اختر اللون المناسب لأرضية الصفحة

 - مدافع الفقهاء - المستبصر : صالح الورداني - ص 37 -

- الفقهاء والعثمانيين :


وضع العثمانيون حجر الأساس لأول مؤسسة دينية حكومية تخضع لإشراف الحكم في تاريخ المسلمين ، وقبلهم كان الحكام يتعاملون مع الفقهاء وفق الحاجة والمصلحة . فتارة يقربون الشافعية . . وتارة ينقمون عليهم . .

وتارة يقربون المالكية . . وتارة ينقمون عليهم . . وكان من الممكن للحاكم أن يتعامل مع فقهاء المذاهب الأربعة في وقت واحد . كما كان الفقهاء والقضاة يدينون بالطاعة والولاء للحاكم ولكهنم لم يكونوا ينطقون جميعهم بلسانه
 

  * هامش *  
 

( 122 ) تاريخ الخلفاء . وابن حجر من أعيان القرن التاسع ومن كبار فقهاء أهل السنة وهو الذي تصدى لشرح البخاري بكتاب أسماه فتح الباري شرح صحيح البخاري وضع له مقدمة طويلة تحت عنوان هدى الساري دافع فيها عن الطعون التي وجهت للبخاري والقصيدة تزيد على الأربعين بيتا وقد اخترنا منها هذه الأبيات العشرة . .
( 123 ) حسن المحاضرة . .

 

 

- ص 38 -

ويعتمدون في أرزاقهم عليه . . إلا أن العثمانيين بإعلانهم مؤسسة شيخ الإسلام قد حكروا الدين في دائرة هذه المؤسسة التي منحت الشرعية وفق مذهب الأحناف الذي تبنته الدولة العثمانية بينما أخرجت المذاهب والاتجاهات الأخرى من دائرة الحماية

الحكومية لتتحول إلى أنشطة فقيهة أهلية لا تملك القدرة على التأثير في الجماهير والانتشار على ساحة الواقع بل أصبحت محل رصد السلطة وتحيط بها الشبهات وتوضع أمامها العراقيل . . ( 124 )


وتحول الفقهاء إلى موظفين في الدولة فأصبحوا ينتظرون تعليماتها وينطقون بلسانها ويفتون لصالحها . . ومن باب حماية هذه المراكز الوظيفية والامتيازات التي ترتبط بها اتخذ فقهاء الدولة موقف العداء الصريح من الفقهاء والأنشطة والتيارات التي لا تخضع لهم وتنازعهم دورهم وتهدد نفوذهم وتوقع بينهم وبين الحاكم . . .
 

وبداية من هذه الفترة ظهرت طبقتان من الفقهاء : طبقة حكومية . وطبقة شعبية . وبين الطبقتين صراع قائم ومستمر كثيرا ما يسهم الحاكم في زيادة حدته من باب سياسة فرق تسد ومن باب شغل الجميع ببعضهم . . ولقد استقبل الفقهاء العثمانيين كفاتحين مسلمين جاءوا لتحريرهم من استعمار المماليك واعترفوا بهم كخلفاء شرعيين .


يقول ابن العماد عن سليم الأول العثماني : هو من بيت رفع الله على قواعده فسطاط السلطنة الإسلامية ، ومن قوم أبرز الله تعالى لهم ما ادخره من الاستيلاء على المدائن الايمانية رفعوا عماد الإسلام وأعلوا مناره وتواصوا باتباع السنة المطهرة وعرفوا للشرع الشريف مقداره وصاحب الترجمة منهم - أي سليم - هو الذي ملك بلاد العرب واستخلصها من أيدي

  * هامش *  
 

( 124 ) تحقق للمذهب الحنفي أول انتشار عالمي في تاريخه على أيدي العثمانيين إذ أصبح المذهب الرسمي لكثير من الدول حتى اليوم ، ولا زال المذهب الرسمي للأزهر .

 

 

- ص 39 -

الجراكسة - المماليك - بعد ما شتت جمعهم . . . ( 125 )

ويقول الشيخ مرعي الحنبلي مثنيا على سليم الأول لتصديه لإسماعيل الصفوي الشيعي مؤسس الدولة الصفوية في إيران : وفي أيامه تزايد ظهور شأن إسماعيل شاه واستولى على سائر ملوك العجم وقتل العلماء وأحرق كتبهم ونبش قبور المشايخ من أهل السنة ، فلما بلغ السلطان سليم ذلك تحركت همته لقتاله وعد ذلك من أفضل الجهاد . . ( 126 )


وعندما دخل سليم الأول حلب وحضر صلاة الجمعة فيها خطب الخطيب باسمه ونعته بخادم الحرمين الشريفين فسجد لله شكرا ثم ارتحل إلى الشام وأمر بعمارة قبة على الشيخ محي الدين بن عربي بصالحية دمشق . . ( 127 )


وعندما دخل سليم الأول مصر ودانت له استقبله الفقهاء والقضاة فقام بتولية الأربع وهم كمال الدين الشافعي ونور الدين علي الطرابلسي الحنفي والدميري المالكي وشهاب الدين بن النجار الحنبلي . . . ( 128 )


وكان القاضي بن ظهيره الشافعي قاضي مكة قد حبس بمصر بأمر من السلطان الغوري ثم أطلقه طومان باى بعد مصرع الغوري في وقعة مرج دابق ، ولما جاء سليم الأول مصر جاء إليه بن ظهيره فأكرمه وعظمه وخلع عليه وجهزه إلى مكة معززا مكرما مع الإحسان إليه وجعله نائبه في تفريق الصدقات السليمية . . ( 129 )


ولما دخل السلطان سليم الأول إلي مدينة تبريز لقتال شاه إسماعيل الصفوي أخذ معه إلى بلاد الروم الفقيه ظهير الدين الأردبيلي الحنفي الشهير بقاضي زاده وعين له كل يوم ثمانين درهما . . ( 130 )


وفي سنة ( 956 ه‍ ) جلس المولى عبد الكريم الملقب بمفتي شيخ الرومي الحنفي بقسطنطينية مشتغلا بالارشاد والفقه حتى أتقن مسائلة وعين له السلطان سليمان كل يوم مائة عثماني
 

  * هامش *  
 

( 125 ) شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد الحنبلي ج‍ 8 / 143 أحداث عام 926 ه‍ . .
( 126 ) شذرات الذهب ج‍ 8 / 144 . أحداث عام 926 ه‍ . .
( 127 ) المراجع السابق ص‍ 145 . . ويذكر أن سليم الأول كان قد استصدر فتوى من الفقهاء تبيح له غزو مصر ومحاربة المسلمين . كما أن سليم الثاني استصدر فتوى عام 1570 م تبيح له نقض العهود والمواثيق مع أهل البندقية والعدوان عليهم . .
( 128 ) المرجع السابق ص‍ 146
( 129 ) المرجع السابق ص 148 .
( 130 ) المرجع السابق ص‍ 173 أحداث عام 930 ه‍ . .( * )

 

 

- ص 40 -

ونصبه مفتيا فأفتى وظهرت مهارته في الفقه . . . ( 131 )

ولم يكن حكم الأتراك العثمانيين يختلف في شئ عن حكم الأمويين والعباسيين وغيرهم من الدول الجائرة المستبدة التي كان الدين بالنسبة لها مجرد شعار ولا تطبق أحكامه إلا على الرعية . . وقد أحدث السلطان مراد الأول منصب قاضي العسكر الذي كان صاحب سلطة مطلقة تجاوزت الحدود العسكرية إلى السيطرة على القضاة والفقهاء والموظفين . . ( 132 )


وخضت الهيئات الدينية والقضائية بعد عهد سليم الأول لمفتي استانبول أو ما أطلق عليه مفتي التخت السلطاني أو شيخ الإسلام ، وعمل السلطان محمد الثاني وسليمان الأول على ودعم مركز شيخ الإسلام وتقوية شوكته ورفعه إلى أعلى المناصب الإدراية في الدولة . . ( 133 )


ومع بروز الحركة الوهابية الحنبلية في جزيرة العرب وإعلانها الحرب على دولة الخلافة العثمانية ، استثمر العثمانيون الفقهاء في مواجهتها وإبطال دعواها . . إلا أن الحركة الوهابية رغم الضربات القاتلة التي وجهت لها على يد محمد على حاكم مصر وقواته تمكنت من الانتصار على العثمانيين في النهاية والاستقلال بجزيرة العرب وذلك بدعم آل سعود وقوى أجنبية أخرى معادية للعثمانيين على رأسهم الانجليز . . . ( 134 )


والعجيب أن الأفكار الحنبلية التي تبنتها تلك الحركة لا تنص على فكرة الخروج على الحاكم تحت أي دعوى ، وأن نصوص أمام الحنابلة صريحة في ذلك . . ( 135 )


والأكثر عجبا أن الوهابيين أقاموا نظام حكم في جزيرة العرب لا يمت بصلة إلى نظام الخلافة وكان أسوا بكثير من نظام حكم العثمانيين . . وتعايش الفقهاء مع حكم آل سعود في داخل الجزيرة وفي خارجها رغم أن عقيدة أهل السنة تنص على عدم جواز البيعة والطاعة لإمامين في وقت واحد توجب قتل الإمام الثاني
 

  * هامش *  
  ( 131 ) المرجع السابق ص‍ 310 . .
( 132 ) أنظر تاريخ الشعوب الإسلامية لبروكلمان . .
( 133 ) المرجع السابق . .
( 134 ) أنظر فصل مدافع محمد بن عبد الوهاب ومدافع ابن باز . .
( 135 ) أنظر نصوص الفقهاء في الحكام فيما بعد . وانظر فصل مدافع ابن حنبل . .  ( * )
 

 

- ص 41 -

بحكم خروجه على الإمام الأول وحسب نص الحديث . . ( 136 )


ثم استولى آل سعود على الحرمين وأخضعوهما لسياستهم وبارك الفقهاء هذا الوضع رغم ما يحمل من نتائج سلبية تنعكس على ممارسة الشعائر في هذين المكانين حيث أخضع الوهابيون الحرمين لأفكارهم الحنبلية المتشددة ومنعوا أية ممارسات ترتبط بالمذاهب الأخرى خاصة فيما يتعلق بزيارة قبر الرسول وآثار النبي وآل البيت . . ( 137 )


وقد أكثر الفقهاء من البكاء والعويل على دولة الخلافة الزائلة وإنزال اللعنات على مصطفى كمال أتاتورك والحكم بكفره ، ثم ما لبثوا أن وجدوا بديلا يعطي بلا حساب فاتجهوا نحوه بقلوبهم وألسنتهم وهو الحكم السعودي ، فهو من منظورهم الحكم الوحيد الباقي على وجه الأرض الذي يرفع راية الإسلام ويطبق شرع الله . . ( 138 )
 

والحق أن نظام الحكم السعودي ليس إلا امتدادا للحكم الأموي والعباسي والأيوبي والمملوكي والعثماني والإسلام عنده ليس سوى شعار والشرع عنده خاص بالرعية . . ( 139 )

 

  * هامش *  
 

( 136 ) هناك رواية شهيرة حول هذه القضية تقول : إذ بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما . . انظر مسلم كتاب الإمارة . وانظر كتب السنن . وانظر نصوص الفقهاء حول الحكام . ويلاحظ هنا أن آل سعود لا ينتمون إلى قريش بل إلى نجد . .

( 137 ) أنظر مدافع ابن عبد الوهاب وابن باز ، وقد دمر الوهابيون آثار الرسول ( ص ) في مكة وقاموا بسد غار حراء وهدموا قبور آل البيت في البقيع وعزلوا المقبرة عن الناس . كذلك باعدوا بين الناس وبين قبر الرسول ( ص ) .

( 138 ) أنظر لنا كتاب فقهاء النفط ، وكتاب ابن باز فقيه آل سعود . 
( 139 ) أنظر المرجعين السابقين . . ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب