اختر اللون المناسب لأرضية الصفحة

 - مدافع الفقهاء - المستبصر : صالح الورداني - ص 34 -

- الفقهاء والمماليك :


ورث المماليك عن الأيوبيين مذهب الأشعري في العقيدة والشافعي في الفقه الذي فرضهما السلطان صلاح الدين على المصريين بعد تصفية الوجود الشيعي فيها . . . ( 109 )

وفي سنة ( 665 ه‍ ) أصدر الملك الظاهر بيبرس مرسوما بقصر التعامل في مجال الفتوى على أحد المذاهب الأربعة وفي مجال العقيدة على مذهب الأشعري . . ( 110 )


ولما كان حكام المماليك أصولهم من الرقيق كانت حاجتهم إلى الشرعية أشد من حاجة غيرهم من الحكام فمن ثم قد احتضنوا الفقهاء وقربوهم وأنعموا عليهم بالمناصب والعطاء فأصبحوا ظلهم الدائم لا يقطعوا أمرا دونهم . . وكان فقهاء الشافعية هم

الأقراب دوما من السلطان وأكثر المتولين لمناصب القضاء على مستوى مصر والشام دائرة حكم المماليك . . وكان حكام المماليك يمارسون سنة الأيوبيين والعباسيين من قبلهم في اختيار السلطان ومبايعته بشهادة الفقهاء ومباركتهم . .
 

  * هامش *  
 

( 109 ) أصدر صلاح الدين من قبل قراره بوجوب اعتناق مذهب الشافعي في الفقه والأشعري في العقيدة وأن من لا يلتزم بذلك حل دمه . انظر خطط المقريزي . وانظر لنا الشيعة في مصر . .
( 110 ) أنظر خطط المقريزي .

 

 

- ص 35 -

ويحدثنا التاريخ أن الفقهاء وحكام المماليك كانوا في حالة وئام وتعايش ولم تبرز حالة صدام واحدة بين الطرفين رغم وجود شبهات شرعية حول تولي الرقيق أمر المسلمين ورغم أن الطرف الحاكم كان شديد التعسف والظلم للرعية . . ( 111 )


وحين سقطت الدولة العباسية على يد التتار عمل الظاهر بيبرس على إحياء الخلافة العباسية في مصر فاستقدم أحد أبناء العباسيين وهو أحمد بن الخليفة الظاهر بن الخليفة الناصر والذي كان قد فر هاربا من وجه التتر . . . وخرج الظاهر بنفسه ومعه وزيره وقاضي القضاء تاج الدين بن بنت الأعز والفقهاء والأمراء لإستقباله وأسكنه قلعة الجبل ثم أشهد قاضي القضاة

والفقهاء بأن نسبه يتصل بالعباس بن عبد المطلب وأقر بذلك القضاة والفقهاء ، فقام السلطان بيبرس فبايعه وتبعه القضاة والفقهاء ولقب بالمستنصر بالله . . ( 112 )


ولم تكن فكرة نقل الخلافة العباسية إلى مصر سوى واجهة لحكام المماليك يستمدون منها الشرعية التي افتقدوها بسبب انتسابهم إلى الرق . ففي نفس العام الذي وصل فيه المستنصر العباسي إلى مصر وهو عام ( 659 ه‍ ) قام بيبرس بجمع القضاة والفقهاء وجاء بالمستنصر ليخلع عليه خلعة السلطنة ويقلده حكم البلاد وتم ذلك في حفل كبير . . ( 113 )


وكان الخليفة العباسي في ظل حكم المماليك لا يملك من الأمر شئ فهو ليس إلا مجرد صورة وتنحصر مهمته في تقليد سلاطين المماليك وتفويضهم لحكم البلاد ، وإذا ما بدرت منه بادرة أثارت ريب السلطان فإنه لا يتردد في عزله وحبسه أو قتله وتولية الخلافة لمن يشاء من أبناء العباسيين في مصر . . ( 114 )


وقد عايش الفقهاء هذا الوضع المتناقض والمخالف لقواعد الفقه والاعتقاد التي ورثوها عن طريق السلف والروايات ( 115 )

  * هامش *  
 

( 111 ) طال هذا الظلم والتعسف الفقهاء أنفسهم . ويذكر أن هناك حالة واحدة لصدام وقع بين الفقهاء وحكام المماليك وهي حالة سلطان العلماء الشيخ العز بن عبد السلام وتصديه للرسوم المالية التي كان يفرضها المماليك على الناس كما طالب ببيع المماليك في الأسواق ثم تحريرهم . .
( 112 ) أنظر تاريخ ابن خلدون ج‍ 3 ، والمقريزي السلوك ج‍ 1 وبدائع الزهور والنجوم الزاهرة
( 113 ) أنظر المراجع السابقة وتاريخ الخلفاء . . .
( 114 ) أنظر المراجع السابقة وكتب التاريخ التي ترصد العصر المملوكي . .
( 115 ) تنص عقيدة الفقهاء وقواعد الفقه على أن الخليفة يجب أن يكون قرشيا وهو ما أشارت به الروايات . .

 

 

- ص 36 -

وحين برز ابن تيمية واصطدم بفقهاء عصره بسب أفكاره الشاذة في مسألة صفات الله وزيارة القبور والطلاق وغيرها من المسائل انحاز إليه بعض أمراء المماليك وعاداة الطرف الآخر ، ورغم العلاقة التي كانت تربطه بالسلطان محمد بن قلاوون إلا أنه ضحى به في النهاية تحت ضغط الفقهاء والقضاة وحبسه حتى مات في الحبس . . ( 116 )


وفي عصر السلطان الناصر فرج الذي حفل بالمظالم والاضطربات وسفك الدماء دخل فرج في صدامات مع الأمراء الخارجين عليه في الشام ولحقت به الهزيمة النكراء فاستدعى الفقهاء والقضاة وحثهم على نصرته والقيام معه فأجابوه . . ( 117 )


وحين أطيح بالناصر واستبد الأمراء بالحكم تحت ستار الخليفة المستعين ، وعاد فرج للمطالبة بالحكم بقوة عسكرية . كتب المستعين والقضاة والفقهاء محضرا يحكمون بمقتضاه على الناصر فرج بالخروج عن الدين واستباحة دمه . . ( 118 )


ولما سقط الناصر فرج في قبضة الأمراء اجتمع المستعين والفقهاء من مصر والشام وقرروا جميعا الحكم بإراقة دمه ، فقتل في صفر عام ( 815 ه‍ ) . . ( 119 )


ثم أن القضاة الأربعة - الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي - اجتمعوا بعد ذلك بإشارة من كاتب سر السلطان المؤيد شيخ واتفقوا على خلع الخليفة المستعين . . ( 120 )

وكان حكام المماليك إذا ما خرجوا للحرب يأخذون الفقهاء معهم ضمن عناصر الجيش ( 121 ) وقد عبر ابن حجر العسقلاني عن سعادته بانتصار المستعين على المماليك واسترداده لسلطاته قبل أن يطاح به من جديد - بقصيدة طويلة تقول :

الملك فينا ثابت الأساس بالمستعين العادل العباسي رجعت مكانة آل عم المصطفى لمحلها من بعد طول تناسى

  * هامش *  
  ( 116 ) أنظر ترجمة ابن تيمية في الدورر الكامنة . . وانظر تفصيل هذا الأمر في فصل مدافع ابن تيمية
( 117 ) أنظر النجوم الزاهرة ج‍ 13 والمقريزي وكتب التاريخ .
( 118 ) أنظر المراجع السابقة ، وحسن المحاضرة للسيوطي ج‍ 2 ، ويذكر أن المستعين قام بعزل جلال الدين البلقيني قاضي الشافعية لتحالفه مع الناصر فرج . وكان للبلقيني دور بعد ذلك في التآمر على المستعين . .
( 119 ) أنظر المرجعين السابقين وتاريخ الخلفاء . .
( 120 ) أنظر بدائع الزهور ج‍ 1 وخطط المقريزي ج‍ 2 والنجوم ج‍ 13 . وانظر تاريخ الخلفاء . .
( 121 ) أنظر المراجع السابقة . . ( * )
 

 

- ص 37 -

فرع نما من هاشم في روضة زاكي المنابت طيب الأغراس من أسرة أسروا الخطوب وطهروا مما يغيرهم من الأدناس مثل الكوكب نوره ما بينهم كالبدر أشرق في دجى الأغلاس فالحمد الله المعز لدينه من بعد ما قد كان من إبلاس ومناقب العباسي

لم تجمع سوى لحفيده ملك الورى العباسي لا تنكروا للمستعين رئاسة في الملك من بعد الجحود الناس مولاي عبدك قد أتى لك راجيا منك القبول فلا يرى من بأس فأدام رب الناس عزك دائما بالحق محروسا برب الناس . ( 122 )


ويقول السيوطي مباركا هذه الفترة : واعلم أن مصر حين صارت دار الخلافة عظم أمرها وكثرت شعائر الإسلام فيها ، وعلت فيها السنة ، وعفت عنها البدعة ، وصارت محل سكن العلماء ومحط رحال الفضلاء ، وهذا سر من أسرار الله أودعه في الخلافة النبوية حيث ما كانت يكون معها الإيمان والكتاب . . ( 123 )


 

  * هامش *  
 

( 122 ) تاريخ الخلفاء . وابن حجر من أعيان القرن التاسع ومن كبار فقهاء أهل السنة وهو الذي تصدى لشرح البخاري بكتاب أسماه فتح الباري شرح صحيح البخاري وضع له مقدمة طويلة تحت عنوان هدى الساري دافع فيها عن الطعون التي وجهت للبخاري والقصيدة تزيد على الأربعين بيتا وقد اخترنا منها هذه الأبيات العشرة . .
( 123 ) حسن المحاضرة . .

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب