اختر اللون المناسب لأرضية الصفحة

 - مدافع الفقهاء - المستبصر : صالح الورداني - ص 18 -

- الفقهاء والمنصور العباسي :


تولى أبو جعفر المنصور الخلافة سنة سبع وثلاثين ومائة بعد وفاة أخيه أبو العباس السفاح بمرض الجدري وكان جبارا جماعا للمال تاركا للهو واللعب قتل خلقا كثيرا حتى استقام ملكه في غاية الحرص والبخل . .


وفي عصره شرع الفقهاء في تدوين الحديث والفقه والتفسير . . فصنف مالك الموطأ في المدينة . والأوزاعي الفقه بالشام . . . وسفيان الثوري بالكوفة . . . وصنف أبو حنيفة الفقه والرأي . . . وصنف ابن إسحاق المغازي . . . ويروى أن أبا جعفر المنصور كان يرحل في طلب العلم قبل الخلافة . . ( 32 )


وروي عن الإفريقي : كنت أطلب العلم مع أبي جعفر المنصور قبل الخلافة . . ( 33 )

وقال الصولي : كان المنصور أعلم الناس بالحديث والأنساب مشهورا بطلبه . . ( 34 )

وقد روى الفقهاء عن المنصور الكثير من الروايات المنسوبة للرسول نقل السيوطي عن ابن عساكر بعض منها :
 

  * هامش *  
 

( 32 ) المرجع السابق . ترجمة أبو جعفر المنصور . . ( 33 ) المرجع السابق . . ( 34 ) المرجع السابق . .

 

 

- ص 19 -

عن المنصور عن أبيه عن جده عن عبد الله بن عباس أن النبي ( ص ) كان يتختم في يمينه . . ( 35 )

وروى عن المنصور قال رسول الله ( ص ) مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تأخر عنها هلك . . ( 36 )

وروى عنه قال رسول الله ( ص ) : إذا أمرنا أميرا وفرضنا له فرضا فما أصاب من شئ فهو غلول . . ( 37 )

وروى عنه عن الرسول ( ص ) : كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسي . . ( 38 )

وروى عنه ( ص ) : وعزتي وجلالي لأنتقمن من الظالم في عاجلة وآجله ولأنتقمن ممن رأى مظلوما يقدر أن ينصره فلم يفعل . . ( 39 )


ويبدوا من خلال هذه الروايات أن الفقهاء قد وضعوا المنصور في مصاف المحدثين من أهل العلم الذين يتحدثون بلسان الرسول ( ص ) كما وضعوا عبد الملك بن مروان من قبل إلا أن حقيقة المنصور وتاريخه ومواقفه تؤكد لنا أنه غير هذه الصورة وأن ما يروى عنه مجرد اختلاق بهدف تلميعه والتغطية على مساوئه وانحرافاته . .


يروى أن المنصور هو أول خليفة قرب المنجمين وعمل بأحكام النجوم ، وهو أول من استعمل مواليه على الأعمال وقدمهم على العرب وكثر ذلك بعده حتى زالت رئاسة العرب وقيادتها . . وهو أول من أوقع الفرقة بين ولد العباس وولد على وكان قبل ذلك أمرهم واحد . . ( 40 )


ويروى أن عبد الصمد بن علي قال للمنصور : لقد هجمت بالعقوبة حتى كأنك لم تسمع بالعفو ؟ قال : لأن بني مروان لم تبل رممهم وآل أبي طالب لم تغمد سيوفهم . ونحن بين قوم قد رأونا أمس سوقة واليوم خلفاء ، فليس تتمهد هيبتنا في صدورهم إلا بنسيان العفو واستعمال العقوبة . . ( 41 )
 

  * هامش *  
 

( 35 ) المرجع السابق . . ( 36 ) المرجع السابق . . ( 37 ) المرجع السابق . . ( 38 ) المرجع السابق . . ( * )
( 39 ) المرجع السابق . . ( 40 ) المرجع السابق . ترجمة المهدي وانظر كتب التاريخ . . ( 41 ) المرجع السابق . .

 

 

- ص 20 -

ومثل هذه المساوئ والتجاوزات التي تبرزها هذه الروايات أنما تكشف الوجه الآخر للمنصور وهو وجه يتناقص كما هو واضح مع الصورة التي يحاول إبرازها الفقهاء من خلال وضع المنصور في موضع المحدثين وأهل العلم . . .


وكما ألبس الفقهاء هذا الثوب للمنصور ألبسوه أيضا لولده المهدي من بعده حيث وضعوه في مصاف المحدثين ورووا عنه . . يقول السيوطي : المهدي أبو عبد الله محمد بن المنصور . كان جوادا ممدحا مليح الشكل محببا للرعية حسن الاعتقاد تتبع الزنادقة وأفنى منهم خلقا كثيرا وهو أول من أمر بتصنيف كتب الجدل في الرد على الزنادقة والملحدين ، روى الحديث عن أبيه . . ( 42 )

وقال الذهبي : ما علمت فيه - أي في المهدي - جرحا ولا تعديلا . . ( 43 )


وروى الفقهاء في المهدي رواية منسوبة للرسول تقول : المهدي يواطئ اسمه اسمى واسم أبيه اسم أبي . . وهي رواية خاصة بالمهدي المنتظر الذي بشر به الرسول في آخر الزمان وقد طبقها الفقهاء على المهدي العباسي . . وكان المهدي يقتل على التهمة ومن أشهر قتلاه الشاعر صالح بن عبد القدوس . . ( 44 )


ويروى أن المهدي كان يحب الحمام فدخل عليه المحدث غياث بن إبراهيم فقال له رواية منسوبة إلى الرسول ( ص ) في الحمام ، فأمر له المهدي بعشرة آلاف درهم . . ( 45 )


وروى أن شريكا دخل على المهدي . فقال له المهدي : لا بد من ثلاث . . إما أن تلي القضاء أو تؤدب ولدي وتحدثهم أو تأكل عندي أكله . ففكر ساعة ثم قال : الأكلة أخف على ، فأكل ألوان من الطعام ثم حدثهم بعد ذلك وعلمهم العلم وولى القضاء لهم . . ( 46 )
 

  * هامش *  
 

( 42 ) المرجع السابق
( 43 ) المرجع السابق . وهذا يعني أن الذهبي متوقف فيه . فيمكن قبول روايته ويمكن رفضها انظر تاريخ الإسلام للذهبي . .

( 44 ) تاريخ الخلفاء وانظر كتب التاريخ ، وانظر لنا قصة صالح بن عبد القدوس مع المهدي في كتابنا الكلمة والسيف ، وقد قتل المهدي من قتله بتحريض من الفقهاء الذين ألبسوا مخالفيهم تهمة الزندقة . .
( 45 ) تاريخ الخلفاء . .
( 46 ) المرجع السابق . .

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب