من أبناء مروانا *
أمسوا وقد قتلوا عمرا وما رشدوا * يدعون غدرا بعهد الله كيانا *

ويقتلون الرجال البزل ضاحية * لكي يولوا أمور الناس ولدانا *
تلاعبوا بكتاب الله فاتخذوا * هواهم في معاصي الله قربانا
( 31 )

  * هامش *  
 

( 27 ) تاريخ الخلفاء . .
( 28 ) المرجع السابق . . ( 29 ) المرجع السابق . . ( 30 ) المرجع السابق . . ( 31 ) المرجع السابق . . ( * )

 

 

- ص 18 -

وهذا الوجه الذي تبرزه هذه الروايات لعبد الملك بن مروان إنما يتناقض مع ذلك الوجه الذي يحاول إبرازه الفقهاء جعلوا أنفسهم سدنه له وسخروا الدين في خدمة بني أمية . . ومثل هذه المواقف التي تبناها الفقهاء من معاوية ويزيد وعبد الملك بن مروان هي التي تأسس عليها موقف الفقهاء من بني العباسي فيما بعد وسلسلة الحكام من بعدهم حتى يومنا هذا . .

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب