اختر اللون المناسب لأرضية الصفحة

 - مدافع الفقهاء - المستبصر : صالح الورداني - ص 23 -

- الفقهاء والمأمون :
 

تنامت حركة نقل الروايات و تدوينها في عصر المنصور والرشيد كما تنامت حركة تدوين الفقه ونقله فكثرت المدراس وكثر الفقهاء وتباينت الآراء . . . وحقق المعتزلة ولأول مرة في تاريخهم قفزة سياسية كبيرة باستقطابهم الخليفة المأمون إلى صفهم وتبنيه لأفكارهم ومتعتقداتهم . . ( 60 )


وكان أن درات الدائرة على الفقهاء الذين نموا وترعرعوا في ظل الروايات والفتاوى المأثورة عن الصحابة والتابعين و مباركة الحكام السابقين . .

وانقسم الفقهاء في مواجهة المأمون وخط المعتزلة المناهض لهم : فمنهم من وقف على الحياد . . ومنهم من أعلن عدائه لهذا الخط ورفض الانصياع له . .


وقد تزعم الاتجاه الأخير أحمد بن حنبل بفرقته التي كانت في طور التأسيس ، ودخل في صدام مع المأمون والمعتزلة . . إلا أن هذا الصدام لم يكن صداما سياسيا يقوم على أساس عدم الاعتراف بشرعية حكم المأمون وإنما كان صداما فقهيا ينحصر في محيط قضية كلامية ليست من صلب العقيدة وهي قضية خلق القرآن . . ( 61 )
 

  * هامش *  
 

( 60 ) المأمون هو عبد الله بن هارون الرشيد ولد سنة ( 170 ه‍ ) ودانت له الدولة بعد قتل أخيه الأمين سنة ( 198 ه‍ ) ( ت 218 ه‍ ) كان صاحب علم ورأي وفصاحة . وكما مال إلى المعتزلة مال إلى الشيعة أيضا وجعل علي بن موسى الرضا ثامن الأئمة عند الشيعة الإمامية وليا للعهد وأظهر تفضيل على علي أبي بكر . .

( 61 ) تقوم فكرة خلق القرآن على أساس أن كلام الله سبحانه حديث وأنه أوجد بلغة العرب فمن ثم هو ليس قديما وإنما اخترع لرسالة محمد ( ص . وهذه الفكرة قامت في الأساس للتفريق بن ذات الله سبحانه وبين كلامه وهو ما يرفضه الطرف الآخر بزعامة ابن حنبل ويصر على أن كلام الله قديم قدم ذاته . .

 

 

- ص 24 -

وكان معتزلة قد تبنوا فكرة خلق القرآن وكون كلام الله مخلوق . . بينما رفض ابن حنبل والحنابلة من بعده تبني هذه الفكرة على أساس أنها منافية للموروثات الفقهية التي ورثها عن الصحابة والتابعين فضلا عن كونها منافية للروايات التي يتبناها ويقوم مذهبه على أساسها .


من هنا قام المأمون بتصفية تيار الحنابلة أو من يطلقون على أنفسهم أهل الحديث واعتقل إما مهم ابن حنبل وأحكم الحصار الفكري من حوله كي يتراجع عن فكرة كون القرآن غير مخلوق إلا أن ابن حنبل أصر على موقفه مما أوقعه في دائرة

التعذيب وظل في حبسه حتى توفي المأمون وجاء من بعده المعتصم الذي تبنى في مواجهته نفس الموقف ، كذلك الخليفة الواثق من بعده ، حتى جاء المتوكل فأعلن مناصرته للحنابلة الذين كانوا قد أطلقوا على أنفسهم أهل السنة والجماعة ، وأطلق لهم

العنان لنشر أفكارهم ورواياتهم تحت حمايته ، فكان أن بطشوا بالمعتزلة والشيعة والمخالفين لهم وكثرت الفتن والصدامات الدموية . . ( 62 )


ولأجل هذا الموقف الذي تبناه المتوكل تغاضى الفقهاء عن مساوئه وجرائمه وانحرافاته التي تصطدم بجوهر الدين ونصوصه الصريحة ، واعتبروا موقفه هذا كاف واحد ؟ ؟ ؟ لجب هذه المساوئ والجرائم والتجاوزات وغفرانها . . .


يروى عن ابن تيمية قوله : ما أظن الله يغفل عن المأمون . . ولا بد أن يعاقبه على ما أدخله على هذه الأمة . . ( 63 )


وأجمع الفقهاء على أن أهل الحديث أو أهل السنة هم الذين يمثلون نهج الرسول ( ص ) وهم الفرقة الناجية من النار والطائفة المنصورة لولا هم لأهلك الناس المعتزلة وأهل الرأي . . ( 64 )


وفي منظور الفقهاء المأمون أهان السنة وأهلها وأكرم أصحاب الاعتزال ( المعتزلة ) والزنادقة وأن عصره لم يكن عصرا ذهبيا بل عصر ضلال وبدع وفساد عقائدي . . ( 65 )
 

  * هامش *  
 

( 62 ) أنظر سيرة المتوكل في تاريخ الخلفاء للسيوطي وكتب التاريخ ، وانظر فتن الحنابلة وصداماتهم مع الفقهاء والعامة والتيارات الأخرى في الكامل في التاريخ لابن الأثير حوادث عام 321 ه‍ . وحوادث عام 398 ه في تاريخ الإسلام للذهبي . وحوادث عام 475 ه‍ . .
( 63 ) العواصم من القواصم . ونقد المنطق . .

( 64 ) المرجع السابق وانظر الاعتصام للشاطبي والعقيدة الواسطة لابن تيمية وشرح أصول الاعتقاد للالكائي وشرف أصحاب الحديث للخطيب . وانظر لنا أهل السنة شعب الله المختار . .
( 65 ) العواصم . وانظر سيرة ابن حنبل في تاريخ الإسلام للذهبي وطبقات الحنابلة . والفقهاء الذين يقفون هذا لموقف من المأمون هم الحنابلة . .

 

 

- ص 25 -

إن المأمون هو الحاكم الوحيد في تاريخ المسلمين الذي حاز على غضب الفقهاء ونقمتهم ليس لأسباب دينية أو سياسية ولكن لأسباب مذهبية . حيث أنه خالف نهجهم ومال لأصحاب العقل والرأي مما هدد نفوذ الفقهاء وأفكارهم ومعتقداتهم التي فرضوها على الأمة بدعم من الحكام السابقين بالزوال . .


يروي المؤرخون أنه لما جاء المتوكل أعلن سنة ( 234 ه‍ ) إبطال القول بخلق القرآن ، وأظهر الميل للمحدثين ووقف بجانبهم واستقدمهم إلى سامراء وأجزل عطاياهم وأكرمهم وأمرهم بأن يحدثوا بأحاديث الصفات وأحاديث رؤية الله . . وجلس أبو بكر بن أبي شيبة في جامع الرصافة فاجتمع إليه نحو من ثلاثين ألف نفس وجلس أخوه في جامع المنصور فاجتمع إليه مثل هذا العدد ، وكثر الدعاء للمتوكل وبالغ الفقهاء في الثناء عليه والتعظيم له واغتفروا له سوء فعاله . . ( 66 )


ويبدو لنا من خلال هذا أن فقهاء أهل السنة قد أخذوا الدفعة الكبرى التي أتاحت لهم الشيوع والانتشار والسيادة على الآخرين بالإضافة إلى نشر رواياتهم من المتوكل العباسي . وأنه لولا هذه الدفعة لكان فقهاء أهل السنة ورواياتهم في ذمة التاريخ . .


يروي السيوطي عن أحمد بن حنبل قوله: سهرت ثم نمت فرأيت في نومي كأن رجلا يعرج إلى السماء وقائلا يقول : ملك يقاد إلى مليك عادل متفضل في العفو ليس بجائر ثم أصبحنا فجاء نعي المتوكل من سر من رأى ( سامراء ) إلى بغداد . . ( 67 )


وروى أيضا عن عمرو بن شيبان قال : رأيت في الليلة التي قتل فيها المتوكل في المنام قائلا يقول :

  * هامش *  
 

( 66 ) أنظر كتب التاريخ فترة عصر المتوكل . وانظر تاريخ الخلفاء للسيوطي . .  ويروي السيوطي في تاريخ الخلفاء قول أحد الفقهاء : الخلفاء ثلاثة : أبو بكر في قتل أهل الردة ، وعمر بن عبد العزيز في رد المظالم ، والمتوكل في إحياء السنة وإماتة التجهم . ويقصد بالتجهم

تيار الجهمية المنسوب إلى الجهة بن صفوان الذي قتله ابن الأحوز عام ( 121 ه‍ ) وهو تيار يتبنى المجاز والتأويل فيما يتعلق بصفات الله سبحانه وهي نفس رؤية الشيعة والمعتزلة وفقهاء الحنابلة يطلقون على كل من يتبنى المجاز جهمي . انظر الرد على الجهمية والزنادقة لابن حنبل

( 67 ) تاريخ الخلفاء للسيوطي . وقد مات ابن حنبل في أيام المتوكل سنة ( 241 ه‍ )

 

 

- ص 26 -

يا نائم العين في أوطار جسمان أفض دموعك يا عمرو بن شيبان أما ترى الفئة الأرجاس ما فعلوا بالهاشمي وبالفتح بن خاقان وافى إلى الله مظلوما تضج له أهل السماوات من مثنى ووحدان وسوف يأتيكموا أخرى مسمومة توقعوها لها شأن من الشأن فابكوا على جعفر وارثوا خليفتكم فقد بكاه جميع الإنس والجان ثم رأيت المتوكل في النوم بعد أشهر فقلت : ما فعل الله بك ؟ قال : غفر لي بقليل من السنة أحييتها . . ( 68 )


ويروي الفقهاء عن المتوكل عدة روايات منسوبة للرسول ( ص ) منها : يروي السيوطي : سمعت المتوكل يحدث عن يحى بن أكثم عن محمد بن عبد الوهاب عن سفيان الثوري عن الأعمش أن رسول الله قال : من حرم الرفق حرم الخير . . ( 69 )


وروى ابن عساكر عن علي بن الجهم قال : كنت عند المتوكل فتذاكروا عنده الجمال . فقال : إن حسن الشعر لمن الجمال : ( 70 )

ويروى عن المتوكل عن المعتصم عن المأمون عن الرشيد عن المهدى عن المنصور عن أبيه عن جده عن ابن عباس قال : كانت لرسول الله ( ص ) جمة إلى شحمة أذنيه كأنها نظام اللؤلؤ . . ( 71 ) وقال علي بن الجهم : كان للمتوكل جمة إلى شحمة أذنية . . ( 72 )


وبداية من عصر المتوكل حصل فقهاء الرواية من الحنابلة وغيرهم على الحرية والدعم من حكام بني العباس فانطلقوا يجمعون الروايات وينشرونها ويرهبون بها المخالفين . .

  * هامش *  
 

( 68 ) المرجع السابق . والهاشمي نسبة إلى هاشم ويقصد به المتوكل أما الفتح بن خاقان فهو وزيره الذي قتل معه . وكان قتل المتوكل في مجلس لهوه ومعه وزيره سنة 247 ه‍ .

( 69 ) تاريخ الخلفاء . والحديث رواه الطبراني في معجمه . وتأمل المتوكل يروي عن الرسول ( ص ) حديث الرفق بينما هو كان جبارا باطشا بالرعية متعصبا ضج الناس من ظلمه وكتب أهل بغداد شتمه على الحيطان والمساجد وهجاه الشعراء ، انظر كتب التاريخ .

( 70 ) تاريخ الخلفاء . وانظر تاريخ دمشق لابن عساكر .
( 71 ) تاريخ الخلفاء والجمة يقصد بها شعر الرأس المجتمع . وهي إشارة إلى أن شعره كان طويلا ويصل إلى شحمة أذنيه . .
( 72 ) المرجع السابق . .

 

 

- ص 27 -

فظهر إسحاق بن راهويه والدارقطني وعلي بن المديني ويحيى بن معين وغيرهم الذين تتلمذ عليهم جامعو الأحاديث وأخذوا عنهم ووثقوهم ونقلوا الروايات عن طريقهم وعلى رأس هؤلاء البخاري وأبو داود والنسائي والدرامي والترمذي وابن ماجه والبيهقي ومسلم وابن حبان والحاكم وغيرهم . . ( 73 )


وقدم كتاب البخاري على هذه الكتب جميعا واعتبر أصح الكتب بعد كتاب الله لخلوه من الروايات التي تدعم الاتجاهات الأخرى خاصة الشيعة المنافس الدائم للفقهاء والحكام على مر تاريخ المسلمين . . واعتبر كتاب مسلم في الدرجة الثانية بعد البخاري بينما اختلف في كتب الآخرين وفي رواياتهم التي دخلت في دائرة القبول والرفض . . ( 74 )

وكان الفضل في انتشار البخاري وتقديمه يعود إلى الحكام وفقهاء السلاطين كذلك الحال بالنسبة لمسلم . . ( 75 )


من جهة أخرى حصل فقهاء الأحكام والعقائد على دعم الحكام وحمايتهم فدونوا كتب الفقه وكتب العقائد وتصدوا للتيارات المخالفة والمناهضة للوضع القائم ورموها بالزندقة والضلال وبدا أثر السياسة واضحا على نتاجاتهم الفقهية والعقائدية . . .

وأمسك الحكام بزمام الدين وأصبحوا يولون الفقهاء مناصب القضاء ويدعمون المذاهب الفقهية ويتغاضون عن اتجار الفقهاء بالدين مقابل سكوت الفقهاء عنهم ومباركتهم لمواقفهم و ممارساتهم . . وكان الفقهاء يسهمون بدور فاعل في اختيار الخلفاء وإضفاء المشروعية عليهم . .


يروي السيوطي أنه لما ثار الترك على المستعين بالله وقبضوا عليه وضربوه وطالبوه بأن يخلع نفسه أحضروا القاضي ابن أبي الشوارب والشهود من الفقهاء وخلعوه ( 76 )
 

  * هامش *  
 

( 73 ) أنظر تراجم هؤلاء في كتب الرجال وكتب الأحاديث وهي تراجم تضفي عليهم القدسية والمثالية الفائقة . انظر لنا النص والسياسة . .
( 74 ) أطلق على البخاري ومسلم لفظ الصحيحين . بينما أطلق على الكتب الأخرى اسم كتب السنن . .

( 75 ) مسلم هو تلميذ البخاري ، وقد حملت لواء الدعوة لهذين الكتابين الدول التي قامت في المشرق مثل الدولة الغزنوية والسلجوقية بحكم انتماء البخاري ومسلم إلى نيسابور وهما مدينتان واقعتان في دائرة نفوذهما ، والملفت للنظر أن البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي وسائر أصحاب السنن الذين تصدوا لجمع الروايات ينتمون لمنطقة واحدة وهي بلاد فارس وما وراء النهر بينما لا يوجد سوى عربي واحد تصدى لعملية الجمع قبل هؤلاء وهو أحمد بن حنبل وكتب مسنده الكبير إلا أنه لم يحظى بشهرة هذه الكتب ولم يعتمده الفقهاء كما اعتمدوا الكتب السابقة . .
( 76 ) تاريخ الخلفاء . ( * )

 

 

- ص 28 -

ولما قرر المهتدي بالله خلع المعتز جيئ بالشهود من الفقهاء وغيرهم من الأعيان فشهدوا على المعتز أنه عاجز عن الخلافة فاعترف بذلك ومد يده فبايع المهتدي . . ( 77 )

ولما حجر على الخليفة المعتمد جمع الفقهاء والقضاة والأعيان وطلب منهم أن يخلعوه فخلعوه كذلك حين خلع القاهر أقر الفقهاء ثورة الجند عليه وولوا الراضي بالله وطلبوا من القاهر أن يخلع نفسه فأبى فقبض عليه الجند وقتلوه . . ( 78 )


ومن الطريف أن الفقهاء المساجد كانوا يراقبون هذه الصراعات ويبادرون على الفور برفع اسم الخليفة المخلوع أو المقتول من الخطبة ويضعون اسم الخليفة الجديد وهو في أحيان كثيرة يكون صبيا لم يبلغ الحلم . . ( 79 )


ويروي السيوطي لما خلع المقتدر بالله وتولى الخلافة عبد الله بن المعتز ولقب بالغالب بالله وباركه الفقهاء . جمع المقتدر خواصه ولبسوا السلاح فلما رآهم ابن المعتز من حوله فر منهزما ومعه وزيره وقاضيه بلا قتال ، وقبض المقتدر على الفقهاء والأمراء الذين خلعوه وسلموا إلى يونس الخادم فقتلهم . . ( 80 )


وفي زمن المقتدر حوكم الحلاج من قبل الفقهاء وحكموا بقتله بعد أن اتهموه بادعاء الألوهية والدعوة إلى القرامطة . . ( 81 )

ويروى عن الخليفة القادر أنه كان من الديانة والسيادة وإدامة التهجد بالليل وكثرة البر والصدقات وحسن الطريقة على صفة اشتهرت عنه وعرف بها كل أحد مع حسن المذهب وصحة الاعتقاد . تفقه على يد أبي بشر الهروي الشافعي ، وقد صنف

كتابا في الأصول ذكر فيه فضائل الصحابة على ترتيب مذهب أصحاب الحديث وأورد في كتابه فضائل عمر بن عبد العزيز وإكفار المعتزلة والقائلين بخلق القرآن وكان ذلك الكتاب يقرأ في كل جمعة في حلقة أصحاب الحديث بجامع المهدي ويحضره الناس ، وترجم له ابن الصلاح في طبقات الشافعية ( 82 )
 

  * هامش *  
 

( 77 ) المرجع السابق . .
( 78 ) المرجع السابق وانظر شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد الحنبلي ج‍ / 2 / 292 أحداث عام 322 ه‍ .
( 79 ) أنظر المرجعين السابقين وكتب التاريخ .
( 80 ) تاريخ الخلفاء .
( 81 ) المرجع السابق . وانظر لنا الكلمة والسيف ، وقد قتل الحلاج عام 309 ه‍ .
( 82 ) أنظر تاريخ بغداد لابن الخطيب ، وتاريخ السيوطي وكتب التاريخ . ( * )

 

 

- ص 29 -

ولما هيمن السلاجقة على بغداد في عهد الخليفة القائم وظهر الوزير الفقيه نظام الملك وزير ألب أرسلان أبطل ما كان عليه الحال من قبل الوزير عميد الملك من سب الأشاعرة والتعصب للحنابلة وانتصر للشافعية وأعلى من قدر الأشاعرة وأكرم إمامهم الجويني إمام الحرمين وأبا القاسم القشيري وبنى المدرسة النظامية وهي أول مدرسة بنيت للفقهاء . . ( 83 )


وتولى الخلافة بعد القائم بأمر الله المقتدي بأمر الله وكان عمره تسعة عشر عاما وأتم بيعته من الفقهاء أبي إسحاق الشيرازي وابن الصباغ والدامغاني . وقام المقتدي بعزل فخر الدولة بن جهير من الوزارة لكونه شذ عن الحنابلة . . ( 84 )


ويروي السيوطي أن السلطان السلجوقي ملك شاه ضيق الخناق على المقتدر فدعا عليه فاستجاب الله دعائه ومات ملك شاه فعد الفقهاء ذلك من كرامات المقتدر . . ( 85 )


ويروى عن الخليفة المسترشد بالله أنه سمع الحديث عن فقهاء الحديث وذكره ابن الصلاح في طبقات الشافعية . وهو الذي صنف له الفقيه أبو بكر الشاشي كتابه العمدة في الفقه وبلقبه اشتهر الكتاب فإنه كان حنيئذ يلقب عمدة الدنيا والدين وذكره ابن السبكي في طبقات الشافعية . . ( 86 )


وتولى بعد المسترشد ولده الراشد فأراد السلطان مسعود السلجوقي خلعه فجمع الفقهاء وكتب محضرا فيه شهادة طائفة بما جرى من الراشد من الظلم وأخذ الأموال وسفك الدماء وشرب الخمر ، واستفتاهم فيمن فعل ذلك هل تصح إمامته ؟ فأفتى الفقهاء بجواز خلعه ، وحكم بخلعه ، وبايعوا عمه محمد بن المستظهر ولقب المقتفي لأمر الله ، وقتل الراشد بعد ذلك كما قتل أبيه من قبل . . ( 87 )


ويروي الفقهاء عن المقتفي قول الرسول ( ص ) : لا يزداد الأمراء إلا شدة ولا الناس إلا شحا ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس . . ( 88 )

  * هامش *  
  ( 83 ) أنظر تاريخ الخلفاء والمراجع التاريخية التي ترصد فترة ظهور السلاجقة . وانظر ترجمة ألب أرسلان ، والوزير نظام الملك في وفيات الأعيان لابن خلكان ج‍ 5 / 691 وج‍ 1 / 179 . .
( 84 ) تاريخ الخلفاء وتاريخ الإسلام للذهبي . .
( 85 ) تاريخ الخلفاء
( 86 ) المرجع السابق . . ( 87 ) المرجع السابق . . ( 88 ) المرجع السابق . .
 

 

- ص 30 -

ويقول ابن الجوزي عن الخليفة المستضئ بأمر الله : وفي خلافته انقضت دولة بني عبيد - الدولة الفاطمية - وخطب له بمصر وضربت السكة باسمه وجاء البشير بذلك فغلقت الأسواق في بغداد وعملت القباب ، وصنفت كتابا سميته ( النصر على مصر ) . . ( 89 )


وقال الذهبي : في أيامه ضعف الرفض - التشيع - ببغداد ووهى ، وأمن الناس ، ورزق سعادة عظيمة في خلافته ، وخطب له باليمن وبرقة ومصر إلى أسوان ودانت الملوك بطاعته وذلك سنة سبع وستين وخمسمائة . . ( 90 )


وقال العماد الكاتب : استفتح السلطان صلاح الدين سنة سبع وستين وخمسمائة بإقامة الخطبة في الجمعة الأولى منها بمصر لبني العباس وعفت البدعة وصفت الشرعة . . ( 91 )


ويروى عن الخليفة المستنصر بالله أنه أنشأ المدرسة المستنصرية ورتب فيها الرواتب الحسنة لأهل العلم على المذاهب الأربعة . كما رتب فيها مطبخا للفقهاء بالإضافة إلى البسط والحصر لبيوتهم والزيت والورق والحبر وغير ذلك وجعل لهم فوق ذلك في الشهر دينارا ونقل إليها الكتب النفيسة . . ( 92 )


ويروى عن المستعصم بالله : كان متدينا متمسكا بالسنة وخرج له الفقهاء أربعين حديثا ، قال السيوطي : رأيتها بخطة ( 93 ) وقد استخدم حكام بني العباسي الفقهاء في محاربة الدولة الفاطمية في مصر والتي ضمت إليها الشام وأصبحت تهدد الخلافة العباسية في بغداد . . ومن صور هذه الحرب حملات التشكيك التي شنها الفقهاء حول نسب الفاطميين إلى بيت الرسول ( ص ) ومحاولاتهم ربط نسب الفاطميين باليهود . . وقد كتب الفقهاء محضرا في بغداد يطعن في نسب الفاطميين هذا نصه :
 

  * هامش *  
 

( 89 ) المرجع السابق . وانظر بدائع الزهور في وقائع الدهور لابن إياس الحموي ، والنجوم الزاهرة لابن تغرى بردى والسلوك في معرفة دول الملوك للمقريزي والبداية والنهاية لابن كثير أحداث عام 567 ه‍ ، وهذه المراجع وغيرها تشهد بمدى الفرحة والشماتة التي أظهرها الفقهاء لسقوط الدولة الفاطمية الشيعية في مصر والتي كانت مناسبة ليقدم هؤلاء الفقهاء قرابين الطاعة والولاء لخلفاء بني العباس . انظر لنا كتاب الشيعة في مصر . .

( 90 ) أنظر تاريخ الإسلام . وتاريخ الخلفاء ، وتأمل قول الذهبي الذي ربط الأمن والسلام بذهاب التشيع معتبرا اتساع ملك المستضئ علامات الرضى والسعادة . .

( 91 ) تاريخ الخلفاء . ( 92 ) المرجع السابق . ( 93 ) المرجع السابق . . . ( * )

 

 

- ص 31 -

هذا ما شهد به الشهود أن معد بن إسماعيل المستولي على مصر ، هو معد بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن سعيد ، وأنهم منتسبون إلى ديصان بن سعد الدين ينتسب إليه الديصانية ، وأن سعيد المذكور صار إلى المغرب وسمي بعبيد الله ولقب

بالمهدي وأن هذا الناجم الحاكم بمصر هو منصور الملقب بالحاكم - حكم الله عليه بالبوار والدمار - ابن نزار بن معد بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن سعيد ، وأن من تقدمه من سلفه الأرجاس الأنجاس - عليهم لعنة الله ولعنة اللاعنين - أدعياء

خوارج لا نسب لهم في ولد علي بن أبي طالب - رضوان الله عليه - ولا يتعلقون منه بنسب ، وأن ما ادعوه من الانتساب إليه باطل وزور ، لم يتوقف أحد من أهل بيوتات الظالمين من إطلاق القول في هؤلاء لأنهم خوارج أدعياء ، وأن هذا الإنكار

لباطلهم كان سابقا بالحرمين وفي أول أمرهم بالمغرب انتشر انتشارا عظيما ، وأن هذا الناجم بمصر هو وسلفه كفار وفساق وزنادقة ملحدون معطلون وللإسلام حاجزون ولمذهب الثنوية والمجوسية معتقدون . عطلوا الحدود وأباحوا الفروج وأحلوا

الخمور وسفكوا الدماء وسبوا الأنبياء وادعوا الربوبية وكتب ذلك في ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعمائة ، وشهد بذلك من العلويين الشرفاء : المرتضى والرضي الموسويان ، وجماعة منهم ، وشهد من الفقهاء المعتبرين الشيخ أبو حامد الاسفرايني ، وأبو الحسن القدوري ، وقاضي القضاة محمد بن أحمد ، وأبو عبد الله البيضاوي . . ( 94 )


وقد انساق الفقهاء والمؤرخون وراء هذه الدعوى دون تدبر باستثناء المقريزي الذي انتقد هذا المحضر واعتبروا ما يقال في الفاطميين إنما هو من صنع خلفاء بني العباس وهو من قبيل الموضوعات . . ( 95 )

 

  * هامش *  
  ( 94 ) المرجع السابق . ( 95 ) المرجع السابق . . . ( * )  

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب